يرى
المفكر الإسلامي المغربي "المقرئ"
ضرورة أن تستمر المقاطعة الإسلامية
ضد الدانمارك، انطلاقًا من أن فكرة
الردع هي التي يجب أن تقود أعمالنا
وردودنا وليس فكرة الانتقام، فالردع
هو أسلوب سلمي حضاري مطلوب لضمان عدم
الاعتداء.
ويشير
إلى أن الغرب يمهر في صناعة واستثمار
الأحداث ضد المسلمين للتضييق عليهم
وقمعهم وحرمانهم من حقوقهم والمؤشرات
جميعها تؤكد ذلك، ويشير إلى أن مسلمي
الغرب قد يكونون مستهدفين من هذه
الرسوم عبر جر المسلمين إلى ردود
أفعال غير مسئولة تقود إلى عملية
تضييق واسعة على المسلمين في الغرب.
ويرى
أن الواجب على المسلمين أن يكونوا
مسئولين عن أفعالهم، فلا يسكتوا على
ضيم ولا يسقطوا في فخ الاستفزاز.
الهدف
مسلمو الغرب
*تحدث
بعض العقلاء على أن القصد من نشر هذه
الرسومات هو افتعال أزمة حقيقية بين
المسلمين والمسيحيين لتهيئ الأجواء
لخلق حالة من التضييق على الوجود
الإسلامي الذي صار يتأكد في بلاد
الغرب.. هل توافق مثل هذه الرؤية؟
-هناك
دائما دافعان: دافع حقير وتافه وشخصي
أو شبه شخصي، ودافع كبير وهو دافع
الجهات التي توظف أمثال هؤلاء. لنأخذ
مثلا أول جريدة فرنسية نشرت الرسوم
وهي "فرانس سوار" هذه صحيفة تعيش
أزمة نشر وتوزيع، كان رقم مبيعاتها
اليومي في الستينيات مليون ونصف،
وصار الآن أقل من 45 ألف نسخة، فيمكن
لها أن تركب موجة التوجه اليميني
بفرنسا الذي أوصل "جون ماري لوبان"
إلى الدرجة الثانية في الانتخابات
الرئاسية السابقة، ليراهن على جمهور
متطرف ومتعصب وصليبي حتى في لاوعيه.
وذلك لأجل تحقيق أهداف تجارية. فالقصد
التجاري موجود وواضح.
ولكن
لمجرد تحقيق رقم مبيعات أعلى، هناك
أساليب أخرى، يمكن فقط لصور الجنس
والخلاعة في هذا الزمن أن تجعل "فرانس
سوار" تبيع بطريقة أفضل، ويمكن
لإشهار الدجل والشعوذة أن يرفع رقم
المبيعات، ويمكن أن تتبع الريح
العامة المناسباتية في كل يوم أو في
كل أسبوع لتحصد أرقاما مهمة في
المبيعات.
فالقصد
التجاري رغم أنه موجود، وهذا هو قصد
الجهة الصغيرة المباشرة، فإن القصد
الاستفزازي واضح أيضا، لأن عملية
تعميم نشر هذه الصور قد بدأ مثل رقعة
الزيت وانتقل من الدانمارك إلى
النرويج ففرنسا فبقية الدول الأوربية
الغربية بلا استثناء كبريطانيا
وأسبانيا وفرنسا ثم "إسرائيل"
فنيوزيلندا وأستراليا، ثم تبعتها بعض
الصحف العربية، ربما بنية مخالفة
بقصد التبليغ فقط، أو لرفع رقم مبيعات.
هناك
إذن جهات تشعل النار في الزيت لتحقيق
الهدف الذي أشرنا إليه، وهو هدف
الصدام، وهناك أيضا هدف تعجيزي: إذا
كان المسلمون يطالبون بمقاطعة
البضائع الدانماركية، فليكن النشر في
كل الدول التي تبيع العرب والمسلمين
تكنولوجيا يحتاجون إليها وسلعا هم
مرتبطون بها حيويا كشعوب مستهلكة
للأسف حتى يتعسر الأمر عليهم ويعجزوا
بذلك عن مقاطعة الغرب كله.
