 |
|
رجيه دبريه (صورة يجب أن ننتهي من الدين)
|
كتاب
"المشتركات البشرية بديلاً عن الدين"
لـ"رجيه ديبريه" Les communions humaines pour en finir
avec la religion، والصادر عام 2005 يقع في 158 صفحة من
القطع الصغير. وهو يعبر عن فكرة جوهرية وحيدة
ألا وهي نزع قداسة الدين ورجاله ليتساووا مع
غيرهم؛ وليتساوى الدين ورجاله مع المذاهب
البشرية ومؤسسي تلك المذاهب. من هنا وجب
أولاً أن نوضح أن فكرة الدين الشخصي -التي هي
محور أهداف المؤلف- عند الغربيين فكرة قديمة
نسبيًّا. فهي تعود لعصر النهضة أو إلى أواخر
هذا العهد. وهم أي الغربيون يتباينون في هذا
المفهوم: من الدين الشخصي بمعناه الذاتي
التأملي الفردي كما عند "باسكال" أو
القائم على الأخلاق فقط كما عند "جان جاك
رسو" في عقده الاجتماعي، أو حتى شخصنه شيء
ما وجعله دين المجموع كما عند "أرنست
رينان" المفكر الفرنسي -المعروف في الوسط
العربي أيضًا- الذي يذهب لاختيار العلم
ليكون دين المستقبل للبشرية بدلاً من الدين
القديم الذي لم يستطع دفع البشرية للتقدم
حسب رأيه، وذلك في كتاب يحمل عنوان مستقبل
لعلم l’avenir de la science" ".
لكن
الجديد في كتاب "المشتركات البشرية
بديلاً عن الدين" لـ"رجيه ديبريه"
أنه يريد من شخصنة الدين شخصانية جماعية.
بمعنى أن كل مجموعة من الناس يمكنهم أن
يتفقوا على ما يسمونه بينهم دينًا وهو
مجموعة المشتركات أيًّا كانت، ثم تتم بعد
ذلك القطيعة مع الدين بمفهومه القديم أي
المقدس حتى لو بقي هذا الدين مساويًا لأي
تجمع بشري آخر.
و"رجيه
ديبريه" هو فيلسوف فرنسي من أشهر فلاسفة
فرنسا اليوم وهو فيلسوف ماركسي وجمهوري كما
يصف نفسه على شاشات التلفاز، وهو أستاذ
للفلسفة على المعاش بجامعة "ليون 3"
الفرنسية، وأحد أهم الفلاسفة المنشغلين
بالظاهرة الاجتماعية وعلاقتها بالدين، كما
عمل مستشارًا للرئيس الفرنسي الأسبق
فرانسوا ميتران في الفترة من 1981 حتى 1984،
ويشغل الآن رئيس الهيئة الأوروبية في علوم
الدين، كما كان عضوًا في لجنة "ستازي"
التي بحثت أزمة الحجاب في فرنسا، ومن
مقولاته "أن الإنسان هو الحيوان الوحيد
الذي يعرف شيئًا عن جده"، وله الكثير من
المؤلفات في هذا المنحى، أهمها النار
المقدسة "le feu sacré" الذي صدر له عام 2003،
مبينًا فيه علاقة الدين بالعقل وبالسياسة.
ودبريه
على دراية بالفلسفة الإسلامية وبعلم الكلام
الإسلامي، خاصة الفكر الاعتزالي منه. كما هو
واضح من خلال إيحاءاته التي ظهرت في كتابه
"النار المقدسة"، كما أنه كان واحد من
قيادات الفكر الماركسي قبل أن يركن إلى
التنظير ويبتعد عن العمل السياسي المنظم،
وإن ظلت قناعاته الماركسية، مع تطور كبير
فيها، يوائم فيها بين النظرية القديمة
ومستجدات الواقع السياسي وإن جدد هو بعض
معطيات النظرية؛ حسبما يذكر.
الدين..
المنطقة الخطر
ففي
هذا الكتاب المكون من ثماني نقاط تتضافر
بعضها البعض لتؤكد الفكرة القديمة بمفاهيم
جديدة عند صاحبها، أهمها: التعريف أو منطقة
الخطر كما يسميها -الكلمة المفتاح- تاريخ
خادع يسمى ديناً - دفاع من أجل البديل وهو (التجمع)
-من القول إلى الفعل- احتكام رمزي - اختبار
الكلمات ورهاناتها- قصدًا إلى الإيجاز.
مع
أن تعريف الدين قد تكرر -حسب رأي المؤلف- مئات
المرات منذ زمن بعيد وبواسطة مؤلفين عظام
كالقديس أوغسطين وهانز كنج وغيرهم، وكان كل
واحد منهم يعود بالتعريف إلى ألفي سنة، إلا
أنه لم يحدث بينهم إجماع على تعريف واحد
للدين.
