 |
|
غلاف
الكتاب
|
ينتقد
سام هاريس Sam Harris في كتابه "نهاية الإيمان:
الدين والإرهاب ومستقبل العقل" "The End of
Faith: Religion, Terror, and the Future of Reason" الذي يقع في
(301) صفحة ما يصفه بالابتعاد عن الحكمة
والمنطق في التعامل مع النصوص الدينية وعدم
لجوء المؤمنين بها من مختلف الأديان؛ للبحث
عن الدليل العلمي على ما تنص عليه الكتب
الدينية. وذلك على الرغم من أن الإنسان في
عالم اليوم أصبح علميًّا في تفكيره لكونه
يطالب بالحصول على الأدلة والبراهين
العلمية ويقوم بطرحها للتجربة قبل أن يؤمن
بأية فرضية.
ويقول
إن المؤمن يميل إلى تغييب العقل وتصديق
المعجزات التي وردت في الكتب الدينية والتي
لا يمكن أن تسندها أية أدلة علمية، والمثال
على ذلك إيمان المسيحيين بأن المسيح وُلد من
أم عذراء، وإيمان المسلمين بأن النبي محمد
صعد إلى السماء خلال الإسراء والمعراج.
غياب
العقل
يشدد
الكاتب على أن الخطر لا يكمن في النصوص
والأفكار الدينية ذاتها، بل إنها تبقى مجرد
كلمات إلى حين أن يتم الإيمان بها حينئذ تصبح
تلك النصوص والأفكار جزءًا من منظومة
التفكير والعقل لدى الإنسان، وبالتالي تعمل
على تحديد رغباته وتطلعاته ومصادر قلقه،
وتتحكم في باقي تصرفاته. ويقول إن هناك على
ما يبدو مشكلة فيما يتعلق ببعض معتقداتنا
الدينية المقدسة، حيث إنها تدفع البشر إلى
قتل بعضهم البعض، مشيرًا إلى أنه لو ألقينا
لمحة بسيطة على تاريخ البشرية أو صفحات أي
صحيفة إخبارية سيتبين لنا أن الأفكار التي
تفرق بين الجماعات البشرية المختلفة، لتجمع
بينهم فقط في قتل بعضهم البعض، هي أفكار
نابعة من النصوص الدينية ولها جذور في الدين.
ويجادل
الكاتب بشكل غير مباشر فكرة القدر مشددًا
على أن الإنسان هو الذي يحدد مصيره ومستقبله
بنفسه وأنه عادة ما يشعر الإنسان بأن هناك
حاجة إلى تبرير ذلك من خلال الدين. ويقول إنه
في حال إذا تعرضت الكائنات البشرية للانقراض
عبر الحروب والاقتتال لن يكون السبب في ذلك
هو أن مسألة انقراض الكائن البشري أمر مقدر
ومحتوم وإنما لأنه أمر منصوص عليه في الكتب
الدينية.
وحسب
هاريس فإن طريقة تعامل الإنسان مع كلمات مثل
الإله والجنة والخطيئة وكيفية استخدامه لها
في الوقت المعاصر هي التي تحدد مصيره
ومستقبله، وذلك في إشارة للحروب التي تنشب
بدوافع دينية.
وفي
معرض تفسيره للوضع الإنساني الراهن يقول
هاريس إن معظم الناس في العالم يؤمنون بأن
خالق الكون قد وضع كتابًا يتضمن أحكامًا
ووصايا تحدد الطريق الصحيح الذي يتعين على
المؤمنين اتباعه من خلال تطبيق الأحكام التي
يتضمنها ذلك الكتاب. غير أن المشكلة هنا تكمن
في أن المسألة لم تنحصر على كتاب واحد، بل إن
هناك عددًا من تلك الكتب المقدسة وأن كلاًّ
منها يدعي بأنه هو الكتاب الحق والبين
والمحصن، وبالتالي فإن كل فريق يعتقد بأن
دينه هو الدين الوحيد الكفيل بمرضاة الخالق
وقيادة المؤمنين به إلى النعيم الخالد،
بينما يواجه المتخلفون عنه غضب الخالق
والعذاب، ومن ثَم ينشأ الشعور بعدم قبول
الآخر وإزالة صفة الإنسانية عنه مما يبرر
بالتالي شرعية الاعتداء عليه وشن الحروب ضده.
ويشدد
هاريس على أن المشكلة تشتد خطورة عندما يدعو
المعتدلون في الدين إلى ضرورة احترام
معتقدات الآخرين على الرغم من اعتبار أنهم
كفرة ومتخلفين عن الدين الحق، في الوقت الذي
لا يقبل فيه الإله احترام المعتقدات الخاطئة
والتي تتعارض مع ما نص عليه كتابه المنزل.
خرافة
الاعتدال في الدين
ينتقد
مؤلف الكتاب المعتدلين في الدين الذين يقول
إنهم سيكنون السبب الرئيسي في تعريض البشرية
إلى السقوط في الهاوية، وذلك على الرغم من
عدم تأييده للتطرف. ويقول إن الذين يدعون إلى
الاعتدال يتحملون مسئولية كبيرة تتمثل في
كونهم يعتقدون بأن السبيل الوحيد إلى السلام
بين بني البشر هو احترام كل شخص للمعتقدات
الدينية للآخرين على الرغم من أنه على يقين
تام بأن تلك المعتقدات خاطئة وغير مبررة.
