 |
|
الدكتور محمد المستيري مدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي بباريس
|
|
اقرأ
أيضا:
طالع:
|
اعتبر
الدكتور محمد المستيري مدير المعهد العالمي
للفكر الإسلامي بباريس أن أفضل رد على
الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه
وسلم هو "الانخراط في معركة توطين الإسلام
في الغرب" حتى لا يقع المسلمون ضحية ردود
أفعال عفوية غير مدروسة، ولا تجلب فائدة على
المدى الإستراتيجي البعيد.
وفي
حواره لشبكة "إسلام أون لاين نت" اعتبر
المستيري أن أزمة الرسوم تعتبر فرصة جديدة
يمكن للعاملين في الحقل الإسلامي استثمارها
للتواصل مع الإعلاميين والسياسيين ورجال
الفكر في الغرب من أجل التعريف أكثر
بالإسلام.
وعن
الاحتجاجات العنيفة قال: في فرنسا لا يمكنها
أن تغير المعادلات الأساسية فيها ومن ضمنها
معاداة "توطين الإسلام" الذي له مشككون
وأعداء، معتبرا ما حدث هو فرصة كبيرة
للمسلمين، فرب ضارة نافعة، ليحث المسلمين
على حقهم في مبدأ احترام حقوقهم ضمن ثوابت
العلمانية الفرنسية.
وأمام
اعتقاد المفكر الإسلامي المستيري أن الوجود
الإسلامي سيواجه ورقات أخطر من ورقة
الكاريكاتير طالب بتشجيع الدورات التكوينية
واللقاءات المتخصصة التي تضم أهل القرار
الإعلامي، وأهل القرار السياسي، والعقول
المفكرة. وفيما يلي نص الحوار الذي يتحدث فيه
أيضا عن الجالية المسلمة في فرنسا وموقفها
من أزمة الرسوم، وأثر ذلك عليها، وكيف يمكن
استثمارها لخدمة المسلمين:
موقف
فطن
**
ما هو تقييمكم لردود فعل الجالية المسلمة في
فرنسا إزاء الصور المسيئة للرسول صلى الله
عليه وسلم؟
-
أنا أعتبر أن الجالية المسلمة في فرنسا سواء
أكانت علمانية أو متدينة أو تلك التي تنتمي
ثقافيا فقط إلى الفضاء العربي الإسلامي وبما
تمثله من مؤسسات ونخب كان لها موقف واضح
وصريح يستنكر نشر الرسوم وإعادة نشرها.
والاستنكار هنا لم يأت فقط من الشخصيات
الدينية فحسب وهذا في رأيي مسألة إيجابية.
الموقف
كان واضحا في اتجاه احترام كرامة المواطن
المسلم لأن المسألة لها علاقة بالكرامة كما
لها علاقة بمسؤولية الإعلام. فجميع القوانين
الفرنسية وأساسا قانون العلمانية إضافة إلى
الفصول الأولى من الدستور الفرنسي كلها تؤكد
أن الدولة تضمن كرامة الأديان وحرية المعتقد
وأن حرية التعبير ينبغي ألا تفاضل حرية
المعتقد وينبغي ألا نمس الحريات الدينية
الأخرى باسم مقدس حرية التعبير.
الموقف
العام كان فطنا ونبها وراشدا في هذا الاتجاه
حيث لجأ المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية
إلى القضاء واختار البعض الآخر التظاهر، وكل
ذلك كان في إطار احترام القانون هذا في الوقت
الذي أكدت هذه المؤسسات على عدم جلب
الاستنكار العنيف الذي صدر في العالم
الإسلامي إلى فرنسا إذ لا أتصور أن مثل هذه
الأشكال من الاحتجاجات يمكن أن تغير
المعادلات الأساسية في فرنسا، ومن ضمنها
معادلة "توطين الإسلام" الذي له مشككون
وأعداء وخاصة أننا أمام رهانات انتخابية
فرنسية قادمة.