والتعريف
الأكثر حيادية عند رجيه ديبريه هو لـ"إميل
دركايم" مؤسس علم الاجتماع الغربي الذي
مؤداه أن "الدين هو نظام تضامن عقائد
وشعائر تعود لأشياء مقدسة، هذا يعني
انقسامات وممنوعات وعقائد وممارسات تجمع -في
شيء واحد مجتمع أخلاقي يسمى كنيسة- كل الذين
ينتمون إليها" هذا التعريف حسب المؤلف هو
الذي ارتضاه الأوروبيون؛ ليكون بمثابة
المفتاح لعلاقتهم الجديدة بالدين والمجتمع.
فمن هذا التعريف يذهب المؤلف إلى الآتي:
-
ليس
كل دين بالضرورة كنيسة، فثمّة ملاحظة هنا
ضرورية: أن لفظ كنيسة لا يعني مكان
العبادة؛ إنما تعني الدين بمحوريه
الروحاني والاجتماعي السياسي. فالهندوس
لم يكن لهم كنيسة فهم أولاً نظام حياة فنحن
نجد كثير من الممارسات من غير عقائد فهناك
يهودي غنوصي يستطيع أن يحتفل بيوم كيبور
وسيخي ملحد لا يذهب كثيرًا إلى الكوافير
والمسلمون يذهبون للمسجد يوم الجمعة
ليشعروا وليقولوا إنهم مسلمون.
-
ليس
هناك دائمًا احترام أو التزام كامل بما هو
مقدس: مثال ذلك نحن نعلم أن موس وليفي
شتراوس حاولوا إدخال الإنسان في الطبيعة
محولين الفعل الإنساني إلى التدرج
الطبيعي، فالنفي القطعي لعبادة الأوثان
عند الموحدين لم يمنع الصوفية المسلمين في
إفريقيا ولا اليهود في إسرائيل -يقصد
الكيان الصهيوني في فلسطين- من جذب جماهير
الناس إلى قبور الأولياء وهو بطبيعة الحال
مخالف لعقائدهم الأصلية.
-
إن
الظواهر الانفعالية للجماهير تكون قريبة
الشبه برجال الدين: يعني أن ما يقوم به
الثوار وما يحيط بهم من رجال يشبه ما يقوم
به رجال الدين حتى لو كانوا أنبياء. وكثير
من العقائد -حسب رأيه- تظل دون ممارسة أو
تطبيق لها، وهو هنا ينظر لكثير من أوامر
الديانات التي لا تطبق وهو ما نراه خلطًا
عن قصد بين الدين والأوامر الدينية التي
يصنفها علماء الدين بالعبادات. وهي مرتبة
ثانية بعد العقيدة؛ لذا لا توجد عقيدة لا
تمارس إلا إذا كان يقصد أنه ليس لهذه
العقيدة مردود عملي. لكن حتى هذه -العقيدة
الساكنة- تظهر في لحظات حرجة أقوى من أي
انتماء آخر ما لم يأخذ هذا الآخر مكانها
ويصبح عقيدة بديلاً عنها.
-
أن
العقيدة السياسية مثلها مثل العقيدة
الدينية: وهنا ينظر للنموذج الأمريكي الذي
يجمع في داليكتيك عجيب الديني مع السياسي
فهو اشتراك الوطنية مع الكتاب المقدس
منتجًا لديمقراطية موحدون تحرروا مع
أحرار تدينوا. عكس النموذج الفرنسي المبني
على العلمانية والعقل فهي عقيدة مشتركة في
معاني الحرية والمساواة والإخاء وهو ما
يمكن أن يكون مشترك إنساني عالمي على عكس
النظام الأمريكي.
-
أنه
يوجد أماكن للحج لأشخاص غير مقدسين: كما
يفعل الدجالون، ومن ثَم لا يمكن حصر
المقدس من غير المقدس؛ بمعنى لا يمكن أن
ندرك أيهم على حق وأيهم على باطل. هنا يكمن
في الحقيقة لب الموضوع؛ لأنه لو تساوى
السياسي بالديني أمكن الفصل بينهما، ثم
وضعهما في إطار تقابلي، وبذلك يحرم الدين
من أي ميزة عن السياسي؛ لأن المرجعية
العليا ستكون للسياسي على حساب الديني
الذي سيصبح مثله مثل أي ظاهرة اجتماعية
أخرى.