ولهذا
فمن الذكاء الإستراتيجي أن نستمر في
مقاطعة الدانمارك فقط، لأنها هي التي
بدأت كصحيفة، وأصرت كدولة على عدم
الاعتذار، وبالغت في القول بأن ليس
هناك نية للإساءة، ثانيا: لأنه ينبغي
أن نعمل بقانون البادئ أظلم. ولهذا
ينبغي أن نركز على أن نعطي للدانمارك
درسا اقتصاديا قاسيا وطويلا، ثم
ليصبح ذلك درسا لكل من تسول له نفسه
الإساءة لمقدساتنا وشعائرنا.
الغرب
مادي ومصلحي وميكافيلي وانتهازي، وهو
معروف بهذا المنطق المادي منذ قرون
منذ الانقلاب على المسيحية وقيام
النظام الرأسمالي، كل من تسول له نفسه
باسم حرية التعبير أن يسيء إلينا بهذه
الطريقة المستفزة ستواجه دولته
واقتصاديته على خلفية الضرب الأليم
على واقعة الاقتصاد الدانماركي الذي
تأزم وينبغي أن يتأزم أكثر وبأسلوب
سلمي وحضاري وهادف وبدون نفسية
الانتقام، وإنما بنفسية الردع.
فالردع أسلوب سلمي، وهدفنا أن نلقن
الدانمارك درسا اقتصاديا قاسيا دون
تشنج ودون مزايدة كلامية وبدون شتم.
أما إن تحولت التطورات إلى حوادث عنف
فهذا ما تطلبه الجهات التي تحرك موضوع
الرسومات في العالم.
لنذكر
بواقعة تاريخية من أجل الاعتبار:
هولندا كدولة تسامح ديني وثقافي قصوى
في أوروبا بأكملها نظرا لنشأتها
التاريخية، إذ كانت ملجأ اليهود
الذين تم اضطهادهم في كل أوروبا
وطردوا تباعا من بريطانيا فإسبانيا
ففرنسا فألمانيا من القرن الرابع عشر
إلى القرن السادس عشر الميلادي،
فنشأت هولندا أصلا من الفارين من
اليهود.
وتم
ردم مستنقعات منطقة كانت قليلة
السكان من أجل أن يلجأ إليها اليهود
الفارون، فبنيت دولة هولندا على
فلسفة التسامح من أول من يوم، واستفاد
اليهود كقوة قوية وفاعلة ديمغرافيا
واقتصاديا وثقافيا من ذلك ثم استفادت
من بعد ذلك الأقليات الإعلامية
والأقليات الدينية، ولهذا كان من شبه
المستحيل أن يحلم يميني متطرف أن
يقترح في البرلمان مجرد اقتراح، أو في
مجلس من المجالس البلدية في هولندا
قانون التضييق على المسلمين، لكن حين
تمت فبركة عملية اغتيال "فان كوخ"،
فإن كوخ سبق له أن استفز اليمين
المتطرف وأرسلوا إليه رسائل التهديد
بالقتل مما يدل على أنه يمكن أن
يكونوا قد وظفوا هذا الساذج المعتقل
الآن من أصل مغربي لقتله للأسف، ثم
بعد ذلك أصبح كل شيء مسوغا وجائزا
للتضييق على الجالية الإسلامية
لتتحول الاستخبارات والبوليس ضدها،
إذ كان قتله من أجل خلق حالة من عداء
الهولنديين تجاه المسلمين لإشعال
فتيل الصدام بينهم وبين جماعات أخرى
لم يكن لهم بها أي صدام.
