 |
|
خاتمي |
الرئيس
الإيراني السابق "محمد خاتمي"
يتمتع بكاريزما خاصة، فملامح الرجل
وشخصيته وتعبيرات وجهه تكشف عن طبيعة
خاصة يتمتع بها، ولعل ذلك يعود إلى
أنه دخل على ميدان السياسة من خلال
الثقافة والعلم، حيث كان أستاذا
للفلسفة، ولعل زوجته أدركت ما يتمتع
به وأكدت في أثناء حملته الانتخابية
السابقة التي واجه فيها التيار القوي
والمحافظ في إيران "أن الرجل خلق
للثقافة ولم يخلق للصراع في السياسة".
ولذا
لم يكن غريبا أن يكون لهذا الرئيس
صاحب الرؤية الفلسفية مشاركة فكرية
لمحاولة إنقاذ العالم من نظرية "صراع
الحضارات" التي تحدث عنها الكاتب
الأمريكي "صمويل هنتنجتون"
والتي أشار فيها إلى أن العلاقات بين
الحضارات هي علاقة تصادمية ولن تحل
إلى عن طريق الصراع، وهو طرح لم يقبله
خاتمي وأكد في طرح مضاد له إمكانية
تحقيق حوار بين الحضارات، ولم يكتف
خاتمي بذلك بل طرح مشروعه على هيئة
الأمم المتحدة لتتبناه لبناء حياة
أفضل في ظل الحوار وليس الصراع.
وفي
هذا الحوار - الذي جرى على هامش
مشاركته في مؤتمر تحالف الحضارات
الذي أقيم العاصمة القطرية ما بين 26 و28
فبراير الماضي - يؤكد خاتمي على أهمية
وضرورة الحوار بين الحضارات، وعلى
أهمية الحوار الذاتي بين المذاهب
والإثنيات داخل العالم الإسلامي،
ويرفض منطق التعصب ويعتبره عنوانا
للجهل، حيث يرى أن الحوار مع الغرب لا
يعني الاستسلام للاستبداد سواء كان
من الاستعمار التقليدي أو العولمة
الجديدة، ومن ثم فالحوار عنده مواجهة
ومقاومة، ومن ثم فهو يحتاج إلى ثقافة
المقاومة. ويقترح أن يتم الحوار حول
حقوق الإنسان التي لا تبعد عن مقاصد
الشريعة الإسلامية، وأن يكون الحوار
من أجل مصلحة الشعوب في المقام الأول.
حوار
المذاهب قبل الأديان
*
كيف
نبدأ بحوار الأديان ونحن لم نحاول بعد
حوار الداخل ونقصد به حوار المذاهب في
ظل أزمة تفجير المراقد والاعتداء على
السنة أفلا تعتقدون أن هناك ضرورة
لإجراء حوار مع النفس قبل أن نبدأ مع
الآخر، حوار المسلمين فيما بينهم (كافة
المذاهب) قبل حوار المسلمين مع
الغربيين؟.
-
أنا
متأسف جدا من الوضع العام الذي يسود
العالم اليوم فلا تزال هناك تعصبات
كثيرة بين أصحاب المذاهب المختلفة،
وكي نتمكن من التواصل والتعايش
والتفاهم، فلا بد من ثقافة جديدة تسود
بيننا، ما دام يوجد من يعتقدون أنهم
يملكون كل الحقيقة، ويريدون لأنفسهم
الحق في فرض كل ما يعتقدون به على
الآخرين بأي وسيلة وبأي طريقة يرونها
ممكنة، ونتاج هذا التفكير سيكون
مزيدا من الصدام الداخلي فيما بيننا.
فالحرب
والإرهاب يأتيان من منبع واحد، ويجب
أن نكافح هذه المسالة من جذورها،
فإننا جميعا كبشر نسبيون وكل واحد منا
يحترم عقائده الخاصة، ولكن المهم أن
نحترم اختلاف العقائد والمذاهب التي
لا نعتنقها، خاصة أن ديننا يطالبنا
بإلحاح بمثل هذا التفكير ويدعونا إلى
نبذ هذه التعصبات التقليدية، وعدم
قبولها دون تفكير، وكما يقول الحق "إنا
وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم
مهتدون" فمصداق هذه الآية هو
مطالبتنا بأن نجدد الفكر وألا نستسلم
لأي معتقد نرثه دون وعي. وهنا فإن
علماء الدين يلعبون دورا أساسيا في
المواءمة بين الأصالة والتجديد، ولكن
يجب أن نعلن أسفنا الواضح لأن الكثير
من علماء الدين لا يزالون يورثون فكرا
تعصبيا.
*
كيف
نجد أرضية مشتركة بين السنة والشيعة
في العالم الإسلامي؟.
-
للأسف
الشديد بالرغم من أن هناك الكثير من
الأصول والأساسيات التي يمكن أن نتفق
عليها، لكنني أؤكد أننا نلهي أنفسنا
بالفروع رغم أننا يجب أن نترك الفروع
الخلافية ونركز على القواسم
المشتركة، وإذا ما أدركنا بشكل صحيح
أن ما يهددنا من تحديات هي الأصول،
فسوف نتجاوز أزمة اختلافات المذاهب
الفرعية، وإذا ما أدركنا أن القراءة
التقليدية التي نقدمها هي التي تنفر
الشباب عنا، عندئذ ندرك أن ذلك يكون
سببا عندما نستبعده، ومن ثم سنجد
أرضية مشتركة نكسب بها الشباب ونتخطى
بها أزمة اختلافات المذاهب.
الحوار
مع الغرب
*
هل
ترى أن حوار الأديان حوار نخب فقط
بمعنى أن العرب يقترحون قضايا
اقتصادية بينما يطرح الغرب قضايا
سياسية بمعنى أن كلا يغني على ليلاه؟.
- بالتأكيد
فإن النخب يلعبون دورا هاما في هذا
الحوار ويستطيعون أن يلعبوا دورا
أكثر لكن المهم أن ننقل مستويات
الحوار إلى فئات أخرى من الشعب.
*
هل هناك تكافؤ في الحوار بين الثقافات
في ظل تقدم حضاري غربي يوازيه انهيار
حضاري عربي وإسلامي؟.
-
الحضارة
الإسلامية توقفت في نفس الوقت الذي
تقدمت فيه الحضارة الغربية. وهو حكم
شائع منذ أن سأل شكيب أرسلان من قبل:
لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟.
والحضارة لإسلامية في الحقيقة لم
تتوقف في القرون السبعة الأخيرة،
فترة ما بعد ابن خلدون في العصر
المملوكي العثماني، بل دونت من
الذاكرة في المرحلة الثانية ما
أبدعته بالعقل في القرون السبعة
الأولى. كما ازدهرت العلوم الرياضية
في هذه الفترة خاصة علوم الفلك، بل
ازدهرت العلوم الإسلامية في إيران من
الطوسي حتى صدر الدين الشيرازي.
ومنذ
مائتي عام ونحن نحاول النهوض من جديد،
ونغلق هذه الفترة الثانية لبداية
فترة ثالثة ابتداء من الإصلاح الديني
عند الأفغاني أو فجر النهضة العربية
منذ الطهطاوي أو بداية بالتفكير
العلمي العلماني عند شبلي شميل في
بدايات ثلاثة: الدين والدولة
والطبيعة. وما زلنا نطور الإصلاح
الديني على الرغم من كبوته وانتهائه
إلى تيار سلفي. والثورة الإسلامية في
إيران ضمن هذه المحاولات الجديدة
لتطوير الفكر الإصلاحي وتحويله إلى
فكر ثوري.
أما
الغرب فقد تقدم في بداية العصور
الحديثة بالعودة إلى الآداب القديمة
في القرن الرابع عشر، والإصلاح
الديني في الخامس عشر، والنهضة في
السادس عشر، والعقلانية في السابع
عشر، والتنوير في الثامن عشر، والعلم
والثورة الصناعية الأولى في التاسع
عشر، والتكنولوجيا الحديثة في القرن
العشرين.
لقد
أعلن الغرب عما مارسه في الخفاء منذ
محاولاته القضاء على ثقافات الشعوب
المستعمرة في نصف الكرة الغربي،
ثقافة الهنود الحمر، وأصبحت أفريقيا
تتكلم الفرنسية في الشمال،
والإنجليزية في الوسط، والأسبانية
والبرتغالية في الجنوب. وتحولت
أفريقيا إلى فرانكفورنية
وأنجلوفونية. وفي آسيا في الهند أصبحت
اللغة الإنجليزية فيها لغة وحيدة في
شبه القارة، وتتكلم الفلبين
الأسبانية.