ما
هو الدين؟
 |
|
غلاف كتاب يجب أن ننتهي من الدين
|
ثم
بعد ذلك يشرح "ديبريه" أن كلمة دين ليس
لها معنى واحد ثابت إنما يتغير معناها حسب
الثقافات واللغات: فمثلاً الدين عند الهندوس
(دهرماDharma ) أي الطريق، وفي العبرية (دات DAT)
أي الحقوق السياسية، وفي العربية (دين din) أي
دَين موثوق أي الذي يجب أن نؤديه، وفي
اللاتينية (ريلجوو religio) أي تورع أو وسواس. بل
يرى أنه ليس الدين وحده صعب التعريف لكن
كلمات مثل ثقافة، حب، حرية، حياة من الصعب
تعريفها أيضًا.
وذكر
أن أصول الديانات لم تكن في أول عهدها دينًا:
فمثلاً المسيحية كانت نحلة أو نزعة تشاؤمية،
لكن عندما اعترفت الدولة الرومانية بها كدين
أصبحت فيما بعد الدين الرسمي للدولة، الكثير
من الباحثين الغربيين يذهبون هذا المذهب لأن
المسيحية وباعتراف الكتاب المقدس في عهده
الجديد بأنه جاء مكملاً لكتاب موسى أو العهد
القديم.
فالمعابد
في الصين بيوت لكل ما هو إلهي، أي تجمع مختلف
العقائد في مكان واحد دون كبير تمييز، لكن
اليهود والمسلمين السنة هم الذين صنعوا
المؤسسات المنعزلة أي الخاصة بكل طائفة، ثم
عاد ليؤكد على أن النموذج الأكثر شيوعًا
لمفهوم الدين هو المفهوم المسيحي الروماني؛
وهذا صحيح وربما هو سر الخلاف الجوهري بين
العلمانيين والإسلاميين في المحبط
الإسلامي؛ لأن نقطة الخلاف جوهرية هنا،
فالإسلاميون لا يعترفون بهذا المفهوم
المبني على أساس اتفاق بين رجال الدين
المسيحي والإمبراطورية الرومانية.
المشتركات
بدلاً من الأديان
لكل
ما سبق يقترح رجيه ديبريه تعريفًا جديد
للدين وهو أن تحل كلمة تجمع أو مشاركة بدلاً
من كلمة دين، بمعنى أن كل تجمع إنساني له
خصوصية ما يصبح مثله مثل الدين. فمن المسموح
به حسب رجيه ديبريه أن نصل إلى الآتي:
*
أن نطلق لفظ دين على كل الثقافات من غير أن
نعطيها أي الثقافة حق السيطرة الدائمة كما
كنا نعطي الدين سابقًا.
*
أن نعتبر البُعد الجماعي كأنه بعد تعبدي
مثله مثل الدين في كل شيء.
*
الهوية بدلاً من الدين: بمعنى أن نركب من
التجمع أو نقاط الاشتراك أو الاتصال الجماعي
للمجموعة من الناس هوية واحدة ونسميها دينًا
لهم أو نعطي لها ما للدين من قيمة.
*
لا نجعل هناك فوارق ما بين ما هو خاص وما هو
جماعي ما داموا أصحاب هوية واحدة، وهو ما
يعني وجود مشترك واحد أيًّا كان هذا
المشترك؛ ثقافي أم سياسي أو ديني.
ولتأكيد
ذلك ذهب "رجيه" إلى أنه في كل مجموعة
بشرية حتى لو كانت مُلحدة يوجد عندها علامات
تنحو منحى الديني مثل (المرجعية لحياتهم،
القواعد المنظمة لها، لغاتهم، عاداتهم... إلخ)،
وحسب رأيه هذا لما كان كل ما هو ديني لا يكون
إلا تجمعًا، وكل ما هو تجمع لم يَعُد هو
أيضًا إلا اجتماعيًّا، إذن يوجد ثمة مشابه
للدين مع كل ما هو تجمع. لهذا وجب أن ننتهي من
الدين بمفهومه القديم الذي يعطي فقط لرجال
الدين الحق في تسمية ما يرونه دينًا ونعطيه
لكل ظاهرة اجتماعية يمكن أن نطلق عليها
دينًا تلك المجموعة لاجتماعهم على المبادئ
المشتركة بينهم.
ويجب
أن نوضح أن "رجيه ديبريه" يريد أن يعطي
للدين تعريفًا ماديًّا بشكل أساسي، بل يسحب
منه شخصيته المقدسة التي تميزه عن الظواهر
الاجتماعية الأخرى حتى لو اعتبرنا أن كثيرًا
من الناس يعيشون في بعض الظواهر الاجتماعية
كهيئة دينية؛ كما في النموذج الشيوعي
الماركسي، وهو في هذا مساير لمذهبه تمامًا -لأنه
يبحث كأي ماركسي ليجعل من الدين مجرد ظاهرة
اجتماعية، وبذلك ينظر للظاهرة الاجتماعية
على حساب ما هو ديني مقدس.
**مدرس بقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم – جامعة المنيا
|