وتمت
فبركة كل شيء، وكان اغتيال "فان كوخ"
هو " 11 سبتمبر" الخاص بهولندا،
وبعد ذلك تداعى كل شيء، وانهار، وعجزت
الأصوات العاقلة والراشدة في هولندا
أن تتكلم في وجه هذا الإعصار، لأن
الجميع استنكر حادثة الاغتيال، والآن
لا قدر الله لو اغتيل دانماركي، أو
اغتيل موظف في الصحيفة المذكورة، أو
اغتيل رسام الكاريكاتير لانتشرت
سحابة من الضباب الكثيف ولغطى على أصل
المشكلة، وعلى كل الإشكالات المتفرعة،
ولأصبح كل متظاهر أو كل مطالب
بالمقاطعة متهما بالمشاركة في جريمة
القتل أو داعيا لها. والغرب يمهر في
مثل هذه الصناعات.
غضب
عاقل ومقاطعة
*في
محاضرة له بالبيضاء دعا المفكر
الإسلامي طارق رمضان إلى الحذر
وتسجيل الموقف والانصراف إلى الفعل،
واعتبر الانفعالية أزمة يعاني منها
العقل المسلم، وطالب بفهم الأبعاد
الحقيقية لمثل هذه السلوكيات، وتوجيه
العناية إلى تعريف الآخر برسولنا
الكريم، كيف تنظر إلى مثل هذا الموقف؟
-طارق
رمضان مفكر وداعية، وهو رجل نشأ في
الغرب، فهو يتحدث عن واقع يعيه جيدا
ويعانيه يوميا. إنه يفهم أن هذه
التفاعلات التي تشتعل مثل أول النار،
وقد تخرج عن يد التوجيه والضبط، وها
هو الشيخ القرضاوي ينطلق من نفس
المنطلق الذي يفكر به طارق رمضان على
حميته الإيمانية وقيادته للجماهير،
فيدعو إلى "غضب عاقل".
ربما
كان طارق رمضان أكثر جرأة، فهو يطلب
الهدوء والتعقل، بل طالب بإنهاء
المشكلة: "نسجل الموقف ثم نحتج ثم
نمضي".
وقد
سمعت هذا منه مباشرة في محاضرة ألقاها
في مدينة الدار البيضاء حول موضوع:
"الإسلام وعقدنا الاجتماعي". أنا
قد لا أوافقه الرأي كلية، لأنه عندما
نسجل الموقف ونحتج ثم نمضي قد يستهان
بنا ويتجرأ علينا ويتكرر الأمر، هل
نوقف الاحتجاجات؟ ربما أميل لهذا
الرأي، لأننا قد لا نسيطر على الأوضاع،
فإذا تكررت أحداث سوريا ولبنان،
فسنصبح نحن في موقع دفاع، ويتحول
الضحية إلى ضحية مرتين، مظلوم، ثم لم
يحسن عرض مظلوميته.
لكن
ما لا ينبغي أن نوقفه هو المقاطعة.
فالمقاطعة أسلوب حضاري هادئ لا علاقة
له بالصراخ والضجيج ولا بحرق
السفارات، بل بالعكس هو الأسلوب
الموجع والأقل إثارة.
أنا
من حقي أن أقاطع منتج بلد حتى بدون سبب،
لمجرد الذوق ولمجرد الاختيار. يمكنني
أن ألزم نفسي ألا أشتري بضاعة بلد دون
أن تكون لي مشكلة معه.
ماذا
لو أوقفنا هذه الاحتجاجات التي
تلتقطها وسائل الإعلام بطريقة مضخمة
بعد أن تكون قد أدت دورها، قد ننهيها
بعد شهر أو شهرين، مشكلتنا أننا ليس
لدينا مرجعية جامعة مثل البابوية عند
الكنيسة، ليس لدينا مرجعية موحدة
يمكن أن تتخذ يوما تاريخيا ذلك ونتخذ
يوما في السنة كما للإدانة كما فرضت
علينا مؤخرا الأمم المتحدة حين اتخذت
يوما عالميا "للهولوكست".