ولأن
العالم يعيش اليوم متغيرات كثيرة،
أُنتجت تحديات اقتصادية اجتماعية
وسياسية، وأخطرها الثقافية التي
أفرزت مجموعتين من الدول: مجموعة
تحاول بسط هيمنتها وقوتها على كل ما
يدب على البسيطة عن طريق فرض فكرها
وثقافتها على العالم ، انطلاقا من
شعار عالمية الثقافة، ومجموعة ثانية
نظرت إلى المجموعة الأولى بعين
الإكبار والرهبة والخوف.
ورغم
هيمنة الغرب فإن الحوار معه لا يعني
الاستسلام لشتى جنود الاستبداد، من
الاستعمار التقليدي إلى العولمة
الجديدة. الحوار في هذه الحالة مواجهة
ومقاومة، تحتاج إلى ثقافة المقاومة.
وقد تغير الوضع الآن بعد انتصار جنوب
لبنان على الاحتلال الإسرائيلي،
والمقاومة الفلسطينية على وشك
الانتصار على جنود الاحتلال في الضفة
والقطاع. ويتم الحوار حول حقوق
الإنسان، وهي لا تبعد عن مقاصد
الشريعة، الضروريات الخمس التي من
أجلها وضعت الشريعة ابتداء: الحفاظ
على النفس أي الحياة، والعقل أي
العلم، والدين أي الحقيقة الثابتة
بعيدا عن النسبية والشك، والعرض أي
الكرامة الوطنية، والمال أي ثروات
الشعوب.
وحوار
الحضارات الآن ليس على مستوى
الأيدولوجيا، بل حول العلم والعدالة،
وهي أيضا أيدولوجيا ضمنية. فالعلم حكر
على الغرب: رأسماليته الجديد،
والعدالة شروطها غربية: العولمة
والسوق والربح، ومنظمة التجارة
العالمية، ورفع الحواجز الجمركية،
والتنازل عن السيادة الوطنية،
وابتلاع المركز للأطراف.
وإذا
كان هناك دعوة لتحالف الحضارات،
فإننا نعمل على أن نوجهها كي تتجه
للتحالف من أجل السلام لا الحرب،
وللدفاع عن صوت الشعوب مثل حقوق شعوب
فلسطين وكشمير والشيشان في تقرير
المصير.
حضارة
من أجل الإنسان
*
كيف
يتمكن المسلمون من تحقيق ريادة
حضارية في ظل الانحطاط الذي يعيشون
فيه على المستوى العلمي والاقتصادي؟.
- يجب
على الأمة التي تريد أن يكون لها
مكانة مرموقة بين أمم الأرض، أن يكون
لها دور فعال في المساهمة في تقديم
أفكار جيدة تساعد على تقليص مشاكل
البشرية، خصوصا فيما يتعلق بقضية
الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على
نحو عادل وفعال معا، في كل من بلاد
المسلمين وغيرهم، فالوضع في غاية
الحساسية والخطورة فيما يخص التنافس
الحضاري بين أمم الأرض، وذلك لأن
التفوق ينبغي أن يكون "لإحداها"
فكريا، ولا مكان لأمتين معا في خانة
واحدة هي خانة التفوق الحضاري، ولا
مجال هنا إلا لأحد الاحتمالين
التاليين: إما أن نقبل - كمسلمين -
التحدي الخطير، وبذلك نكون في وضع
يدعونا إلى نشاط ضخم، وإما أن نخسر
الحرب الحضارية، قبل بدايتها،
بالانسحاب المهين من ميدان التنافس
الفكري العالمي، تاركين المجال للأمم
الفاشلة فكريا، القوية عضليا فقط.
*
هل
تعتقدون أن نتائج المفاوضات
الإيرانية الروسية الأخيرة بشأن
تخصيب اليورانيوم بروسيا ستكون بادرة
أمل طيبة لحل الأزمة الراهنة لإيران
مع الغرب؟.
-
كلنا
أمل في أن نجد حلولا مرضية من خلال
العمل الدبلوماسي، ونتوقع من الوكالة
الدولية للطاقة الذرية والدول
المختلفة بما فيها الدول الأوروبية
أن تكون منصفة في التعامل مع الملف
النووي الإيراني، ونأمل أن يتبع كذلك
المفاوضون الإيرانيون طرقا حكيمة
ومدبرة لحل القضية الإيرانية، وما
زلنا نتفاوض مع الروس ولم يصلنا بعد
الوقود من روسيا.
اقرأ
أيضا:
**صحفية مقيمة في الدوحة
|