**
الموقف الرسمي يؤكد على حرية التعبير كما
يؤكد في نفس الوقت على احترام العقائد ما هو
الخط الفاصل بين المعادلتين برأيك؟
 |
|
المستيري: الموقف الفرنسي مرتبك |
-
الموقف الفرنسي الرسمي كان مرتبكا نسبيا في
البداية ورأينا هذا التردد بين موقف وزير
الداخلية وموقف وزير الخارجية وموقف الوزير
الأول "نيكول ساركوزي". وزير الداخلية
يقول إنه لو خير بين التطرف في حرية التعبير
والتطرف الديني فإنه سيختار التطرف في حرية
التعبير، ولكن جاء موقف وزير الخارجية "فيليب
دوست بلازي" مختلفا وهذا مفهوم، ذلك أنه
يباشر حرارة الشارع الإسلامي حيث كان موقفه
مناقضا لهذا الموقف ولم يترك حرية التعبير
في مقابل حرية المعتقد، وأكد على الموقف
نفسه فيما بعد الوزير الأول "دومينيك
دوفيلبان" ثم الرئيس الفرنسي جاك شيراك.
بقي
التأكيد أن الموقف متردد ومرتكب مما جعل
الخيط الرفيع بين حرية التعبير وحرية
المعتقد غير واضح.
يجب
التأكيد أيضا على جزء كبير من الموقف الأهلي
الفرنسي كان إلى جانب المسلمين ورفض مقابلة
حرية المعتقد بحرية التعبير.
من
المفارقات وفي قضايا المقدسات بالذات هناك
معتقدات كثيرة في فرنسا دينية وغير دينية
يجب عدم المس بها فالعلمانية على سبيل
المثال هو معتقد مقدس ولا يمكن المس بهذا
الثابت، كما لا يمكن المس بثابت الجمهورية
كما لا يمكن التشكيك بثابت الديمقراطية كما
لا يمكن التشكيك بثابت معاداة السامية
بفرنسا، فهذه كلها مكتسبات وطنية فرنسية
وأساسية في فرنسا، وضمن
هذه المكتسبات نعتقد أنه لا يمكن المساس
أيضا بكرامة المسلم وأي مواقف عنصرية أخرى
إذ ليس هناك قانون ضد الإسلاموفوبيا في
فرنسا، غير أن هناك قوانين تمنع التمييز
بسبب الدين أو العرق أو المعتقد أو الرأي.
أعتقد
في المجمل أن الموقف الفرنسي كان إيجابيا
بالرغم من بعض التضاربات التي وقعت وما حدث
هو فرصة كبيرة للمسلمين، إذ رب ضارة نافعة
حتى يؤكد عن حقهم في مبدأ احترام حقوقهم ضمن
ثوابت العلمانية الفرنسية.
آثار
إيجابية
**
ما هي الآثار المستقبلية المتوقعة على واقع
الجالية المسلمة بسبب هذه الأزمة؟
-
طبعا على خلاف ما نقرؤه وما نسمعه وما نشاهده
من قراءات تشاؤمية وعدمية للوجود الإسلامي
نتيجة آثار هذه الأزمة، فأنا أعتقد أن الأمر
لا يعدو إلا أن يكون إلا سحابة عابرة، إذ مرت
على الوجود الإسلامي في أوربا وفي فرنسا
بصفة خاصة زوابع كثيرة شككت في قدرة
المسلمين على المواطنة الهادئة: فوقع اللبس
بين الإرهاب والإسلام وخاصة بعد أحداث
الحادي عشر من سبتمبر، ثم جاءت بعد ذلك قضية
الحجاب التي تم بموجبها التشكيك في قدرة
المسلمين على الاندماج في مجتمع علماني غير
ديني وكانت صورة الحجاب آنذاك وإلى اليوم في
نظر الفرنسيين هي الخوف من عودة الدين إلى
مؤسسات المجتمع.
ثم
جاءت مشكلة الأئمة والخطاب المتطرف لبعضهم
ووقع التشكيك في قدرة المسلمين على إنتاج
خطاب ديني رصين ومعتدل، واليوم من خلال هذه
الرسوم بدأ التشكيك في قدرة الإسلام على
التسامح.