أيا
كان، ما لا ينبغي أن نوقفه هو
المقاطعة لأنها موجعة، فلغة القوة هي
التي كانت وراء اعتذار الصحيفة مؤخرا
بعد طول عنجهية وتبجح واعتصام بـ"حرية
التعبير" بزعمهم باعتبارها قيمة
مطلقة مقدسة صارت عندهم تابوها مقدسا.
أكيد
أن الأمر تم بضغط خفي وخجول من
الحكومة، سببه ضغط خفي من رجال
الأعمال الدانماركيين. إذا أوقفنا
المقاطعة الآن فسنكون فقط أضررنا
بالوسطاء التجاريين المسلمين الذين
يشترون من الدانمارك ويوزعون في
العالم العربي والإسلامي، لحد الآن
لم يصل التأثير بمداه إلى المنتجين
المباشرين في الدانمارك، كل ما هو
متدفق في السوق عبر التاجر الدولي
فتاجر الجملة ونصف الجملة فتاجر
التقسيط، وهم في الأغلب مسلمون، وكل
ما تدفق عندهم من سلع هذه الشهور
الأخيرة هو ما تمت مقاطعته، أما
المنتج الدانماركي فسيبدأ بالإحساس
بالألم، وبالتالي يضغط على دولته حتى
تغير عقليتها وتوقف استهتارها
بالمسلمين.
لابد
أن تستمر المقاطعة على الأقل لمدة سنة،
فهؤلاء قوم لا يفهمون إلا لغة القوة،
ولا يفهمون إلا لغة الاقتصاد ولغة
المال ولغة الخسارة، ومن حقنا
الطبيعي أن نقاطع، فالمقاطعة أسلوب
حضاري وهادئ ولين وهي الحد الأدنى.
فأنا
مع طارق رمضان في وقف الاحتجاجات لأن
الأمور قد تخرج إلى ما قد تستفيد منه
الجهة التي أثارت الموضوع لخلق حالات
من الاحتقان تؤدي في النهاية إلى
الصدام بين القوى المسيحية والقوى
الإسلامية بما يصبح فيه القوى
الإسلامية ضحية لغارات اقتصادية
وعسكرية وتشريعية عولمية لا تملك
معها إلا أن تعاني ربما لعقود.
*هناك
من يرى أن القصد من استفزاز المسلمين
هو جرهم إلى ردود فعل غير محسوبة،
وهناك من يرى أن من الجماعات
الإرهابية من سيركب الموجة ويتخذها
ذريعة للهجوم على الغرب واستهدافه،
ألا يمكن لردود الفعل الاحتجاجية أن
تخدم مثل هذه الأهداف وترتد إلى خسائر
حقيقية للإسلام بموازين المصلحة؟
-عندما
يفكر الإنسان في أن سلوكا معينا منه
قد تكون مآلاته غير محمودة فليس من
البساطة بمكان أن يسارع إلى مراجعة
هذا السلوك أو إيقافه لمجرد أنه يمكن
أن يؤدي إلى نقيض مقصده، وإنما ينبغي
النظر إلى هذا السلوك، هل هو من
طبيعته أن يؤدي إلى ذلك أم لا؟ فإذا
كان من طبيعته أن يؤدي إلى ذلك
فمسئوليته حاصلة، وإذا لم يكن من
طبيعته ذلك، فلا شك أن هناك عملية ربط
مفتعلة لسلوكه بتداعياته غير
المحمودة.
ولهذا
أنا لا أرى أن نوقف التظاهرات الآن
على الأقل، ينبغي أن تستمر كرسالة
للغرب، لكن ينبغي أن تكون هادئة
وحضارية ومنظمة، وهذه التظاهرات ليست
مناسبة فقط لاستنكار إهانة نبينا صلى
الله عليه وسلم، وإنما هي مناسبة
لإعطاء توجيهات ولإعطاء الناس الدرس
في الحس الحضاري الإسلامي والهدوء
والرزانة والحكمة والتعقل وبعد النظر
والتذكير بأن من أحب رسول الله صلى
الله عليه وسلم فليحب منهجه، وقد كان
منهجه العفو، وكان منهجه الصبر
والصفح، ولم يكن يلجأ إلى الرعونات
حاشاه من ذلك أبدا، ولم يغضب لنفسه قط،
كان يغضب إذا انتهكت محارم الله.
