 |
|
عمرو خالد في أثناء المحاضرة في ألمانيا |
لقد
كانت دموع أم عربية الدافع المباشر لفكرة
ترجمة محاضرات الداعية الإسلامي عمرو خالد
إلى الألمانية. إنها دموع صادقة من أم تأثرت
تأثرا شديدا بمحاضرته في رمضان 2003 والتي
كانت بعنوان "حب الجنة".
تلك
الدموع كان وراءها سبب آخر غير الشوق إلى
الجنة؛ فالأم العربية كانت تبكي، أيضا، حزنا
على أبنائها الذين نشئوا وتربوا في ألمانيا،
ومع الأسف، دون أن يتكلموا العربية أو
يفهموها، فأنّى لهم فهم مثل هذه المحاضرة
القيمة أو غيرها عن دينهم؟ وهذه حقيقة
يعيشها المسلمون في مجتمعنا الألماني وغيره
من المجتمعات الغربية.
من
هنا جاءت محاولتنا الأولى في هذه الترجمة،
حيث لا بد من مخاطبة شباب المسلمين، هنا،
بلغتهم الأم وهي اللغة الألمانية.
تجربة
مهمة
وسنحاول
في هذه السطور أن نلقي الضوء على تجربتنا في
ترجمة أعمال الداعية عمرو خالد التي تأثر
بها الآلاف بل الملايين في الوطن العربي
والتي نسعى من خلال دار
الترجمة إلى حملها إلى سائر العالم.
فقد
قمنا حتى الآن -بفضل الله- بترجمة ونشر 3
كتيبات للأستاذ عمرو خالد، كان أولها "حب
الجنة"، ثم "محمد -صلى الله عليه وسلم-
بالمؤمنين رءوف رحيم" عن محاضرة "حب
النبي صلى الله عليه وسلم". أما الكتيب
الثالث فعنوانه "الاندماج في الإسلام"،
وهو ترجمة للمحاضرة
التي ألقاها الأستاذ عمرو خالد في عام 2003 في 3
مدن ألمانية ضمن المؤتمر السنوي للتجمع
الإسلامي بألمانيا.
وقد
لقيت هذه الأعمال المترجمة ترحيبا كبيرا من
عمرو خالد، وتم نشر الكتيبات من خلال دار
النشر "أندلسية" بمدينة كارلسروه
بألمانيا. وهي دار نشر صغيرة شأنها في ذلك
شأن كل دور النشر الإسلامية في مجتمع
غالبيته من غير المسلمين، أما صاحبها فهو
الأستاذ الفاضل "روشتو أسلاندور"، وهو
ناشر محترف منّ الله عليه بخبرة تتجاوز 10
أعوام في مجال النشر، وقد قام بنفسه بترجمة
العديد من الأعمال عن الإسلام إلى اللغة
الألمانية.
النقل
الحي
وعندما
شرعنا في ترجمة محاضرة "حب الجنة" كان
أمامنا هدف واضح حاولنا أن نضع خطة العمل
المناسبة لتحقيقه؛ فنحن لا ننقل مجرد كلمات
أو جمل أو حتى معلومات دينية من لغة إلى لغة،
وإنما نسعى لترجمة العمل مع الاحتفاظ بأسلوب
الداعية المميز الذي يرقق قلوب مشاهديه.
ولن
يختلف معنا القارئ العزيز في أن الوصول إلى
القلوب لا يكون عن طريق اختزال المحاضرة
وعرض مضمونها في صورة نقاط توضح أفكار
الداعية فقط؛ فهذه الأفكار البالغة الأهمية
لا بد أن يتأثر بها القارئ أولا ويتفاعل معها
فيتجدد الأمل في قلبه وتتولد في نفسه طاقة
تدفعه إلى العمل الإيجابي المفيد.
والسؤال
الذي يطرح نفسه: كيف يمكن أن تحافظ محاضرة
مقروءة ومترجمة على تلك الشحنة الإيمانية
العالية ويكون لكتيبات عمرو خالد باللغة
الألمانية تأثير مماثل لمحاضراته المرئية
باللغة العربية؟.
تسجيل
حي لحظي
 |
|
حب الجنة |
أكدت
تجربتنا المتواضعة أن الترجمة الكاملة
للمحاضرة المرئية -بكل ما فيها من تتابع
للأفكار وتكرار لبعضها واستخدام لصيغة
المخاطب ثم تغييرها في نفس الجملة، أحيانا،
وحتى الجمل الاعتراضية التي يستعين بها عمرو
خالد لتقريب المعنى للمشاهد وخصوصا في
الأحاديث النبوية الشريفة- هذه الترجمة
الشاملة هي طريقنا إلى قلب القارئ؛
فكتيباتنا المتواضعة تحولت من خلال الترجمة
الكاملة إلى تسجيل حي لحظي يحمل أفكارا
ومشاعر وانفعالات في شكل حروف وكلمات
جمعناها في صفحات بدلا من لقطات مؤثرة تظهر
على الشاشات، وكأن المحاضرة المترجمة تُبث
عبر الكتيبات، مفسحين بعد ذلك للقارئ مجالا
خصبا ليتخيل بنفسه المحاضرة، ويعيش معها
ويتفاعل مع عمرو خالد وكأنه يراه ويسمعه
ولكن باللغة الألمانية!.
وقد
تفاوت القراء في مدى تفاعلهم مع المحاضرة؛
فمنهم من قرأ الكتيبات دفعة واحدة، وقال إنه
لم يستطع أن يترك الكتيب من يده حتى ينجز
قراءته، ومنهم من تأثر تأثرا شديدا بعد
قراءة الصفحات الأولى لدرجة أنه وضع الكتيب
جانبا ليكمل قراءته بعد أن يتمالك نفسه من
البكاء.