ويصف
هاريس ذلك بالتناقض، حيث يعتقد بأنه إذا كان
شخص ما يؤمن بأن مآله الجنة بسبب اتباعه
للنصوص والأحكام المنزلة في كتابه، وأن مآل
الشخص الآخر هو الجحيم بسبب ما يعتبره
معتقدات دينية خاطئة فمن غير الممكن أن
يحترم ذلك الشخص المعتقدات الدينية للشخص
آخر، ويقول إن ذلك هو النفاق بعينه.
ويضيف
هاريس أن فكرة الاعتدال والتسامح الديني
تشكل خطرًا حقيقيًّا؛ لأن المعتدلين أنفسهم
يفسحون المجال لوجود وبروز التطرف من خلال
تعديل النصوص الدينية المقدسة، وهو الأمر
الذي يضطر غير المعتدلين إلى التشبث
بالنصوص الأصلية، وبالتالي يميلون نحو
التطرف. ويوضح هاريس أن المعتدلين يضطرون
مرارًا إلى تفسير وإعادة تفسير النصوص
الدينية لكي تتماشي مع العقل والمنطق وتواكب
التقدم الثقافي والحضاري وبالتالي فإنهم،
حسب هاريس، يقترفون الخيانة بحق الدين
والعقل في آن واحد.
ويشير
الكاتب إلى أن هناك عوامل اقتصادية وثقافية
خاصة في القرن الحادي والعشرين تدفع البعض
إلى الاعتدال في الدين، مشيرًا إلى أن
المعتدلين في جميع الأديان يجدون أنفسهم
مجبرين على تفسير النصوص والأحكام الدينية
بشكل مبسط أو حتى في بعض الأحيان يتجاهلون
بعض النصوص مقابل العيش والتعايش في العالم
المعاصر.
الاحتكام
إلى العقل والمنطق
يشدد
الكاتب على ضرورة الانتباه إلى الدور الذي
تلعبه المعتقدات الدينية في تحريك النزاعات
والتحريض عليها ويريد تسليط الضوء على جنوح
بعض المحللين إلى تجاهل ذلك الدور المتنامي،
حيث لا يمكن تجاهل الحقيقة المتمثلة في أن
مئات الملايين، في إشارة إلى المسلمين،
يؤمنون بميتافيزيقا الاستشهاد أو أن البعض
الآخر، أي المسيحيين، يؤمنون بأن النصوص
الواردة في "سفر الرؤيا" هي كلام الله
المنزل أو أية أفكار دينية أخرى ترسخت في
عقول المؤمنين على مدى آلاف السنين، خاصة أن
لدى أولئك المؤمنين أسلحة كيميائية
وبيولوجية ونووية. مضيفًا أن العالم يمر
حاليًا مرحلة من تاريخ البشرية يؤمن فيها
البعض بأن مجرد كلمات مثل المسيح والله أو Ram
البطل الملحمي الهندوسي يمكن أن تمثل الفرق
بين الشقاء الدائم والسعادة والرحمة
الخالدة.
ويشير
هاريس إلى أنه إذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار
فيجب ألا نفاجأ بقيام بعضنا من حين إلى آخر
باللجوء إلى الحروب بدوافع دينية وقتل أناس
آخرين بسبب استخدامهم لكلمات دينية خاطئة في
بعض الحالات أو استخدام الكلمات الدينية
الصحيحة لأسباب وبدوافع خاطئة في حالات أخرى.
ويتساءل
الكاتب أنه كيف يُعقل أن يدعي أي شخص بأنه
يدرك بيقين تام الطريقة التي تسير من خلالها
شئون الكون لمجرد أن بعض نصوص الكتب الدينية
التي لا يمكن أن يصدقها العقل ولا يمكن
إخضاعها للتجربة العلمية لإثبات صحتها قد
نصت على ذلك، ومن ثَم يتساءل هاريس عن
الضمانة التي تؤدي إلى جعل الإنسان العاقل
على يقين تام بأن تلك الكتب خالية من الأخطاء.
يشدد
سام هاريس على ضرورة الابتعاد عن الإيمان
الأعمى بالمسائل الميتافيزيقية والتوجه نحو
الاحتكام إلى العقل والمنطق في التعامل بين
بني البشر لكي تستمر الحياة البشرية ولا
تتعرض إلى التهلكة والفناء. ويشير إلى أن
التقدم التقني والتكنولوجي في المجال
العسكري الذي حققته البشرية، خاصة فيما
يعتبره "علم الحروب" جعل الاختلافات
الدينية وبالتالي المعتقدات الدينية نفسها
متعارضة مع مفهوم البقاء على قيد الحياة.
ويقول إنه لا شك في أن تلك التطورات تشكل
مرحلة ما يصفه بنهاية سذاجة العالم،
وبالتالي فإن كلمات مثل الإله والله يجب أن
تلقى نفس المصير الذي آل إليه Apollo إله السفر
والجمال الرجولي عند الإغريق وBaal أحد الآلهة
عند الكنعانيين والفينيقيين.
**
نشر هذا التقرير في موقع
تقرير واشنطن
|