أنا
أرى أن تتحول هذه المهرجانات إلى دروس
تربوية تجمع بين إشعال الغضب في نفوس
الغيورين، وتحويل هذا الغضب إلى طاقة
بناءة. ماذا لو اقترحنا على الناس أن
يترجموا حبهم لرسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى مزيد من مدارسة سيرته،
والإقتداء بسنته، والالتزام بطريقته،
وتعليم أبنائهم ذلك.
*ليست
التظاهرات في حد ذاتها هي التي تؤدي
أوتوماتيكيا إلى هذه السلوكيات
اللامسئولة، وليس من المنطق أن نترك
التظاهرات لمجرد أنها قد تؤدي إلى ذلك،
وإلا لما طالب صاحب حق بإنصافه، ولا
صرخ مظلوم بحقه. هل يمكن أن أوقف إدانة
الإجرام الإسرائيلي خشية أن يقوم
مواطن بطعن يهودي بسكين، هل هذا يعقل
بالمرة؟
-ولهذا
نسعى أن نكون مسئولين عن أفعالنا،
والمسئولية ينبغي أن تكون محددة من
الجهتين، ليس من جهة اندلاع تداعيات
يخاف منها، ولكن من جهة أننا إذا
سكتنا فإنه سيتم الاستهانة بنا
والتجرؤ علينا والمزيد من إذلالنا.
كيف
نعطي للغرب إشارات ورسائل نبين فيها
أننا لا نعاديه ابتداء ولا نريد
الصدام به ولا نريد السقوط في فخ
إشعال الفتنة التي يريدها الصهاينة
بيننا وبينه، وفي نفس الوقت أننا إذا
سكتنا على حقنا نسكت على ضيم ولسنا
إلى هذه الدرجة من الضعف قد وصلنا،
ولا يمكن المزيد من الاجتراء علينا.
خذ
الأمر المقرر والمعروف والمتفق عليه:
ما الذي يؤخر لحد الآن المخطط الصليبي
الصهيوني لهدم المسجد الأقصى؟
لا
يشك أحد أن الأمر يتعلق بالخوف من ردة
الفعل. لو استصغرونا وجسوا نبضنا بمثل
هذه السلوكيات الاستفزازية، ووجدوه
نبضا ميتا ووجدوا رد الفعل غائبا
لأصبحنا من الغد على واقعة انهيار
المسجد الأقصى إلى كومة من الحجارة.
لولا
المقاومة المسلحة في العراق، رغم ما
يلصق بها من شناعات قتل المدنيين
وتكفير الناس، لكان بوش الآن في سوريا
وإيران.
لا
نسكت على ضيم ولا نسقط في الاستفزاز
الذي يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه. نؤطر
جماهيرنا ونؤطر أبناءنا. الدعاة منا
في طليعة هذه الأمة، والحمد لله الأمة
تستمع إليهم. إذا خرج بعد ذلك مارق أو
شاذ أو متطرف أو صنيعة أو مدسوس أو
مخترق، فذلك من القدر الذي لا حول ولا
قوة إلا بالله في شأنه.
سؤال
التحيز والوصاية!
*أستاذ
المقرئ، الأنبياء يهانون ويساء إليهم
كثيرا في الغرب خاصة السيد المسيح،
لكن المسلمين لا يرون في ذلك بأسا ولا
يحتجون مع أن الإسلام يفرض توقير كل
الأنبياء واحترام شعائر أهل الديانات
المخالفة، ألا ترى معي أن في ذلك نوعا
من التحيز؟
-من
الناحية النظرية المسلمون لا يفرقون
بين أحد من رسل الله تعالى، والإيمان
بهم واجبنا جميعا، وتوقيرهم وتصديقهم
واحترامهم شرط من شروط الإيمان،
وبدونه لا يمكن للمسلمين أن يحلموا
بالدخول إلى الجنة.