أنا
أعتقد أننا استطعنا خلال العشرينيات
الماضية أن نستثمر هذه الزوابع من خلال
تقديم الردود الإسلامية المقنعة على أن
الوجود الإسلامي قادر اليوم على أن يكون
عنصرا مشاركا وعنصرا إيجابيا في الارتقاء
بالحياة المتعددة الهادئة والسلمية،
والوجود الإسلامي أصبح وجودا أساسيا اليوم
في فرنسا وأوربا.
لهذه
الاعتبارات أقول إننا من الممكن أن نستثمر
حملات التشكيك من جديد من أجل إثبات قدرة
الإسلام على المواطنة الكاملة.
نحن،
أي العاملون في الحقل الإسلامي، مدعوون إلى
أن نكون الأصوات الإسلامية الراشدة لتقديم
الإسهام الإسلامي في المجتمعات التي نعيش
فيها.
ومن
خلال هذه الأزمة لم يعد الاتهام موجها ضد
جماعة متدينة بأنها تساند الإرهاب وإنما
الاتهام أصبح اليوم يتجه إلى الإسلام وقدرة
الإسلام على أن يكون دين مواطنة؛ ولذلك فإن
الأزمة تتيح لنا اليوم أن ندخل في عمل حيوي
من أجل إثبات أننا أصبحنا مواطنين. فأولا
هناك فرصة قادمة تتمثل في الانتخابات
البرلمانية والرئاسية وبإمكاننا من خلالها
أن نقنع أننا أصبحنا رقما أساسيا، وهناك
منابر للحوار بين الديانات والثقافات ومن
خلالها يمكننا أن نبرهن أننا لسنا طرفا
بسيطا في هذه الحوارات.
الأزمة
منحتنا فرصة كبيرة للدخول في حوار عميق مع
المجتمعات التي نعيش فيها، ثم هناك حاجة
أساسية لضرورة مشاركة المسلمين في تعريف
الساسة والإعلاميين الفرنسيين بالإسلام،
فمن خلال تظاهرات عديدة اكتشفت فعلا أن
الإعلام الفرنسي يحتاج إلى أن نمد له يد
العون حتى يتعرف على الإسلام أكثر.
إعلام
متضامن
**
في هذه النقطة بالذات كيف تقيمون تغطية
الإعلام الفرنسي لأزمة الرسوم؟
-
الإعلام الفرنسي كان محتاطا في تناوله
للأزمة ولكنه في نفس الوقت بدأ يتعلم ضرورة
عدم الانسياق وراء الشبهات التي تحوم حول
المسلمين وحول الإسلام خاصة؛ لأن الأزمة مست
جوهر الدين والمنطق الفرنسي والغربي بصفة
عامة يرفض أن تلصق الشبهات بالأديان، فأن
نلصق اتهاما بالمتدينين فهذا أمر ممكن، أما
بالأديان بحد ذاتها فهذا أمر خطير.
نسبيا
حصل بعض التضامن من بعض الصحف الفرنسية مع
الصحيفة الدانماركية التي نشرت الرسوم، غير
أن هذا التضامن جاء من باب "دعم حرية
التعبير ضد احترام المعتقد" وبالرغم من أن
هذا التضامن غير مشروع فهو في نظر الغربيين
مفهوم؛ فهناك خوف حقيقي من أن يتحول شعار "احترام
المعتقد" إلى ذريعة لصد حرية التعبير وهو
من الممكن أن يحصل وقد حصل في تاريخ أوربا
قديما.
لهذا
فإن الأزمة أوجدت لنا فرصة نحن في أن نبرز
للفرنسيين والغربيين أننا معهم في هذا
التخوف ولكننا لسنا معهم في أن يتحول هذا
التخوف للدوس على حرية المعتقد وعلى كرامة
المسلمين، ولذلك فأنا مع تشجيع الدورات
التكوينية واللقاءات المتخصصة وضرورة أن
ندعو إليها أهل القرار الإعلامي ثم أهل
القرار السياسي وثالثا العقول المفكرة في
المجتمع الفرنسي حتى يفهموا طبيعة المقدسات
الدينية لدينا.
من
هذه المنطلقات بالذات أنا ضد دق صافرات
الإنذار من هذا الطرف أو ذاك لأنه لا يخدم
الدور الإسلامي في الغرب وسيمنعنا من التقدم
في دور المواطنة الذي نبتغيه حيث من الضروري
أن يكون تصورنا ورؤيتنا متزنة وهادئة
وإستراتيجية، فلا يجوز تضخيم أفق هذه القضية
التي يمكننا حصرها في أفق "إسلاموفوبي"
محدود وغير رسمي، والأفق الرسمي الغربي له
الرغبة في جعل المسلمين عنصر مواطن، وهناك
طبعا أعداء لهذا الموقف الرسمي لذلك يجب
مواجهتهم بأساليب ذكية بعيدا عن التشنج، فهي
حرب من نوع خاص ذات أبعاد سياسية وانتخابية.
إسلاموفوبيا
**
ولكن ما بعد أزمة الرسوم هل يمكننا توقع
ارتفاع وتيرة الأعمال المعادية للمسلمين؟
-
الإسلاموفوبيا موجودة منذ النظرة
الاستشراقية وحتى قبل ذلك ولن تتوقف هذه
النظرة الغربية التقليدية التي تجذرت أكثر
مع موجات هجرة المسلمين إلى الغرب في
العشرينيات الأخيرة. وهي رؤى معادية للحوار
الهادئ مع المسلمين وهي معادية بشكل أساسي
لتوطين الإسلام في الغرب.
يجب
علينا الانتباه لأن هناك ورقات أخرى يمكن أن
يستثمرها بعض المعادين للوجود الإسلامي،
حيث من الممكن أن يتذرعوا بقضايا إسلامية
عديدة كتطبيق الحدود مثلا وهي القضية التي
حاولوا أن يثيروها في كندا دون أن ينجحوا.
أنا
أعتقد أن الوجود الإسلامي سيواجه ورقات أخطر
من ورقة الكاريكاتير التي تبقى على أهميتها
مسألة حقوقية تتعلق بكرامة المسلمين في
الغرب.
أنا
أتصور أن هذه الصور ستبقى هامشية وجانبية
شريطة ألا ينساق المسلمون وراء الرد عليها
فقط؛ إذ يجب علينا تجاوز مسألة رد الفعل
العفوي والضروري إلى ردود أكثر إستراتيجية
عن طريق الإصرار على توطين الوجود الإسلامي
الذي لا يمكن أن يتحقق فعليا إلا عن طريق
توطين الوجود السياسي الإسلامي وتوطين
الثقافة الإسلامية وتوطين الاستقلال المادي.
**
ولكن هل تعتقدون أن مطلب إيجاد قانون يمنع
"الإسلاموفوبيا" أصبح أمرا ضروريا في
فرنسا بعد هذه الأزمة؟
-
أنا أتصور أن هذا المطلب ليس بالأهمية بمكان
فنحن في فرنسا لا نفتقر إلى القوانين التي
تمنع منعا صارما الإساءة إلى المعتقدات مهما
كانت، سواء أكانت دينية أو غيرها، ما نفتقر
إليه هو اعتبار الوجود الإسلامي وجود مواطنة
مائة بالمائة؛ وبالتالي تطبيق القانون بشكل
مساو لتطبيقاته على المسيحيين وعلى اليهود..
هذا هو الذي يعنيني في هذا الباب.
هناك
قوانين أخرى لا يقع تطبيقها على المسلمين
فمثلا قانون العلمانية الذي يفترض على
الدولة أن تكون محايدة لا يُحترم في فرنسا
احتراما كافيا، ففرنسا الدولة تتدخل في شؤون
المسلمين وبالتالي تخرق حيادية قانون
العلمانية بذريعة أن المسلمين يحتاجون إلى
مرافقة ومساندة في مجلسهم التأسيسي.
نحن
ملزمون اليوم بدعوة السلطة الفرنسية إلى
احترام المسلمين كشريك مواطن، فالمسلمون
اليوم ليسوا مجرد أصحاب ديانة ولكنهم أيضا
أصحاب مواطنة، فأغلب الذين رفضوا الصور
ليسوا متدينين ولكنهم مواطنون فرنسيون
شعروا أنهم أهينوا في كرامتهم وفي ثقافتهم.
**
مراسل موقع إسلام أون لاين. نت في فرنسا.
|