حتى
طالعتنا جريدة "أخبار الأدب" المصرية
بخبر مفاده أن الأستاذ مجدي الدقاق -رئيس
تحرير الهلال- سينشر الرواية حتى لو لم يوافق
محفوظ على ذلك بحجة -على حد تعبير الدقاق- أن
الإبداع بعد مرور سنوات عليه يصبح ملكا
للشعب وليس لصاحبه فقط، وأن رواية "أولاد
حارتنا" لها وضع خاص، وأن هناك أسبابا
فكرية لنشرها أكبر من فكرة حقوق الكاتب
والنشر.
هذا
الأمر جعلنا إزاء عدد من القضايا الشائكة
والملتبسة في آن واحد، وفي مقدمتها العلاقة
بين الإبداع كمفهوم وبين الحقوق الأدبية
والمادية للمبدع، وطبيعة وحقيقة الإبداع،
وحدود ملكية المبدع على إنتاجه، وهل هي
ملكية خاصة به أم ملكية عامة؟ إضافة إلى
الأبعاد السياسية الكامنة وراء الإصرار على
نشر الرواية في هذا الوقت بالتحديد؟ وهل ثمة
تحول أيديولوجي وفكري طرأ على الأديب نجيب
محفوظ بعد سنوات من إصداره روايته المثيرة
"أولاد حارتنا"، حول هذه القضايا
التقينا عددا من المفكرين والأدباء.
يرى
الدكتور "جابر قُمَيحة" -أستاذ الأدب
العربي- أن الإبداع -كما هو معروف- أن يقدم
الأديب عطاء فنيا لهدف معين، وهو ككل عطاء بل
ككل سلوك، يجب أن تكون له ضوابط، وهذه قاعدة
مطردة لا في حياتنا فقط بل في حياة كل الأمم.
كما أن الإبداع حق للمؤلف، فإذا طرحه على
الجمهور دخل في "ملكية التراث الإنساني"،
لكنه منضبط بما نسميه "حق الملكية الأدبية"،
وقد نظَّمها القانون المصري فلا يحق لجهة ما
نشر أي عمل دون إجازة المبدع إلا بعد مرور
مدة معينة حددها القانون، بعدها يكون
الإبداع ملكًا للجميع، أي يُنشر دون إذن
صاحبه.
أما
عن نشر الأعمال التي تمس المقدسات فيرى "أن
هذه المقدسات هي تراثيات لها احترامها
ومكانتها، فمثلا لو جاء إنسان وقال: لماذا لا
نهدم الأهرامات ونستغل حجارتها في أبنية
حديثة؟ فسنجد آلافا يثورون في وجهه بدعوى أن
هذا تراث يجب أن يُصان، فما بالنا بشخصيات
الأنبياء والصحابة وفوق ذلك الذات الإلهية؟!
وهذا لا يمنع مقارعة الفكر بالفكر والحجة
بالحجة، مما يترتب عليه ثراء عقلاني وفكري".
أما
الدكتور خالد فهمي -الأستاذ بكلية الآداب
جامعة طنطا- فيرى أن الإبداع هو محاولة إظهار
مكنون النفس الإنسانية في صياغة أدبية، وأن
هدف الإبداع في جميع الآداب التي عرفتها
البشرية كان هدفا نبيلا؛ فالإبداع عند
اليونانيين يهدف إلى التطهير "تطهير نفس
المتلقي من الآثام"، وعند الرومان يهدف
إلى المتعة والمنفعة، وكذلك كان هدفه في
الإسلام.
ولم
يكن الإبداع -يوما- في الخروج على الثوابت
والهجوم على المقدسات، حتى إن أفلاطون تكلم
عن وجود إطار للإبداع وحدود تحكمه.
رغم
ذلك وافق "خالد فهمي" -بشروط- على نشر
الأعمال التي تمس مقدسات الأمة، وأن يكون
هناك حق نشر الرد والتفنيد العلمي لها، وذلك
أخذًا عن القرآن الذي ذكر كل أباطيل
المشركين وحججهم، ورد عليها وفندها. ويأتي
هنا دور الدولة التي تعد مسئولة عن حماية
وسلامة أبنائها فكريا.
وفي
الجهة المقابلة يدافع بعض النقاد والأدباء
مثل الدكتور عبد المنعم تليمة -أستاذ الأدب
والنقد بكلية الآداب، جامعة القاهرة- عن حق
نشر أي عمل إبداعي ويقول: أنا ضد أي مصادرة أو
تحفظ، وأوافق على نقد أي عمل أدبي بأسلوب
علمي.
ويرى
الدكتور جابر عصفور -أستاذ النقد بكلية
الآداب، جامعة القاهرة، ورئيس المجلس
الأعلى للثقافة- أنه "من حيث الفن لا يوجد
أي قيد على المبدع، ولو وضعنا قيودا على الفن
فإنه تقل جودته حتى يتلاشى في النهاية، فلا
يصبح لدينا لا مبدع حقيقي ولا إبداع. والعمل
الفني بطبيعته عمل رمزي، وبذلك فمن الخطأ أن
نحاكم العمل الفني بغير مقاييس الفن كأن
نحاكمه دينيا على سبيل المثال".
أما
المفكر الإسلامي عبد الصبور شاهين فيؤكد أنه
من الخطأ وضع قيود على الفن، وأن القيود
تُوضع ذاتيا من الفنان ذاته، ومن يخرج عن
الإطار العام لمبادئ وثوابت مجتمعه يواجهه
الشعب بالإهمال أو باللجوء إلى القضاء إن
احتكم الأمر إلى ذلك.
لكن
الناقد الأدبي والمفكر اليساري فؤاد قنديل
يجمع بين وجهتي النظر المطروحتين بشأن حرية
الإبداع فيقول: "ليس هناك تعارض بين حرية
الكاتب المطلقة والحفاظ على الثوابت والقيم
للمجتمع، بمعنى أنني أتصور أن الكاتب حر
تماما أن يبدع كيفما شاء، ولكن عليه أن يتحمل
المسئولية تجاه المجتمع، وبالتالي فالقيم
والثوابت تدخل ضمن مسئولية الكاتب الذاتية،
والشعب الواعي قادر على فرز أدبائه وفنانيه،
أما إذا حدث خروج على الثوابت والقيم فهنا
يأتي دور المجتمع وعلى رأسه الكتاب
والمثقفون ثم القضاء.
 |
|
أبو الفتوح
|
أما
عن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح -عضو مكتب
الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين- فيؤكد أن
الإخوان المسلمين يرون أن تكون هناك حرية
تامة للإبداع البشري؛ لأن الفكر لا يُرد
عليه إلا بالفكر، فلو أن فردا أو جهة ما وجدت
أن هناك إنتاجا فكريا يخالف مبادئ المجتمع
الأساسية أو ما إلى ذلك فيتم اللجوء إلى
القضاء؛ وذلك حتى لا نترك المجال للمصادرة
من قِبَل الحكومة أيا كان توجهها فنقضي على
الإبداع، وبالتالي يُترك هذا الأمر للسلطة
القضائية. وأكد أن الإخوان المسلمين ضد
المصادرة الإدارية، وضد وجود أن تكون هناك
أي مؤسسة هي التي تمنح الشرعية للأعمال
الفنية، فلسنا مع المصادرة الفكرية، وكذلك
لسنا مع الحرية المطلقة للإبداع بأن يكتب كل
إنسان ما يشاء دون أن يكون هناك حق اللجوء
إلى القضاء الذي يحاسب هذا الإنسان عما قدمه
من عمل، وذلك لأن الثقافة هي تعبير عن حالة
مجتمعية تفرضها المبادئ الخاصة بالمجتمع.
ويعترض
أبو الفتوح على أن ينصِّب مجموعة من الناس
أنفسهم كأوصياء على البشر ليجيزوا لهم ما
يرونه صالحا، ويحجبون عنهم ما يرونه غير
صالح، وكأن الأصل في الآخرين السوء، وكأن
هؤلاء الأوصياء هم الأدرى والأعرف بما يصلح
حال الناس.
نشر
الرواية والأبعاد السياسية والفكرية
أما
عن الأهداف السياسية وراء المطالبة بنشر
رواية "أولاد حارتنا" الآن، فقد اتفق كل
من جابر قميحة وخالد فهمي على أن هذا الأمر
تم كرد فعل على النجاح الذي حققه الإسلاميون
في الآونة الأخيرة، ومحاولة للتهوين من هذا
النجاح مثلما فعل الإعلام.
واتفقوا
-أيضا- على أن ذلك محاولة للإيقاع بالإخوان
في اختبار لموقفهم من نشر الرواية وإحراجهم
خاصة بعد المكاسب السياسية التي حققوها في
الفترة الأخيرة، وأن البعض -والرأي للدكتور
قميحة- يعمد إلى إحداث بطولات من باب "خالف
تُعرف" وحتى يعرفه الناس.
 |
|
جابر عصفور
|
أما
جابر عصفور فلا يرى أن هناك أي دلالة
للمطالبة بنشر الرواية الآن، لا سياسية ولا
غيرها، وهو غير مقتنع بمنع هذه الرواية،
ويصف قرار منعها بأنه قرار خاطئ؛ لأنها عمل
فني وليست دينا؛ فالفن فن وينبغي ألا يُقاس
بمقاييس الدين.