لكن
عمليا، من المثالية المبالغ فيها
والمخالفة لطبائع الأشياء، أن ينتصب
إنسان لاستنكار إهانة رموز لا تمسه
بشكل مباشر، ربما النخبة الراقية
التي تؤمن بعالمية الإسلام، وتنظر
إلى هذه العالمية بنظرة فلسفية عميقة
وتعيشها وجدانيا، هذه النخبة يمكن أن
تفعل ذلك. لكن هل يعقل أن تقوم
الجماهير المسلمة بإقامة احتجاجات
مماثلة والمهان هو المسيح عليه
السلام على يد المسيحيين؟ أو نكون
أولى من المسيحيين بالمسيح؟ نعم،
هكذا علمنا نبينا، نحن أولى بموسى.
لكن
من الناحية الواقعية، طبائع الأشياء
لا تستقيم، وإلا فسنتهم بالافتعال
فيقال كما قال بوش وكما قال بلير وكما
قالت الصهيونية العالمية في كل
منابرها: "إن هذه الاحتجاجات شغب
مفتعل، وهذه القضية مصطنعة" سيقال:
"انظر، كانوا يغضبون لنبيهم، والآن
يغضبون لنبي آخر، فهم أوصياء على
العالم، وأوصياء على مشاعر الناس"
سيقال: "تريدون أن تكونوا ملكيين
أكثر من الملك نفسه" وسيقال كما
يقول المثل المصري: "أهل الميت
صبروا والمعزون كفروا" سيقال لنا:
"لماذا لا يغضب المسيحيون وتغضبون
أنتم؟".
الأمر
لن يؤخذ كأنه نظرة إنسانية وعالمية
منا إلى المسيح، بل سيصبح الأمر دليل
تدخل في شئون الآخرين، نعم، ما لا
يجوز وما لا يقبل -ولنكن واقعيين- هو
أن يفرح المسلم ويساير وينشر إهانة
المسيح لو فعلها المسيحيون أو اليهود،
وبالمناسبة المسيح يهان كثيرا في
المنابر الإعلامية والثقافية التي
وراءها الصهاينة.
الحقد
الصهيوني على المسيح لا حدود له أبدا
ولا ينتهي، ونشاهد كثيرا من الأفلام
تعبر عن هذا الحقد من ذلك فيلم "الغواية
الأخيرة للسيد المسيح" تم فيه
تصوير مشاهد "بورنوغرافية"
كاملة للمسيح وهو يمارس الفاحشة مع
بغي، وقد أحرقت دور السينما في فرنسا
وفي باريس بالتحديد، وتوصل المخرج
برسائل تهديد بالقتل، ولم يقل أحد إن
هذا إرهاب.
ولهذا
-وبكل واقعية- حسب المسلم ألا يشمت
وألا يساير وألا يفرح لو أهينت مقدسات
الغير، ومن حقه أن يغضب غضبا شديدا
إذا انتهكت مقدساته الخاصة.
والغريب
أن الوجه الآخر لا يعرف: ماذا لو اطلع
المسيحيون على فيلم "مريم المقدسة"
الذي هو قمة التعظيم لمريم أم المسيح،
والذي أنجزته شركة سينمائية إيرانية،
وألفه آية الله "محمد سعيد بهمن بور"
مؤلف قصة "أهل الكهف". لم تنتج
الآلة الدرامية الغربية على الرغم من
قوتها وأموالها وخبرتها فيلما عن
المسيح وعن مريم العذراء أو عن
المسيحيين الأوائل كما فعل هذا
السينارست في هذين الفيلمين.
اقرأ
في هذا الحوار:
اقرأ
أيضا: