 |
|
دمية بيد مسرحي
|
الأرجوز
بتمايله وخبثه ومشاغباته لم يرتبط قط
بالعالم العربي، بل تعدى حدوده واشتهر في
عديد من البلاد وصارت له أعلام شهيرة تعني
مفهومات ثابتة؛ ففي روسيا يشتهر باسم "بتروشيكا"،
وفي ألمانيا باسم "هانزفيرشت"، وفي
فرنسا "بولشينل".
وعرائس
القفاز هي العرائس الرئيسية للأرجوز التي
يحركها لاعب من خلف "البارافان"، وهي
تصنع من الخشب والورق على شكل مماثل للشكل
الأسطواني للجسم، وتصمم لها ملابس خاصة بها
ويصمم الوجه على شكل تعبيري يدل على أعمق
خصائص الشخصية التي تمثلها العروسة.
وجرت
العادة أن يكون تركيب وجه عرائس الأرجوز
المصاحبة للعرض تركيبًا مضحكًا؛ إما أنف
متضخم، أو شفتان متورمتان، أو صلعة لامعة،
أو قفا عريض يتلقى الصفعات من الأرجوز البطل.
زمارة
الأمانة
وهناك
صوت أجش مميز يخرج من الأرجوز وينفرد به عن
بقية الشخصيات المشتركة في العرض ومصدره "الأمانة":
وهي عبارة عن صافرة صغيرة "زمارة"
يستخدمها فنان الأرجوز، وتكون مصنوعة من
قطعتين من النحاس داخلهما وتر يضعها في فمه
ليؤدي صوت دمية الأرجوز بشكل مميز عن بقية
الشخصيات التي تشارك في تمثيل بقية الأدوار.
وقبل
أن يضع لاعب الأرجوز الأمانة في حلقه يضعها
في كوب من الشاي الساخن أو قهوة سادة لإزالة
الصدأ وحماية اللاعب من التسمم. وسميت "الأمانة"
نسبة لحفظ سرها وسر المهنة التي لا يبوح بها
أحد.
وعلى
الرغم من قلة الأدوات التي يحتاجها الأرجوز،
وهي الخيمة ذات الثلاثة جوانب التي يقف
اللاعب خلفها وعرائس القوفاز، فإن شوارعنا
تكاد يختفي منها هذا النوع من الفن الشعبي.
ويطلق
على الدور أو العرض الواحد الذي يقدمه
الأرجوز "النمرة"، ويوجد نحو 48 نمرة
يؤديها اللاعب منها: الأرجوز وزوجته، أو رجل
الدين، أو رجل الأمن، أو البخيل، أو الحاكم.
وللأرجوز
شكلان: ثابت ومتحرك؛ والثابت عبارة عن خيمة
بيضاء أو ملونة وألواح من الصاج. أما الخيمة
فهي لرسم بعض الصور لشخصيات العرض وكشكل من
أشكال الدعاية، ويجلس أمام الخيمة رجل أو
شاب يضرب على آلة "الترومبيت" وآخر على
آلة "الترمبة" للإعلان عن العرض.
أما
الشكل المتحرك فهو عبارة عن عربة من الصاج
والحديد على هيئة قاعة مستطيلة الشكل لها
مدخلان، واحد من الخلف للدخول وواحد من أحد
الأجناب للخروج، وتقام العربة على أربعة
عجلات وتجرها الدواب.
منافسة
وتفوق
 |
|
الحكواتي أو الراوي
|
وكانت
شبه منافسة احتدمت بين الأرجوز و"خيال
الظل" و"صندوق الدنيا" مع مطلع القرن
الماضي حتى أوسطه، حسمتها خفة ظل الأرجوز
وبساطته وقدرته على التعبير.
فـ"خيال
الظل" يتوسل بالصورة والضوء معا؛ ولذلك
يحتاج إلى مكان محكم يمكن أن يركز الضوء فيه
على الممثل، وهو أول أشكال المسرح التي
عرفها العرب في بغداد نقلا عن الهنود
والصينيين وانتقلت إليهم عبر إيران قبل أكثر
من ثمانية قرون.
وبعد
سقوط بغداد في القرن الثالث عشر إثر الغزو
المغولي، قام طبيب العيون ابن دانيال
الموصلي بنقل خيال الظل إلى مصر؛ حيث شاعت
الفكرة لدى المصريين، وعملوا على نقل
حكاياتها إلى شخصية الأرجوز.
أما
"صندوق الدنيا" الذي كانت تتحرك صوره من
ورائها مصدر ضوئي فيما يحكي الراوي القصة
التي يشهدها الأطفال من خلال فتحات صغيرة،
وقد أسدل من فوق رؤوسهم ستار قديم.. فهو
الصندوق الذي ينقلهم إلى دنيا مختلفة عن
حياتهم بكل شخوصها وخيالها.
الراوي..
ودكته
عن
طريق الأداء يقدم لنا الراوي أو الحكاء سيرة
كاملة من خلال فنية في الممارسة، وتعمق في
مواقف السيرة ومعانيها النفسية والوجدانية.
وقد عرف الراوي التخصص، فها هو راوي السيرة
الهلالية، وآخر زناتي يقول الشعر بجانب
الزناتي خليفة، وثالث يركز على قصص عنترة،
ورابع يروي عن أدهم الشرقاوي وحسن ونعيمة
وزاهر ونرجس... إلخ.
ومن
فوق منصة مرتفعة قليلا عن الأرض أو دكة، وفي
مستوى أعلى من الجمهور داخل "المعمار"
الذي تؤدى فيه السيرة، وعلى الأضواء العادية
المتوفرة يبدأ الراوي في العزف على الربابة
وهو جالس في البداية، ويمكن أن يعتبر العزف
افتتاحية يقصد بها التمهيد والهيمنة على
الجمهور، وأيضا إظهارا لبراعة الراوي في
العزف.
بداية
الحكاية
ينهض
الراوي ويبدأ بذكر النبي -صلى الله عليه وسلم-
ثم يدخل على السيرة التي يؤدي فيها كل
الشخصيات بلسانه هو.. فهو يمتلك القدرة على
تطويع صوته من خلال الممارسات الطويلة على
التحكم في صوته، فهو الصوت المهذب القادر
على التعبير عن أي انفعال. وهو الذي يعلم كيف
ومتى يلجأ إلى هذه الطبقة أو تلك من خلال
المران الطويل. فعندما يقدم شخصية "البسوس"
يبلغ جمهور السامعين عن مدى خستها من خلال
أداء إيحائي، بينما نجده مختلفًا عندما يقدم
شخصية الزناتى خليفة أو عنترة العبسي.
ويصاحب
الراوي الربابة التي لا تفارقه وعازف دف؛
فعند أشعار معينة تتوقف الربابة والدف ليلقي
الراوي الأشعار بأداء منغم بصوته، وقد يصمت
الراوي وتردد وراءه الجوقة كنوع من التنويع
أو التأكيد.
وصوت
الراوي واضح وسليم يخلو من العيوب الأدائية
كالتلعثم وغيره؛ فسلامة الأداء تعادل
السيرة ذاتها، فأعظم الأفكار والكلمات لا
تستطيع التعبير عن نفسها دون مؤدٍ بارع
وحساس تتوافر فيه عناصر الأداء الفنية من
صوت جذاب مريح حاضر مثير يتضمن كل الطبقات
الصوتية.
والأدب
الشعبي يتكون من حكاية وسيرة ومَثَل وفزورة
وشعر وفكاهة.. وكل ذلك موروث شعبي بلا مؤلف،
أبدعه الشعب شفاهيًّا إلى أن أتى من يدونه كي
يحتفظ به ويبقى. فالتراث الشعبي العربي
القديم روي عبر السنين دون أن يراعى تطوره،
واستمرت السير الشعبية تروى في كافة الأقطار
بعضها اتخذ طابعا إقليميا مثل: سيرة الزير
سالم والظاهر بيبرس.
ولعل
سر بقاء سير مثل: عنترة وبني هلال والأميرة
ذات الهمة هو تمجيدها لبطولات العربي التي
حاولت أن تنتصر للإسلام والعرب، كما اقترنت
بصورة الحاكم الصالح كما يتمناه الشعب ويحكم
بما نادت به القيم الأخلاقية.
سيطرة
على الجمهور
 |
|
الربابة
|
يلجأ
الراوي الشعبي إلى أساليب تمكنه من السيطرة
على جمهور مستمعيه تجعلهم في حالة من
الاستمتاع والانصياع الجميل؛ فالراوي يبدأ
من نقطة سكون وسرعان ما يتجاوزها إلى
الإثارة ومنها يصل مرة أخرى إلى السكون، كما
يلجأ إلى التكرار، والتكرار هنا ليس تكرارا
لفظيا لكنه تكرار المواقف داخل الحكاية
الواحدة؛ وذلك بأن يقوم البطل بفعل أكثر من
مرة حتى ينجح فيه أو يقوم أكثر من شخص بفعل
أكثر من مرة حتى ينجح فيه بهدف تأكيد الحدث.
كما
يستخدم "قانون الثلاثة" وهو يرتبط
بقانون التكرار من حيث إن الفعل يتكرر ثلاث
مرات أو إن الإخوة الثلاثة يقومون بفعل واحد
ولا ينجح فيه إلا الأخ الأصغر.
ومن
أقوى أسلحة الراوي للسيطرة على جمهوره هو
قانون القوتين المتعارضتين؛ فسير الراوي
فيها القبيح والجميل، والقوي والضعيف،
والفقير والغني، وكلها ضدية تسهم في نسج حال
صراع وتولد مواجهات ومواقف يتسع فيها الخيال.
والراوي
الناشئ يظل يتمسك بحرفية الصيغ حتى يستقر في
نفسه الشكل الروائي الذي يتعلق به ويستعد
لروايته على الجمهور، فإذا وصل إلى تلك
المرحلة فإنه لا يعتمد على حفظ تلك الصيغ بل
يميل أكثر إلى عملية استبدال ألفاظ الصيغ
المتوارثة بألفاظ من تأليفه.
جهود
عربية قليلة تبذل في سبيل التعريف ونشر هذين
النمطين الفنيين القديمين وجهود أقل في
تقديمهما فنا راقيا يستحق المشاهدة، رغم أن
الجميع يؤكد أنهما مفتوحان على كل الأشكال
الفنية الأخرى.
وبقي
أن نشير إلى أنه يوجد في فرنسا وحدها حاليا
أكثر من 250 جمعية صغيرة تهتم بتطوير "الفنون
الشفهية" مثل الحكواتي والأرجوز. وهي مهن
فنية على علاقة مباشرة مع كل القطاعات
الاجتماعية والثقافية؛ فالحكواتي يقرأ في
أماكن عدة كالشارع، والمسرح، والقهوة،
وساحة قرية، والسجون، ويمكنه أن يكون امرأة
أو رجلاً، شابًّا أو كهلاً، ولم يعد مقتصرًا
على الرجل العجوز. والأرجوز يقدم عروضه
المؤثرة بإمكانات بسيطة ومواد أولية
متوفرة، ليبقى السؤال معلقا إلى متى سيستمر
هذا التهميش والإهمال؟
اقرأ
أيضا:
**صحفي وباحث.