ومن
جانبه يؤكد الدكتور عبد الصبور شاهين أن
المطالبة بنشر هذه الرواية الآن هي متاجرة
بالثقافة من العلمانيين الذين يسيطرون على
الإعلام والثقافة.
ولم
يرَ فؤاد قنديل أن هناك أية اعتبارات سياسية
وراء المطالبة بنشر الموضوع الآن، ويبدو أن
"فوبيا السياسة" أصبحت تدفعنا إلى الزج
بها في كل حياتنا، وأرجع إثارة الموضوع في
هذا الوقت إلى وجود حالة من "الفراغ
الثقافي"، أي أن البعض يريد أن يبحث له عن
دور، ويرى أنه يمكن أن يصعد على سلم هذه
الرواية وهذا الكاتب الكبير فيحقق لنفسه
الشهرة والمنفعة، وهذا كثيرًا ما يحدث.
"أولاد
حارتنا" والإبداع
يرى
جابر عصفور أن "الرواية بشكل عام جيدة،
وهي بالطبع ليست أروع ما كتب محفوظ؛ فهي ليست
في مستوى الثلاثية أو الحرافيش والتي
اعتبرها أروع روايات محفوظ من الناحية
الفنية"، والرواية -برأيه- "رواية
محترمة ينبغي أن نُقدر طابعها الرمزي،
وينبغي ألا نحاكمها بضيق أفق. وليس بالضرورة
أن يكون المقصود بشخصيات الرواية هم
الأنبياء، فهذا عمل رمزي، ولكل إنسان رأيه
في تفسيره".
ويؤكد
عبد المنعم تليمة أن الرواية عمل أدبي له
قيمته، ومن يريد أن يحاكم هذا العمل
فليحاكمه من خلال النقد الأدبي وليس الديني.
ويرى
فؤاد قنديل أن الرواية بشكل عام متوسطة،
بصرف النظر عن جائزة نوبل التي حصل عليها
محفوظ عن عدة روايات من بينها هذه الرواية،
ولكن أهمية هذه القصة في الجسارة التي تميز
بها محفوظ في معالجة أحداثها، ومن ثم الجدل
الكثير الذي حدث حولها. لقد حاول محفوظ أن
يقدم لنا رواية رمزية باحثا عن معادل موضوعي
أو شخصي لبعض الأنبياء في محاولة لاستقطاب
أو طرح قضايا علوية على الأرض أمام الناس،
وهو بهذا صادق مع نفسه ومع فنه ومع عصره؛
لأنه يريد أن يشارك في عملية التنوير بأن
يقرّب القضايا المعقدة وذات الصبغة
الفلسفية إلى الجماهير، وهذا أحد أدوار
الكاتب ولا شك.
ويضيف
قنديل: ليس من الضروري أن نقرأ الرواية على
أنها رمز إلى الأنبياء فقد تكون لها قراءات
أخرى، كأن نقول مثلا إنها ترمز إلى مجلس
قيادة الثورة من خلال حديثه عن الأنبياء
المعصومين، وبذلك يكون المقصود بشخصية
الجبلاوي هو جمال عبد الناصر؛ وذلك لأن
محفوظ أديب متجدد، أحسن تجريب كل المدارس
الفنية بدءا من التاريخية إلى الواقعية إلى
الفلسفية إلى الرمزية إلى الحداثية.
أما
خالد فهمي فيعتقد أن نجيب محفوظ وظَّف الأدب
توظيفا أيديولوجيا في هذه الرواية كي ينتصر
للعلم على الدين، وهذا التوظيف مشهور في
المدرسة الماركسية في الأدب.
ويضيف
أن الاعتراض على نشر رواية "أولاد حارتنا"
لا يعود لأن محفوظ أساء فيها إلى التاريخ
النبوي والذات الإلهية فقط، بل إن هناك
اعتراضا فنيا على نشرها لكثير من الأدباء
والنقاد.
ويرى
الدكتور مصطفى الشكعة -عميد كلية الآداب
الأسبق جامعة عين شمس- أن رواية "أولاد
حارتنا" ثبت منذ محاولة نشرها في نهاية
الخمسينيات أنها تخرج عما هو معلوم من الدين
بالضرورة؛ فالرموز التي فيها كانت تتناول
الأنبياء بشكل مكشوف، وتصورهم بصورة سلبية
واضحة.
