 |
|
غلاف
مجلة ضاد
|
أقام
اتحاد الكتاب في مصر احتفالية كبيرة بمناسبة
بلوغه العقد الثالث حضرها عدد من المثقفين،
ولم يكتف الاتحاد بتلك الاحتفالية، وإنما
أصر أن يكون العقد الثالث بداية لإصدار
ثقافي متميز هو مجلة "ضاد" التي صدر
العدد الأول منها في نوفمبر 2005؛ لتكون دورية
ثقافة تطل على القراء من خلال منظور
ومعالجات متميزة في المجالين الثقافي
والأدبي، ولتكون لسان حال المثقفين والكتاب
في مصر على اعتبار أن الاتحاد هو واجهتهم
والمعبر عنهم ولسانهم وصوتهم.
ويرجع
السبب في اختيار "ضاد" لتكون اسما
للمجلة إلا أن هذا الحرف يعد رمزا للغة
العربية. ويؤكد "محمد سلماوي" رئيس
تحرير المجلة أن التصور العام للمجلة يهدف
إلى أن يكون إصدار الاتحاد لـ"ضاد" ليس
رصَّ مجموعة من المقالات والأعمال
الإبداعية فقط، وإنما من الضروري أن يكون
هناك تنوع في أبوابها، وأن تتفاعل المجلة مع
الشأن العام من خلال الحوارات التي تقيمها
مع كبار الكتاب والمفكرين حول موضوعات
بعينها، إضافة إلى متابعة الشأن الأدبي
والثقافي محليا وعالميا ليس من خلال الرصد
فقط، وإنما بالغوص في هذه الفاعليات ومحاولة
وضعها في سياقها وتحليلها، إضافة إلى تقييم
وترجمة بعض الأعمال الإبداعية المهمة.
وتقع
"ضاد" في 216 صفحة من القطع الكبير، وتجمع
بين الشعر والقصة والسينما والفن والمسرح
والندوات، والشخصيات الأدبية... إلخ، ومن ثم
فـ"ضاد" تمثل وجبة ثقافية وأدبية
متميزة قد تختلف معها في بعض أفكارها أو ما
تطرحه، لكن المهنية الصحفية والأدبية واضحة
في تلك المجلة التي رأت النور بعدما بلغ
اتحاد الكتاب عقده الثالث.
الأدب..
للحياة
قدمت
المجلة مقالات متنوعة منها المقال الذي كتبه
الأديب "يوسف القعيد" عن الأديب "نجيب
محفوظ" بمناسبة بلوغه العام الـ95، وأشار
فيه إلى أن الشرعية التي استمدها نجيب محفوظ
في الوجدان لم تكن وليدة منصبه أو وظيفته
الأدبية، وإنما كانت من نتاج كتاباته
وأعماله، وأنه تعلم من محفوظ كلمتين مهمتين:
الأولى "أنه عندما يكتب لا يعبأ بأي شيء"،
والأخرى "أن المتلفت لا يصل".
أما
الدكتور هشام مراد فاقترب من شخصية وأدب
الفيلسوف الفرنسي "إيريك إيمانويل شيمت"،
مؤكدا أن أبرز إسهاماته هي قدرته على سبر
أغوار القضايا الكبرى بشكل ولغة مبسطة
وقريبة من المواطن العادي؛ ولذا لم يكن
غريبا أن يُطلق عليه "الفيلسوف الشعبي"،
ومن ثم فنجاح إيريك يرجع إلى اقترابه من لغة
الناس وليس للمثقفين فقط.
وتناول
مقال آخر حياة وتكوين الأديب السوري "حنا
مينا" الأدبي والشخصي تحت عنوان "حنا
مينا أبو القصة السورية" عرض نقدًا لبعض
أعماله؛ حيث يقول "مينا" عن نفسه: "إنه
خريج جامعة الفقر الأسود"، لكنه استطاع أن
يحيل هذا الفقر إلى نوافذ من النور، وأدى
عشقه الشديد للبحر إلى أن يأخذ بعضا من صفاته
في الغضب والثورة والتمرد.
وتناول
العدد أيضا الشاعر الفلسطيني "سميح
القاسم" البالغ من العمر 66 عاما من حيث
نشأته الأدبية وحياته التي أثر فيها رؤيته
للمحتلين وهم يدوسون الحقوق بظلمهم،
ويحطمون العدل بأطماعهم، فسميح هو شاعر
مقاوم يعرف دوره ويعيش قضيته، ونشرت "ضاد"
نص قصيدته الأخيرة "هيرما فروديتوس".
وتناولت
"ضاد" عددا من المقالات عن الأديب
الإنجليزي "هارولد بنتر" الذي حصل على
جائزة نوبل، والذي كتب عددًا من المسرحيات
عبرت عن القدرة على التعبير عن الواقع
وقضايا المجتمع والرغبة في ذات الوقت في
التغيير، وهو ما أعطى كتاباته الجاذبية
والعمق، ومثل علاقة فريدة بين المبدع
والحياة اليومية، ومهمة أن يكون الإبداع
موجها للحياة وليس موجها إلى نخبة قليلة من
المثقفين، كما عرضت المجلة نصًّا مسرحيًّا
له ينشر لأول مرة باللغة العربية بعنوان "سكون".
الثقافة
في الفكر السياسي
تعد
الندوة التي عرضتها المجلة تحت عنوان "الثقافة
في الفكر السياسي المصري الآن"، والتي
تحدث فيها عدد من المثقفين والأدباء
والمفكرين المصريين حول موقع الثقافة على
خريطة الفكر السياسي في مصر على ضوء
الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وامتدت
مساحتها على 20 صفحة كاملة من الموضوعات
المهمة التي نشرتها المجلة.
وتناولت
"ضاد" عددا كبيرا من القصائد الشعرية
والقصص القصيرة، من بينها أجزاء من قصة "حب
في منطقة الظل" للمفكر الفلسطيني "عزمي
بشارة".
أما
الرؤى النقدية فكانت قراءة لكتابين للأديب
"جمال الغيطاني" هما: "سفر البنيان"
و"متون الأهرام"، وهما يعبران عن
محاولة لقراءة التاريخ من منظور الحاضر،
ومحاولة اكتشاف عمارة المكان والزمان.
أما
القراءة الثانية فقام بها الشاعر "محمد
إبراهيم أبو سنة" لديوان الدكتور محمد
حماسة "سنابل العمر" الذي جمع بين عدد
من الحكايات والملامح الحياتية له.
وتناول
"سامي خشبة" موضوع الحداثة وتحولاتها
ونقدها، وتحولات ما بعد الحداثة؛ حيث أكد أن
تيار ما بعد الحداثة بدا بالفعل في العالم،
ولا يمكن تجاهل تجلياته أو الاكتفاء بهجائه
فقط.
وتناولت
"ضاد" أيضا تقييما للنشاط المسرحي
والسينمائي في مصر عام 2005، والمعارض الفنية،
وحركة الفن التشكيلي، إضافة إلى نظرات على
المشهد الأدبي الإنجليزي والأمريكي
والفرنسي.
وعمومًا،
فالمجلة أمام تحدٍّ كبير يشمل عدة مستويات،
في مقدمتها الاستمرار؛ حيث إن الكثير من
تجارب المجلات الأدبية والثقافية التي صدرت
في مصر والعالم العربي تؤكد أنها لم تستطع أن
تصمد أمام الزمن، وكان دخولها متحف التاريخ
أشبه بالحتمية التاريخية والصيرورة
الثقافية، الأمر الآخر هو أن تستمر "ضاد"
على نفس المستوى من الزخم الثقافي والأدبي
الذي احتواه العدد الأول حتى تستطيع أن
تكوّن جمهورًا يرتبط بها ويتحين ظهورها، وهو
ما يتطلب منها أن تبتعد عن الخطاب
الأيديولوجي الزاعق الذي اتخذته بعض
الجرائد والمجلات التي تصدر عن مؤسسات
ثقافية مصرية؛ وذلك حتى تكون منبرا للجميع،
يجد الجميع فيها ما ينشدون دون حساسيات،
فمما لا شك فيه أن الخطاب الأيديولوجي
العنيف الذي تبنته بعض الجرائد والمجلات
أقام جدارا حاجزا، لا يختلف كثيرا عن الجدار
الإسرائيلي، بين المثقفين وبين بعض الأفكار.
وأخيرًا:
فإن الأدب مطالب بأن يقترب من الحياة،
والأدباء مطالبون بأن يكتبوا للناس ويعبروا
عنهم، قبل أن يكتبوا لأنفسهم أو يسوقوا
خطابهم الأيديولوجي الذي وضع الناس أصابعهم
في آذانهم منه حتى لا يستمعوا إليه؛ لأن
الأدب مرآة الحياة ومساحة الأمل التي يستظل
بها المحبطون والحالمون والمناضلون.
**
محرر صفحة "ثقافة وفن".