فاجأت
زيارة الإخوان لنجيب محفوظ المثقفين،
الزيارة التي جاءت لتهنئة الكاتب بعيد
ميلاده، كان مغزاها واضحا تماما؛ فهي أشبه
برسالة اعتذار إلى الكاتب الكبير عن مواقفهم
تجاهه وتجاه المثقفين في الفترة السابقة.
وتحمل
معنى رمزيا يحاول التأكيد على أن الإخوان
يقدرون حرية التعبير والفكر والبحث، يقولون
من خلالها إنهم يتبنون سياسة جديدة تحترم
قواعد الدولة المدنية. وقد أثارت الزيارة
ردود فعل واسعة وتناولها بالتعليق العديد من
الكتاب في صحف مختلفة.
وإذا
كان لنا أن نستقبل ما يقوم به الإخوان الآن
من رسائل تطمينية من قوة سياسية مؤثرة في
الواقع، فلا بد أن نتساءل حول قيمة
التصريحات المنفتحة التي يبديها بعض
العناصر ذات الاتجاه المعتدل داخل جماعة
الإخوان، وإلى أي حد يعبر هؤلاء عن الجماعة
ككل؟
وإذا
افترضنا أن هذه التصريحات أقرتها قيادات
الجماعة بشكل مبدئي لوضعها بعد ذلك كإطار
عام فما الذي يضمن عدم العودة عن هذه
التصريحات وتحكيم المرجعية الدينية إرضاء
لناخبيهم الذين هم القوة المؤثرة بالطبع
والذين لن يجازف الإخوان بفقدان دعمهم.
أسئلة كثيرة فُتح الباب للنقاش حولها (مع عدد من المثقفين المصريين) انطلاقا من الإيمان بفكرة الحوار على اعتبار أنه الطريق الوحيد لتقريب وجهات النظر وتعديل بعضها كلما كان ذلك ممكنا حتى تصبح هذه الأرض وطنا "محتملا" للجميع.
 |
|
أبو الفتوح في حوار دافئ مع محفوظ
|
يتبقى
موقف المثقفين من هذه التصريحات الأخيرة بعد
أن تناولنا بواعث الحذر منها. ويبدو لي:
أولا:
أنه على أنصار حرية التعبير أن يقبلوا مثل
هذه التصريحات من حيث المبدأ، بصرف النظر عن
بواعث الشك الجدي في مرماها، والبناء عليها
والمبادرة بالمطالبة بالحوار حولها تفصيلا
مع جهات مسئولة من الإخوان، وسوف يسمح هذا
الحوار بفرض قيامه بفتح كل الملفات القديمة
أيضا، والانتهاء، إذا صدقت نية الإخوان ككل،
إلى إطار عام لاحترام حرية الفكر والتعبير
في الجامعة والأدب والفن والفكر والصحافة
وغير ذلك من وسائل التعبير. وعموما سوف تبين
مطالب ومناقشات الإخوان في مجلس الشعب في
المرحلة المقبلة ما يعنونه تحديدا بكفالة
حرية التعبير.
ثانيا:
إن تطمينات الإخوان أو الدولة أو غيرهما
ليست هي الضمانة الأساسية لحرية التعبير، أو
للحريات عموما، فالوضع الآن يتطلب بشدة أن
يتكاتف المثقفون (بما فيهم الإعلاميون)
لتكوين منظمة أو منظمات مستقلة تراقب قضايا
حرية التعبير وتشن الحملات في الداخل
والخارج للدفاع عنها. وأن يتشكل أفق عام لمثل
هذه الأنشطة والمنظمات يسمح بالتفاعل مع
أنصار قضايا حرية المرأة والحريات الدينية
وكل ما يتعلق بحقوق المواطنة بالمعنى
الحديث، بما يسمح بتضامن قطاعات أوسع مع
قضايا حرية التعبير في إطار فكرة عامة عن
الحريات.
صدام
المرجعية والأفكار
من
جانبه يرى نبيل عبد الفتاح (الخبير بمركز
الأهرام للدراسات السياسية) أن هناك دوما
بعض التناقضات في الأحاديث والتصريحات التي
تشكل الخطابات المؤثرة داخل جماعة الإخوان،
فهناك بعض الأفكار التي تنطوي على انفتاح
لكنها تتجرد بعد ذلك من أهميتها بعد
طرح مسألة المرجعية الإسلامية على اعتبار
أنها الفيصل. وهو يرى أن استخدام هذا المصطلح
"المرجعية" -وهو كما يوضح- تعبير فرنسي
مستمد من ترسانة الاصطلاحات في مجال علوم
الخطاب، وقام باستيراده وتعريبه عدد من
المثقفين وانتقل إلى رجال الشيعة في لبنان
ومنهم إلى السنة.
إن
استخدام هذا المصطلح وإضفاء صفة إسلامي عليه
دون تحديد المجالات يشكل عودة لفكرة
المصادرة دوما بعد كل تقدم تطرحه الجماعة،
وهذا ما يجعل البعض يقابلون حديث الإخوان
وتحديدهم أن السند المرجعي هو المرجعية
الدينية بقدر كبير من التخوف؛ لأن هناك بذلك
لغة ظاهر وباطن وبالتالي فهناك حاجة لتبديد
هذا الغموض؛ لأن هناك الكثير من القلق على
الحريات وعلى حقوق المواطنة ولعل رد الفعل
القبطي على فوز الإخوان بخمسة مقاعد
البرلمان أبرز دليل على ذلك.. فإذن لا بد على
قادة الجماعة بتجسير تلك الفجوة بينها وبين
النخب، عليها الدخول في حوار حقيقي ورفع
الغموض السياسي أو الفكري الذي تنطوي عليه
أفكارها.
التيار
الإصلاحي الإخواني
وحول
التيار الإصلاحي داخل جماعة الإخوان ومدى
تأثيره يرى نبيل عبد الفتاح أن دوره هامشي،
وأنه ليس إلا عدد محدود من الأشخاص.. رغم أنه
لعب دورًا مؤثرًا في الانتخابات والحملة
الدعائية، يبرز منهم د. عبد المنعم أبو
الفتوح الذي يبني جسورا من الحوار مع
اتجاهات تختلف معه جذريا، يقوم بذلك بمودة
ولطف... لكن وكما يقول عبد الفتاح فإن بعض
العناصر القيادية تعيد طرح مقولات محافظة،
ولعلنا نذكر حديث المرشد بضرورة دفع الأقباط
للجزية وعدم دخولهم الجيش.. رغم أن الجماعة
كانت قد أصدرت بيانا حول مفهومها للمواطنة،
وقالت إنها تشمل الجميع... فهناك تناقضات لا
بد من إيضاحها.
أحمد بهاء الدين شعبان(أحد مؤسسي حركة كفاية): من الواضح أن هذه التحركات مقصود بها مواجهة حملات الترويع التي تمت في الفترة الأخيرة، وقصدت التخويف من البروز السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، والتي استخدمت فيها الدولة ترسانة الإعلام، إضافة بالطبع إلى مشاعر موضوعية لقطاعات من المثقفين والنخبة المسيسة وهي الشريحة الحساسة بطبيعتها من هذا الصعود.
تحرك
الإخوان ذكي وصدر من شخصيات مميزة تتميز
بالحضور والقدرة على الحوار والتواصل مثل د.
عبد المنعم أبو الفتوح، اللقاء بنجيب محفوظ
كان يحمل رسالة إلى المثقفين فيها نوع من
الاعتذار عن مواقف سابقة، مثل تقديم
استجوابات في مجلس الشعب تمس الفكر. وأتصور
أنه لا نستطيع أن نفتش في ضمائر الإخوان أو
غيرهم، لا نستطيع ردهم أو وصف ما يفعلونه
بالمناورة؛ لأنه في كل الحالات المشكلة ليست
في الإخوان وإنما هي في القوى السياسية
والثقافية المبعثرة، فهذه القوى هي التي
عليها أن تصنع الاتزان.
أفراد
أم تيار إخواني؟
سألته:
لكن إلى أي حد ترى أن هذه التحركات ستصبح هي
السياسة العامة للإخوان فيما بعد... عندما
تأتي لحظة صدام ولا بد أنها ستأتي ما الذي
سيحدث ألن يعودوا لشعارهم الأساسي الإسلام
هو الحل؟.
بالطبع
وقتها سيعودون إلي المرجعية الأساسية لهم،
لكن دعني أقول لك إني أراهن علي دور الاتجاه
الإصلاحي داخل الحركة، إن الأكثر انفتاحا
مثل د. أبو الفتوح والعريان يمكنهم أن يشكلوا
مستقبلا جديدا للحركة في ظل اندماجهم
بالحياة السياسية المصرية، وأظن أنه علي
قطاعات المثقفين دعم الأكثر انفتاحا.
هل
تعتقد أن هناك تيارًا إصلاحيًّا داخل الحركة...
لأن المراقبين ينفون هذا ويقولون إنهم أفراد
لا أكثر.
وأنا
لم أقل إنه تيار، هي عناصر فردية بالطبع، غير
أننا نراهن على الزمن والخبرة والتطورات؛
لأن
أي حركة سياسية تعمل تحت الأرض تتشكل لها
تقاليدها، وعندما تخرج للنور ستعيد
النظر في هذه المفاهيم وهذا مرتبط بالجدل مع
ما حولها من قوى لذلك قلت إن المشكلة ليست
في الإخوان، وإنما في بقية التيارات وفي
المثقفين، فإن كنت ضعيفا فأنت تسمح لخصمك
بالتمادي، أما عندما تكون لديك أفكارك
وبرامجك وقتها تكون موازين القوى معتدلة،
يعني أنا ضد "الردح" في التلفزيون وغيره
فهذا يخدم الإخوان، وربما هذا قاله المرشد
العام عندما شكر من هاجموهم؛ لأن الأصوات
تعاطفت معهم... المسألة في النهاية أن
الإخوان زرعوا فجنوا فماذا فعلنا في
المقابل؟.
اقرأ
أيضا:
**
نشر هذا التحقيق بجريدة أخبار الأدب تحت
عنوان "الإخوان والثقافة.. سؤال ينطلق من
نتائج الانتخابات وزيارة محفوظ" في يوم 25
ديسمبر 2005.