أما
د. جابر قميحة فيقول: هذه الرواية من وجهة
نظري فيها خروج على كثير من الثوابت
الدينية، منها عدم التوفيق في رسم شخصية
الأنبياء، وإنْ لجأ محفوظ إلى التعبير
بالرمز، وأخطر من ذلك إبداعه لشخصية "الجبلاوي"
التي يُفهم منها أنها الذات الإلهية أو
القوة الغيبية الخارقة المتمثلة في الذات
الإلهية.
والرواية
-بحسب قميحة- ما هي إلا مجموعة من اللوحات
منقطعة الأواصر، والخط الدرامي فيها ضعيف
جدا، بل إنها تكاد تدخل في نطاق المقالات
القصصية، كما أن عنصر التشويق فيها ميت،
والحبكة فيها ضعيفة، وكأنها تنطوي على "سلوك
هروبي" من الكاتب خشية المواجهة.
محفوظ
والتحول الأيديولوجي
رصد
خالد فهمي وجود محاولة من المثقفين
العلمانيين لاستقطاب الرموز الثقافية
الكبرى للجانب العلماني، مثلما فعلوا في
احتفائهم بمحمود شاكر المعروف بإسلاميته؛
وذلك كي يُحسب على الفريق العلماني، ويرى
فهمي أن نجيب محفوظ انتصر في بداياته ولفترة
من حياته للفكر الغربي على الفكر الإسلامي،
كما انتصر للعلم على الدين، وهو ما وضح جليا
من خلال رواية "أولاد حارتنا"، إلا أن
نجيب محفوظ حدث له تحول أيديولوجي في بداية
الثمانينيات من القرن المنصرم، وهو ما يتضح
من خلال روايته "رحلة ابن فطومة" والذي
ظهر منذ عنوانها تأثره الشديد بالتراث
الإسلامي، وفيها استنطق محفوظ الشخوص
الإسلامية وتحركاتها عبر التاريخ، واستند
إلى القيم الإسلامية من خلال شخصيته الرئيسة
"ابن فطومة" الذي كان حريصا على أداء
الصلاة، والمشاركة الإيجابية في المجتمع،
إلا أن هناك تعتيما شديدا من العلمانيين على
ذلك التحول، ولم يدرس هذا التحول إلا بعض
الأدباء الإسلاميين أمثال الدكتور حلمي
القاعود والدكتور إبراهيم عوض.
ويرى
جابر قميحة أن نجيب محفوظ هو قمة شامخة ليس
لها نظير ومدرسة أدبية كبيرة، وأنه انتصر
لعقود من حياته لفكرة الحرية، وظهر ذلك بصفة
خاصة في رواية "الكرنك التي يعتبرها أرقى
ما كتبه محفوظ؛ لأنها تجسيد حي لفترة مظلمة
من حياتنا".
ومحفوظ
الآن يعيش في "مقام صوفي"، حيث الهدوء
وصفاء القلب والحرص على "الترضية الدينية"،
وكأنه يريد ألا يعادي أحدا خاصة التيار
الديني الذي يمثل الوسطية المعتدلة.
ويتفق
عبد الصبور شاهين على أن هناك تحولا
أيديولوجيا نوعيا ما قد حدث لمحفوظ بدليل
اشتراطه موافقة الأزهر لنشر الرواية، وأن
يقدم لها د. أحمد كمال أبو المجد.
لكن
يرفض جابر عصفور وجود مثل هذا التحول، ويؤكد
أن "رحلة ابن فطومة" لا تعني تحولا
لمحفوظ من ضد الدين إلى الدين، وبالمناسبة
فإن الدين كان ركنا في كل أعمال نجيب محفوظ؛
لأن محفوظ باستمرار عنده رؤية شاملة للعالم
يتكامل فيها الدين والعلم.
ويرى
فؤاد قنديل أن محفوظ رغم أنه يظهر غير ما
يبطن، ويحاول أن يظهر بصورة الرجل العلماني،
فإنه من داخله رجل متدين، بمعنى أنه متأمل في
الكون من حوله، وهو أيضا حريص على العلم
والمعرفة، ويدلل على ذلك بالحوار الذي دار
بين اللص وشيخ المسجد في اللص والكلاب،
والذي يدلل أيضا على قدر كبير لديه من
العقلانية.
اقرأ
أيضا: