 |
|
أبو الفتوح في حوار دافئ مع محفوظ
|
في
الثامنة مساء الثلاثاء الماضي دخل الدكتور
عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد
بجماعة الإخوان المسلمين إلى "فرح بوت"
حيث يلتقي الروائي الكبير نجيب محفوظ
بأصدقائه كل أسبوع.
أبو
الفتوح اصطحب في زيارته الدكتور "هشام
الحمامي" وكيل نقابة الأطباء لتهنئة
محفوظ بعيد ميلاده، واصطحب معه أيضا "قلما"
فاخرا هدية "الإخوان" للروائي الكبير
ليؤكد به: "كم نحن فرحون أن يدك عادت
للكتابة مرة أخرى بعد أن أراد الظلاميون أن
يسكتوا هذه اليد وهذا الصوت".
من
هنا لم يكن اللقاء عاديا؛ فالتوقيت تم
اختياره بدقة: نجاح عدد كبير من الإخوان في
مجلس الشعب، وتخوفات المثقفين من هذا
النجاح، خاصة أن الدورة البرلمانية الماضية
قدم الإخوان فيها عددا من الاستجوابات تخص
الثقافة والفن والإعلام.
فهل
كانت الزيارة "محاولة" من الإخوان
لطمأنة المثقفين عبر اختيار رمز من رموزهم
هو نجيب محفوظ؟.
وهل
تعبر الآراء التي ذكرها الدكتور أبو الفتوح
عن نفسه فقط؟ أم تمتد لتشمل الإخوان كلهم؟
خاصة أن كثيرا من قيادات الإخوان داخل مكتب
الإرشاد ترى أن أبو الفتوح "متطرف" في
آرائه "الانفتاحية" ويختلفون معه في
كثير من هذه الآراء؟.
لكن
سواء أكان الدكتور عبد المنعم يعبر عن نفسه
أو عن جماعة الإخوان كلها.. فالزيارة "جيدة
ولم تكن متوقعة" كما قال نجيب محفوظ. "وتاريخية"
كما أشار الروائي جمال الغيطاني الذي
اعتبرها أيضا فرصة لطرح تساؤلات عديدة تدور
في أذهان المثقفين حول موقف الإخوان من
الثقافة والأدب.
الدكتور
أبو الفتوح حمل رسالة من الإخوان إلى محفوظ:
"تحمل لك الإعزار والتقدير، وتعتبر أن
النجاح النسبي الذي حققوه في الانتخابات
نتيجة لفضل محفوظ على مصر كلها، بنشره
الاستنارة والاعتدال في كتاباته ورواياته".
الحوار
الذي دار بين أبو الفتوح ومجموعة من الأدباء
في حضرة محفوظ حمل إجابات كثيرة لقضايا "تعتبر"
شائكة، منها موقف الإخوان من الثقافة والفن،
وموقفهم من الأقباط.
مصر
التسامح
 |
|
الأديب الغيطاني
|
في
بداية اللقاء أبدى المهندس عماد العبودي
سعادته بخطاب الدكتور أبو الفتوح الذي يعبر
عن إسلام مصر الخاص بها، فأكد أبو الفتوح أن
هناك روحا معينة للإسلام المصري تتمثل في
السماحة والود والحب الذي لا يعرف حدودا.
وأضاف:
عندما ذهبت أيام إعصار تسونامي إلي
إندونيسيا قابلت نائب رئيس جمهورية
إندونيسيا، وبعد أن استقبلني كأمين عام
اتحاد الأطباء العرب، أخبره مدير مكتبه أنني
"مصري"، فقام الرجل واقفا ليحييني
لأنني مصري، وقال لي إن مصر علمت العالم كله
الإسلام السمح المستنير الهين اللين الذي
يفتح صدره للدنيا كلها، ينشر فيها الخير
والحب.
وأضاف
مخاطبا نجيب محفوظ: "هذا حدث بفضل الكتاب
الشرفاء أمثالك، وهم الذين علمونا هذا اللين
والاعتدال".