هذه
المشاعر ننقلها بكل أمانة، وكُلّنا ثقة في
أن قارئ مقالنا هذا لن يفسر كلامنا على أنه
مبالغة متعمدة نمدح بها أنفسنا أو ننسب لنا
فضلا؛ فما بنا من نعمة إلا من الله وحده.
وأغلبية
هؤلاء القراء الذين تأثروا بالمحاضرات
المترجمة إنما هم من الألمان -أي أن لغتهم
الأم هي اللغة الألمانية- ومن بين هؤلاء شباب
المسلمين من الجيل الثاني الذين نشئوا في
مجتمعاتنا الغربية وقليل منهم من يجيد اللغة
العربية أو يفهمها.
ومما
لا شك فيه أن القراء هم أجدر في الحكم على عمل
مترجم إلى لغتهم الأم؛ فهم يتمتعون بحس لغوي
عال لا ينافسهم فيه حتى من عاش في ألمانيا
عشرات السنوات وإن أجاد اللغة وألمّ بكل
قواعدها النحوية إلماما تاما.
وجدير
بالذكر أنه قد يترتب على الترجمة الكاملة
أحيانا استخدام بعض الأساليب التي تعتبر غير
تقليدية في اللغة الألمانية نتيجة الاحتفاظ
بأسلوب الداعية المتميز كما أوضحنا، ولكن
هذه الأساليب -وإن بدت غريبة إذا ما وردت
بمفردها- فإنها في حد ذاتها صحيحة لغويا
وسليمة نحويا ومتمشية تماما مع سياق الحديث.
بالإضافة إلى أننا نستعيض عن الأمثلة التي
ترتبط بثقافتنا العربية بأخرى مقترنة
بثقافتنا الألمانية ونُُفرد إما في الهامش
أو في آخر الكتيب جزءا لشرح كل المصطلحات
والألفاظ التي قد تكون جديدة على بعض القراء،
بالإضافة إلى نبذة مختصرة عن الصحابة أو
التابعين الذين ورد ذكرهم في المحاضرة. كما
نستعين بالعناوين الفرعية وأدوات الترقيم
المختلفة ليسهل بذلك على القارئ متابعة
أحداث هذه المحاضرة المرئية المقروءة.
تقييم
إيجابي
هذا،
وتمر الكتيبات بمراحل تدقيق وتنقيح عديدة
نستعين فيها بإخوة أفاضل خبراء في مجال
الترجمة، منهم من تخصص في ترجمة الأحاديث
النبوية وله ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة
الألمانية، بالإضافة إلى معلمي اللغة
الألمانية الأكفاء والدعاة ممن هم على درجة
عالية من الإلمام بالتاريخ الإسلامي.
وملاحظات هؤلاء وتعليقاتهم على الترجمة
تلقى منا كل الاهتمام حيث نقوم بعمل
التغييرات اللازمة مرة بعد مرة وذلك كله قبل
أن نشرع في طباعة الكتيبات.
وقد
جاء تقييم هؤلاء الإخوة الأفاضل وغيرهم
لأعمالنا المتواضعة على أنها جيدة جدا
والحمد لله. ويمكن للقراء المتقنين للغة
الألمانية أن يطلعوا بأنفسهم على تعليقات
القراء والخبراء على صفحة
دار النشر.
"الاندماج"
وضع خاص
أما
الكتيب الثالث -الاندماج في الإسلام- فقد كان
له وضع خاص؛ نظرا لأنه محل اهتمام الناطقين
باللغة الألمانية من غير المسلمين أيضا،
ولذلك فقد طلبنا -زيادة على ما سبق- رأي أحد
المتخصصين في مجال العلوم السياسية وآخر من
أعضاء الحزب الديمقراطي وهو مستشار سابق في
قضايا الاندماج، ووضعنا تعليقاتهما في عين
الاعتبار. والمترجم في هذه الحالة لا يغيّر
مضمون المحاضرة وإنما يلجأ إلى صياغة بعض
المترادفات والتعبيرات المكافئة لتكون أقرب
إلى القارئ الألماني وثقافته.
ومن
كل ما سبق يتبين أن ترجمة محاضرة مرئية لعمرو
خالد مدتها 45 دقيقة من اللغة العربية إلى
اللغة الألمانية تستغرق ساعات طويلة لا يمكن
عدها؛ فربما تستغرق ترجمة المحاضرة الواحدة
ما بين 50 و100 ساعة، وربما أكثر أحيانا.
فالمهم
هو وصول المحاضرة بكل ما فيها من أفكار
وإيمانيات وأمل ودعاء ودموع وضحكات إلى
القارئ، وأن يتأثر بما فيها ويرسخ في ذهنه
مفهوم "التنمية بالإيمان"؛ فيشد ذلك من
همته ليتحقق حلمنا الطموح في نهضة هذه الأمة.
وقد
منّ الله تعالى علينا بأن آتت هذه الترجمة
المتواضعة باكورة ثمارها حيث تبنى
بعض الكتاب بالفعل نفس الأفكار التي
وردت في
مقدمتنا لكتاب "الاندماج في الإسلام"،
والذي نتعرض من خلاله لدور المسلمين في
أوربا بصفة عامة، وفي ألمانيا بصفة خاصة،
موضحين المراحل التي مر بها المسلمون في
الغرب بين العزلة والذوبان لنطرح بعد ذلك
فكرة الاندماج الإيجابي كما شرحها عمرو خالد.
ولا
شك أن هناك أهمية للترجمة وللدور الرائد لها
عبر التاريخ، فلم تنهض أمة إلا وكانت نهضة
الترجمة مواكبة لنهضتها.