تحدث
الروائي يوسف القعيد مؤكدا أنه التقى
الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ثلاث مرات في
مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل وهو وجه
مستنير، ولكن هناك فيما يبدو "صقور"
داخل الإخوان، وهناك أشخاص متعصبون لذلك فزع
المثقفون العرب من نتائج الانتخابات
الأخيرة خوفا على الثقافة والأدب.
وأضاف
القعيد أن نجيب محفوظ قال في حوار أخير معه
إن الإخوان يجب عليهم أن يطوروا أنفسهم حتى
يلتقوا مع الواقع.
لماذا
جيل السبعينيات منفتح؟
أوضح
أبو الفتوح أنه أعجب كثيرا بما قاله نجيب
محفوظ عن دمج الإخوان في العملية السياسية
وفي المجتمع لأن هذا كفيل بأن يساعدهم على
التطوير. من أكثر الأشياء التي أثرت على
تطوير حركة الإخوان في السبعينيات أنهم
عزلوا عن المجتمع، وحينما يعزل أي إنسان عن
مناخه الطبيعي وعن بيئته الطبيعية فمن الصعب
أن تطلب منه أن يطور نفسه ويكون أيضا من
الظلم أن تستنكر عليه فكرة متطرفة أو رأيا
غريبا.
فالواقع
هو الذي يطور الإنسان لا العزلة، فالحقيقة
أن من أجمل ما قرأت ما قاله الأستاذ محفوظ
بأن يعطى الإخوان حقهم من العمل العام،
ويخطئوا ويصيبوا ويصطدموا بالواقع، وجيلنا
الذي يسمى جيل السبعينيات حينما فتح لنا
السادات أبواب الدخول إلى الساحة العامة وفي
اتحادات الطلاب، واصطدمنا بالإخوة
الشيوعيين واصطدموا بنا، وكنا في وقت من
الأوقات لا نتصور أن شابا يجلس ليتحاور مع
يساري أو شيوعي، ولكن التجربة أفادتنا،
ورأينا أن الحوار يأتي بنتيجة وسمعناهم وهذا
ما جعل جيل السبعينيات في الإخوان المسلمين
هو الذي يقود الجماعة في اتجاه الاندماج في
المجتمع والتواصل مع الآخرين أيا كانوا، وهو
الذي ليَّن أفكارنا وجعلها أفكارا واقعية.
والإسلام كله دين واقعي.
فالقاعدة
الأصولية هي "أينما تكون المصلحة فثم شرع
الله"، وحال الناس كله قائم على البحث عن
مصلحة البشر فحينما تكون في الموضوع الفلاني
مصلحة البشر إذن هذا الموضوع من شرع الله
سبحانه وتعالى لا أحتاج أحد يقول لي هذه هي
الآية أو الحديث، وإنما أثبت لك أن هذا
الموقف هو لمصلحة الشعب والناس، إذن هو من
الشرع ولا أحتاج إلى دليل يثبته.
وهناك
الآن، رغم ما حققه الإخوان في المجلس تخوفات
هم محقون فيها لأن المفهوم الإسلامي الصحيح
كان ضحية بعض الأطراف المتطرفة أو التجمعات
المتطرفة وهي قليلة ولا تعبر عن التيار
العام، وقد شوهت هذه التيارات صورة الإسلام
وأساءت إليه، وصوتها زاعق لكونها متطرفة، في
ذات الوقت التيار المعتدل معزول وممنوع،
وأنا أتصور أن هذه العزلة ضد مصلحة مصر.
هذه
هي الرسائل
التي وصلت للمثقفين، وأنا مع احترامي
للإخوة في السعودية أنا أسميه الفكر البدوي
الذي يحرم الغناء والموسيقى. الإسلام لم
ينزل ليحرم، القاعدة الأصولية تقول إن الله
خلق الإنسان بريء الذمة، أي ذمته خالية من
التكليف خالية من أن تقول له هذا حرام وهذا
حلال، والشرع جاء بعدد قليل من المحرمات
ليحمل ذمة البشر بها.. نحن عانينا من كثرة
التحريمات.
نجيب
محفوظ علق على ما قاله أبو الفتوح: النبي صلى
الله عليه وسلم أهدى بردته إلى شاعر.
وأضاف
أبو الفتوح: على مدار الدولة الإسلامية كلها
كان الزنادقة يتحدثون ويجلسون في مقاعدهم
ويحاورهم الفقهاء والعلماء ويختلفون معهم
ولم نسمع عن حاكم مسلم سوي قطع رقاب الزنادقة..
فما بال من يريد ألا يجعلوا للفن والإبداع
والسينما وجودا. هذا من الذوق العام، يلينه
ويجمله ويظل الخطأ خطأ والسيئ سيئ سواء أكان
في الفن أو كان في الطب".
قطب..
سيدان
 |
|
الأديب القعيد
|
تساءل
الروائي جمال الغيطاني لماذا لا يصل هذا
الكلام إلى العالم لأن صورتنا في العالم
كمسلمين سيئة جدا؟.
كما
تساءل يوسف القعيد أن مؤشرات موقف الإخوان
من الأدب والفن: كتاب سيد قطب "معالم على
الطرق" به فصل كامل عن الموقف من الأدب
والفن، وثانيا هناك فتاوى جماعة الإخوان
التي كانت تنشر في مجلة الدعوة، وثالثا
سلوكيات أعضائهم في البرلمان وتحركاتهم
والقضايا التي كانت تشغلهم، وكل هذه
المؤشرات لا تتفق مع ما ذكره الدكتور أبو
الفتوح الآن بل تتناقض معه.
أجاب
أبو الفتوح: هناك اثنان "سيد
قطب" الأول قبل (54)، والثاني بعد (54)..
الأول لا يختلف أحد عليه وعلى تقديره، حتى إن
كثيرا من المثقفين لا يعرف أن "في ظلال
القرآن" هو عبارة عن خواطر في القرآن
الكريم وليس تفسيرا للقرآن، لأنه لم يكن
عالما بل أديبا، فكتب خواطر "في ظلال
القرآن" الذي يباع الآن هو الذي كتب بعد
(54).
فقبل
دخوله السجن كان قد كتب خواطر. حول الأجزاء
الأربعة عشر الأولى من القرآن الكريم وأنا
أبحث عما كتبه عن هذه الأجزاء، وقد قرأها
المستشار مأمون الهضيبي الذي قال لي إن ما
كتبه قطب قبل السجن: مختلف عما كتبه "في
ظلال القرآن" قبل 54. فعندما دخل السجن
وتعرض للتعذيب استكمل الكتاب، وأعاد كتابة
الـ (14) جزءا مرة أخرى ولكن في ظل حالة خصومة
مع الدنيا كلها.
وأنا
كطبيب لا يمكن أن أؤاخذ إنسانا في حالة مرضية
على تصرفاته. وأتذكر أنني في (79) كنت أجري
عملية فتح خراج لمريض، فقام بصفعي على وجهي،
لا يمكن أن أغضب أو ألوم هذا المريض على ما
فعل.
التعذيب
الذي تعرض له سيد قطب جعله في حالة مرضية،
وأنا لا أبرر ما كتبه، ولكن التعذيب الذي
تعرض له جعله غاضبا من المجتمع كله، وفي ظل
التعذيب لا يستطع الإنسان أن يمتلك من الرشد
والحكمة ما يجعله يلتمس العذر للشعب. ومع ذلك
ما كتبه قطب في "معالم على الطريق" وما
خطه أحيانا في كتابه "في ظلال القرآن"
يختلف عما كتبه بعد ذلك بعد 54، ويختلف عما
كتبه الإمام البنا، ويتحمله سيد قطب وليس له
علاقة بفكر الجماعة.
هل
الإخوان مستنيرون؟
تساءل
المحامي مجدي سعد هل الأغلبية من الإخوان
لديها هذا الفهم المستنير للدين؟!
أجاب
أبو الفتوح: إن الأجيال الموجودة في
الإخوان، والتي حققت إنجازا يحسب لمصر في
البرلمان أو في النقابات المهنية أو نوادي
هيئة التدريس معظمهم، بل 99% منهم من الأجيال
التي نشأت بعد سنة 1970.
وأضاف
أبو الفتوح: لدى الإخوان مرحلتان:
الأولى:
مرحلة الإمام البنا وهي التي استمرت حتى عام
1954.
أما
المرحلة الثانية: فهي مرحلة ما بعد
السبعينيات، وهي مرحلة جديدة دخلوا فيها
المجتمع واتحادات الطلاب، والنقابات
والبرلمان.
وبالتالي
فالأجيال الجديدة التي نشأت في السبعينيات
كلها تحمل هذا الفكر وهذه الآراء، وإن كان
ذلك لا ينفي أن يكون هناك بعض الأفراد يحملون
بعض الأفكار المتطرفة فنحن شريحة بشرية،
ولسنا "قوالب طوب"، ستجد بعض الأفراد
يمكن أن يكونوا متطرفين ولكن الشريحة العامة
في الإخوان المسلمين تحمل هذا الفكر الذي
لولاها ما حققت النجاح في النقابات
والبرلمانات وعاشت في خصومة مع أبناء وطنها،
وما كانت لتقوم بالأعمال الخدمية المتمثلة
في المستوصفات والمدارس وما تفعله لمجتمعها.
ولكن هذا لا يمنع أن يصدر فرد من الإخوان "فتوى"
معينة، نحن غير مسئولين عنها لأن البعض
يتصور أننا كمسئولين عن الإخوان نقبض عليهم
بيد من حديد وهذا غير صحيح، هناك "التزام"،
بل نعتبر أكبر التجمعات السياسية التزاما
ونسميه بـ"سمع وطاعة" وهو لا يختلف عما
يسميه آخرون "الالتزام الحزبي"، ولكن
يظل أنك تتابع مجموعة من البشر بعضهم يخطئ
والبعض يصيب.
هل
هناك مشروع ثقافي؟
سأل
جمال الغيطاني: هل هناك مشروع ثقافي
للإخوان؟! وما هو موقف الإخوان من المثقفين
والأقباط؟!.
وأضاف
أحمد إسماعيل عددا من الأسئلة عن الاتجاه
العام للإخوان: هل سنأخذ الدولة إلى مأخذ
إيران، أم سنكون مثل تركيا أم سيكون لنا هوية
خاصة؟!
وأوضح
الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح أنه ينزعج من
مثل هذه الأسئلة؛ لأن الإسلام ليس ملكا
للإخوان المسلمين، وليسوا هم المتحدثين
باسم الإسلام. بل إن المثقفين حريصون على
الإسلام مثلهم مثل الإخوان بل ربما أكثر،
بصفة عامة يجب أن نكون عونا للإخوان
المسلمين كتنظيم سياسي ما دام يعلن التزامه
بالإسلام بأن تقول له: هذا هو الإسلام الذي
يجب أن تلتزم به.
الحقيقة
أنا أخاف أن يخطف أحد منا الإسلام حتى ولو
كان الإخوان المسلمين أنفسهم. ونحن أحيانا
نساعد الآخرين أن يخطفوا من الشعب المصري
الإسلام. أنا من الإخوان، ولكن عندما أضع
نفسي في موقف المثقف المصري غير المنضم إلى
الإخوان فسأقول أنا حريص على الإسلام ولن
أسمح للإخوان أو لغيرهم أن يسيئوا للإسلام
أو ينحرفوا به هنا أو هناك.
وهذا
هو الخطر ألا "أنصب" الإخوان باعتبارهم
مدافعين عن الإسلام، بل نحن كمثقفين مهما
كانت اتجاهاتنا لنا دور ولنا مسئولية إلا
إذا أنكر أحدنا -وهذا حقه- إيمانه بالإسلام
وهذا لا تثريب عليه، لا أطلب منه أن يدافع عن
الإسلام.
قال
أحمد إسماعيل: إن المشكلة هي تسيس الدين
الإسلامي.
وتساءل
هشام الحمامي عما يقصده إسماعيل بمفهوم "تسييس
الدين"؟!
أجاب
إسماعيل: "إنه يقصد استغلال الدين في خداع
البسطاء لغرض الوصاية عليهم سواء من قبل
الحكام أو رجال الدين".
وسأل
الغيطاني عن موقف الإخوان من الثقافة
والأقباط؟
وأجاب
أبو الفتوح: لم يكن لدينا أي موقف ضد الإبداع
حتى لو سار في طريق الزندقة والإلحاد؛ لأن
الفكر لا يقاوم إلا بفكر، الإرهاب المادي
والفكري لأفكار الآخرين لا يغير منها شيئا
والإسلام طبعه دين تغيير للخير والصلاح.
فإذا
لم يعجبك رأي الآخر وثقافته فلا وسيلة في
تقديرنا كإخوان إلا أن تغير هذا الذي لا
يعجبك بالحوار والنقاش، ولكن القهر لا يغير
شيئا، بل يحول أصحاب الفكرة إلي تنظيم سري
يكون خطرا على المجتمع، أنا أريد أن يخرج
الجميع إلى النور ليتحاورا ويتناقشوا ومن لا
يعجبني أحاوره، ونحن
ضد صدور قرارات إدارية من أي جهة بما فيها
الأزهر بمصادرة قصص وروايات أو أي إبداع فني،
وعلى من لا يعجبه أي إبداع فني من أي جهة أن
يكتب ضده أو يؤلف ضده أو يعمل فيلما ضده
فيسقطه بالفكرة.
وهذا
هو الرأي المعلن لنا أي من يكتبون قصصا في
الشذوذ الذي لا يقبله المجتمع المصري،
البديل أن تلجأ إلى القضاء، ولا سبيل غير
ذلك، إما الفكر وإما القضاء.
وأضاف
أبو الفتوح: أن الإمام حسن البنا كان إذا أتى
له ضيف كريم من خارج مصر، كان مما يكرمه به
بالذهاب إلى الأوبرا معه وهذا الكلام لا
يقال عن الإمام البنا، لأن المطلوب أن ينتشر
الفكر المتطرف، البدوي الذي يرفضه أي مصري
يفهم الإسلام باعتدال.
وفي
الثلاثينيات والأربعينيات كان للإخوان فرق
موسيقية وتمثيلية تدخل في مسابقات مع بقية
الفرق وتقدم ما عندها وتسمع من الآخر وتسمع
وتقبل، وهذه هي مصر. يجب ألا نؤاخذ الإخوان
على فترة التغييب، حينما غاب الإخوان في
الخمسينيات والستينيات انتصر الفكر البدوي
وساد.
وقد
عشت في أوائل السبعينيات وكانت تأتي كتيبات
بمئات الألوف تحمل أفكارا متطرفة لا تمثل
الإسلام المصري وتوزع مجانا على الشباب،
وتتناول هذه الكتيبات بعض القضايا التي
انتهت مثل "خلق القرآن" وغيرها.. القرآن
وضع قواعد للحوار "وإنا أو إياكم لعلى هدى
أو في ضلال مبين".. الخطاب موجه إلى الكفار
إما أنا "صح" أو "خطأ" وهذه دعوة
صريحة للحوار. والحوار ينجح عندما يشعر
أطرافه بأنهم متساوون. على نفس المستوى من
الحوار.
وأضاف:
أما ما قاله يوسف القعيد بأن ذلك يتناقض مع
مواقفنا العملية. "وليمة لأعشاب البحر"
لم يكن لنا علاقة بها رغم أنني معترض عليها،
والذي أثار القضية ونقلها إلى طلاب الأزهر
الكاتب الراحل عادل حسين في جريدة الشعب،
ولم تقدم عنه أي استجوابات في مجلس الشعب.
الاستجواب
الوحيد قدم في أثناء أزمة الروايات الثلاثة
وقدمه الدكتور جمال حشمت وكان السؤال منصبا
كالتالي: كيف تصرف وزارة الثقافة أموالا على
روايات مختلف عليها؟، لم يطالبهم
بمصادرتها، ولكن للأسف ما نقل بدا وكأن جمال
حشمت يطالب بمصادرة الروايات ولم يكن هذا
صحيحا، وإنما كان يريد أن يقول إن هذه ثقافة
مختلف عليها، قد يراها البعض متطرفة، يمكن
يقبلها شخص ويرفضها آخر فلا يجوز أن تنشر
بأموال دافعي الضرائب، ولكن إذا نشرتها دار
نشر خاصة فليس من حق أحد مصادرتها، وإذا رأى
شخص أن فيها إساءة فعليه أن يرد عليها بعمل
فكري من الثقافة والفن.
المواطنة..
حق
 |
|
محفوظ
|
أما
فيما يتعلق بالأقباط، فعلى مدار تاريخنا كله
لم يؤخذ علينا شيء ضد الأقباط، بل كانوا
معنا، وقد ضم المكتب السياسي للإخوان أيام
حسن البنا اثنين من الأقباط. والآن، يعمل
الدكتور كمال حبيب مستشارا للمرشد، ويأتي
إلينا أسبوعيا، وندير معه حوارا حول العديد
من القضايا. وهذا الخلط حدث نتيجة وجود بعض
الشباب المتطرف في جماعتي الجهاد والجماعة
الإسلامية.
قال
أحمد إسماعيل إن هذه الجماعات خرجت من عباءة
الإخوان المسلمين؟!
أجاب
أبو الفتوح: حتى لو خرجوا من عباءتنا فهذا
شرف لنا، ومعناه أن العباءة تلفظ المتطرفين،
ومع ذلك لم يكونوا في عباءتنا يوما من الأيام.
سأل
جمال الغيطاني: ماذا لو وصل الإخوان إلى
الحكم.. فهل ستعتبرون الأقباط أهل ذمة؟!
أجاب
أبو الفتوح: لقد أعلنا من قبل موقفنا من
الأقباط لكل أفراد الوطن في 1994، قلنا إن أساس
الحقوق والواجبات في الوطن هو المواطنة دون
تفريق بسبب الدين أو العرق أو الجنس،
ويستولي الناس على المواطنة وعندما نقل عن
المرشد السابق مصطفى مشهور في الأهرام ويكلي
كلام عن "الجزية".. كان الصحفي يسأله
باللغة الإنجليزية، ولغة مشهور الإنجليزية
ليست جيدة، فحدث سوء فهم من الصحفي. لكن
الجزية انتهت، ولا يحق الكلام عنها الآن،
بعد أن أصبحت الدولة الوطنية موجودة، ووضعت
أساسا للحقوق والواجبات.
سأل
المحامي مجدي سعد الدكتور أبو الفتوح.. عن
رؤيته لتوجه الدولة نحو الأقباط الآن؟!
أجاب
أبو الفتوح: معاملة الدولة للأقباط منتهى
الخطر على الوطن؟ معاملة الكنيسة على أنها
تنظيم سياسي وأن البابا شنودة هو الرئيس
السياسي للأقباط، فهذا خطر. على البابا
شنودة والكنسية الرسمية أن تظل قيادة روحية
للأقباط حيث لا يسمح الدين المسيحي نفسه
بتجاوز الحد للكنيسة، ويظل رئيس دولة مصر
رئيسا لكل المصريين، وإذا ظلم أي فصيل مصري
سواء كان مسلما أو مسيحيا أو أطباء أو
مهندسين يثبتون تذمرهم عند باب القيادة
السياسية وليس عند باب الكنيسة أو عند باب
المسجد، ولهذا كنت أتمنى أن يتظاهر الإخوة
الأقباط أمام قصر عابدين لا أمام
الكاتدرائية، أن يتظاهروا أمام مجلس الشعب
لا أمام الكنيسة.
أوضح
مجدي سعد أنه يقصد بسؤاله: هل ترى أن الحكومة
تميز بين المسلمين والأقباط؟!
أجاب
أبو الفتوح: النظام القانوني والتشريعي
المصري لا يحدث هذا التميز لكن في أثناء
التطبيق قد يأتي وكيل وزارة أفقه ضيق مسلم
فيتصور جهلا وخطيئة أن حبه للإسلام يمنعه من
أن يعين مسيحيا مديرا لمكتبه، وهذا يحدث
نتيجة جهل، وقد يحدث العكس أيضا فيتصور
مسيحي أنه يتقرب إلى المسيحية بأن "يشيل"
مدير مكتبه المسلم وهكذا.
الأمر
الثاني الذي أرفضه في تصرفات الدولة أن يتم
إقصاء بعض الإخوة الأقباط من بعض المناصب
وبعض المؤسسات السيادية بدون أي سبب، أنا ضد
هذا؛ لأن الدولة بذلك تعمق الطائفية
والإحساس بالظلم وهذا ليس لصالح الوطن، وهذا
اتهام حتمي من الدولة بأن الأقباط ليسوا
مخلصين، وكما أن هناك أيضا أقباطا مثل ذلك،
إذن يجب ألا يكون المقياس حسب الدين وإنما
حسب الإخلاص للوطن.
الدولة
الدينية
كان
الأستاذ نجيب محفوظ يستمع إلى ما يقال، وعلق
قائلا: "كلام جميل إن شاء الله ينفذونه".
فسأله
الغيطاني: هل لديك أي مخاوف؟! أجاب: لا أنت
عارف رأيي.
فقال
يوسف القعيد: لكن محفوظ أكد من قبل أنه ضد
الدولة الدينية.
فقال
عبد المنعم أبو الفتوح: ونحن ضد الدولة
الدينية.. أحيانا كثيرة يحدث ربط بين ما
ننادي به نحن كإخوان مسلمين ويتصور البعض
أننا نريد أن ننشئ حزبا دينيا، نحن ضد الدولة
الدينية وضد الأحزاب الدينية، وإنما نريد أن
يتحول الإخوان المسلمون إلى حزب مدني سياسي
مرجعيته -التي يجب ألا يناقشنا فيها أحد-
وأعني تماما كما يجب ألا يحاسب أحد على كونه
شيوعيا، قد ترفضها، ولكن يجب ألا تقصيني
لكوني شيوعيا أو إسلاميا، أو قوميا، لا يجوز
من باب احترام حريات البشر أن تقصيهم بسبب
فكرهم.
الحزب
الديني ليس مطروحا عندنا، وكذلك الدولة
الدينية التي يحكمها رجال دين، بمعنى أنها
الدولة التي يحكمها رجال دين لا يمكن أن
تراجع رأيهم، نحن نعرض فهمنا البشري
للإسلام، وهذا الفهم قد يرفضه أحد، وقد
يقبله آخرون.
والإسلام
الذي قبل التعددية الفقهية أولى به أن يقبل
التعددية السياسية التي هي أهم في حياة
البشر من التعددية الفقهية، وأتمنى أن يكون
هناك أكثر من حزب له مرجعية إسلامية، وأنا لا
أستطيع أن أجرد الحزب الوطني -مع خلافي معه-
من كونه حزبا ذا مرجعية إسلامية، عندما ترفض
الأغلبية في مجلس الشعب إصدار قانون لأنه ضد
الشريعة ماذا سنقول عن مرجعيته؟.
اتجاهان
في الإخوان
المهندس
عماد العبودي سأل أنه هناك اتجاهان الآن في
جماعة الإخوان، يمثل الدكتور عصام العريان
وعبد المنعم أبو الفتوح اتجاها وخطابا
سياسيا جديدا يجعلهم أكثر التحاما بالشارع..
ولكن ما هو حجم هذا التيار داخل الجماعة؟!
أجاب
أبو الفتوح: أجبت على السؤال من قبل وقلت إن
معظم الأجيال التي ظهرت بعد السبعينيات تحمل
هذا الفكر الجديد ويكفي أن تعرف أنه في أوائل
السبعينيات كان البعض يرى أن دخول مجلس
الشعب مناف للتوحيد وألفوا كتاب "القول
السديد في أن دخول مجلس الشعب مناف للتوحيد"،
التغير يمكن ملاحظته من خلال هذا العدد الذي
ساند الإخوان في مجلس الشعب.
وأضاف
أبو الفتوح: الإخوان أصبحوا الآن يمثلون
الفكرة الإسلامية الوسطية المعتدلة التي
تعتمد العمل السلمي لتحقيق أهدافها في
التغيير.
وهذه
الفكرة أصبحت منتشرة في العالم كله، لأنها
زاحمت الفكرة المتطرقة والعنيفة التي
تستخدم الدم والقتل من أجل الدفاع عن
الإسلام بغض النظر عن نواياهم وهذا
لمصلحتنا، وأنا دائما أقول إن أخطر شيء
لمقاومة التيار المعتدل أنك تنشئ مناخا
للدمويين ولجماعات الظلام والقتلة، ولهذا
إغلاق منافذ التغيير السلمي أمام الناس هو
المناخ الطبيعي لتفريغ جماعات العنف
والقتل؛ لأنك تغلق أمام الناس منافذ التغيير
ولا يوجد أمامه سوى هذه الوسيلة، وحتى الآن
ما زلنا نعاني من تجربة الجزائر، عندما نقول
للشباب: "نريد أن نغير بالبرلمان يقولون
لنا شوفوا عملوا إيه في الجزائر".
التحدي
الحقيقي
سأل
الروائي يوسف القعيد أن هناك جريدتين
تنتميان إلى جماعة الإخوان هما "آفاق
عربية" و"الأسرة العربية" وصفحات
الفن والثقافة منهما ليس لهما علاقة بالفن
والأدب، وأضاف القعيد أن أبو الفتوح نفسه
سيتهم بالكفر والزندقة إذا قال ما قال في
هاتين الجريدتين.
قال
أبو الفتوح: أنا ضد ما يكتبه جابر قميحة من
شعر وكتاباته ليس لها علاقة بالفن أو
الثقافة، ولكن وصلت هذه الصفحات إلى ما هي
عليه بسبب عزوف بعض المثقفين عن الكتابة
والنشر في هذه الجرائد.
سألته:
هل توافق على نشر رواية أولاد حارتنا؟!
قال
أبو الفتوح: بالتأكيد يجب أن ننشر، بل أرفض
موقف الأستاذ نجيب محفوظ الذي يصر على
موافقة الأزهر قبل النشر، أنا أرى أنه ليس
هناك داع للحصول على هذه الموافقة بل يجب أن
ننتقدها.
وأوضح
أبو الفتوح أنه قرأ أولاد حارتنا منذ فترة
طويلة، وأضاف: "التحدي الحقيقي لنا جميعا
هو الفقر وليس الإبداع".
وقبل
أن يطلب الدكتور أبو الفتوح الاستئذان
بالانصراف أكد أنه من الخطر أن يتم اتخاذ
الطائفية كذريعة للتدخل الأجنبي الأمريكي
في مصر، وأن قلة من أقباط المهجر يحاولون
ذلك، ولكنهم حالات فردية متطرفة لا تغير.
وبعد
انصرافه قال نجيب محفوظ: الكلام جميل جدا،
والزيارة تحية طيبة لم تكن متوقعة، ولكن ما
أخشاه أن يكون ما قيل رأيا فرديا ولا يعبر عن
رأي الإخوان.
اقرأ
أيضا:
**
نشر التقرير في صحيفة "أخبار الأدب" بتاريخ 18/12/2005.
|