 |
|
حلية
كانديمير
|
يلحظ
المراقب في الأشهر القليلة الماضية ظهور عدد
من الكتب في سوق الكتاب الأوربي تشكو فيها
نساء مسلمات الإسلام بمرارة، وتتحدثن فيه عن
العنف والإكراه، ومن هذه الكتب على سبيل
المثال لا الحصر: "أنا أشكو"، و"العروس
الغريبة"، و"لم أرد إلا الحرية"،
وتحمل هذه الكتب صورة سلبية عن الإسلام
وأهله، ولعل هذا ما جعلها تتصدر رأس قائمة
الكتب المباعة لمدة طويلة.
لكن
التحول المضاد جاء بفعل كتاب السيرة الذاتية
الخاص بـ"حلية كانديمير"، وبشهادة ظهرت
في مقالة نشرتها صحيفة (تاجس آنتسايجر-
Tagesanzeiger) السويسرية بقلم الصحفية (كريستينا
رايس– Kristina Reiss) وقالت فيها: أما الآن فتكتب
شابة مسلمة ولا تشكو، كما أنها لا تخرج على
التقاليد، بل على النقيض من ذلك، تتحوَّل
بنفسها إلى جذورها، إلى الإيمان الذي لم
تتعرَّف عليه في نطاق أسرتها.
وكتاب
المغنية (حلية كانديمير- Hülya Kandemir- 30 عامًا)
الألمانية من أصل تركي صدر في أكتوبر 2005 تحت
عنوان: "ابنة السماء.. طريقي من نجمة بوب
إلى الله" Himmelstochter; Mein Weg vom Popstar zu Allah"
ينقض الكثير من المقولات الشائعة حول
العلاقة بين الإسلام والمرأة، ويروي قصة
مغايرة عن السائد في أوربا، وهذا ما ضاعف
الحديث عنها والاحتفاء بها أحيانًا.
بين
اعتزال.. واقتراب
حلية
مطربة "البوب" اعتزلت صخب الحياة
الفنية، ولم تعتزل الحياة نفسها، فبعد أن
كانت تحت أضواء المسارح وعدسات التصوير
وأبصار المشاهدين أصبحت تعمل لجلب الأضواء
وتسليطها على حقيقة الإسلام، في مرحلة من
أصعب مراحل وجود الإسلام والمسلمين في الغرب.
كانت
الذروة الأولى لجهودها متمثلة بكتابها "ابنة
السماء"، وفيه تتحدَّث عن تجربتها وسيرة
حياتها، مركِّزة على السنوات التي صعدت
خلالها بصعوبة ونتيجة الجهد المتواصل
سُلَّم الشهرة الفنية منذ بلغت 16 عامًا من
عمرها، حتى وقفت على أبواب تحقيق أبعد
طموحاتها، واتخاذها قرارها الحاسم باعتزال
الفن وقد ناهزت الثامنة والعشرين، منتقلة
للعمل للإسلام.
وكان
من ضمن أول ما بادرت إليه بعد تحولها هو
تنظيمها لمسيرة كبيرة للمسلمين لمعارضة
الإرهاب والعنف، وهي التي تؤكد دومًا على
أنه ما يزال أمامها عدد من المشاريع لمحطات
أخرى على طريق أداء دور متميِّز للتعريف
بالإسلام بعد أن أصبح الله -عز وجل- هو محور
حياتها.
وعند
الحديث عن الكتاب وصاحبته تتضاءل الكتابة
الإعلامية المحضة أمامه، فمنذ البداية
تستحوذ كلماته على قارئه، ليستشعر أنها
كلمات صادرة عن قلب يخفق بمحبة الله، وعقل
واع مستنير، يدرك ما يكتب القلم وما يحيط به
وبصاحبته من ظروف؛ لتتحول التجربة الشخصية
إلى قضية نموذجية.
مذكرات
شخصية
 |
|
غلاف
الكتاب |
الكتاب
لا يسهل تصنيفه في باب من الأبواب، فهو
مذكرات شخصية حافلة بحديث النفس بقصد
العطاء، وهو رواية ممتعة تستحوذ على مشاعر
قارئها، وتستثير أفكاره، وهو دعوة فاعلة إلى
دين السلام والأخلاق والتعايش والمحبة
والمنطق، دون أن تتخذ الدعوة صيغة مقالة أو
خطبة.
تنساب
الكتابة انسيابًا عبر السطور ملامِسَة
الوجدان، وتتحسَّس مواقع عديدة وصورا حيَّة
من واقع الحياة وما يعايشه جيل الشبيبة على
وجه الخصوص، ما بين آمال وآلام، وطموحات
وخيبات أمل، ونجاح وإخفاق، وما تصنعه الصحبة
مع آخرين، والعزلة الموحشة أيضًا، وما تفعله
نوازع الانحراف والتطلع إلى السكينة
الداخلية.
وبين
سطور المذكرات الشخصية وحديث النفس لا ينقطع
في كتاب "ابنة السماء" الذي يتجاوز 280
صفحة التنويه بما يعانيه المسلم الملتزم
بدينه من مشكلات نتيجة انتشار سوء فهم
لإسلامه؛ حيث تتلاقى الصور النمطية السلبية
عنه، مع ما تتناقله وسائل الإعلام دون تحقيق
أو تمحيص، أو التحامل المقصود، أو ما تساهم
فيه ممارسات أفراد من المسلمين تتناقض مع
الإسلام وروحه في تشويه صورة الإسلام.
صوت
العاطفة والعقل
يزيد
من قيمة الكتاب أن جميع ما عرض فيه يمتطي
جناح كلمات ناطقة بالعاطفة الجياشة صدقًا،
الصادرة عن محبة عميقة لله في شريط لم ينقطع
منذ الطفولة وما غاب إلا في فترة مراهقتها
وحياتها الفنية، إلى أن أوصلها إلى قرارها
الحاسم، وقد أيقنت استحالة الجمع بين
إيمانها مع تطبيق دينها وبين ما تفرضه
الظروف المهيمنة في عالمها الفني.
على
أن هذه العاطفة الجيَّاشة لا تغيِّب إطلاقًا
صوت العقل ومنطق الحكمة رغم حداثة سن
المؤلفة، فتتحول معه إلى مزيج بالغ التأثير
في النفس والفكر معًا، لا سيما وهي تسرد
وقائع حياتها الشخصية فتصف تقلبها من حال
إلى حال، غير مترددة عن ذكر انزلاقها إلى
تعاطي المسكرات والمخدرات وإن لم تصل درجة
الإدمان، أو إلى التردد على دور اللهو
والمراقص الليلية.
يأتي
ذلك عبر إشارات ذات مغزى عميق، يدركه ولا ريب
من لا يزال يعيش متأثرًا بتلك المنزلقات من
الشبيبة.
ويتجلى
المزيج بين لسان الوجدان ولغة المنطق بصورة
متتالية على امتداد صفحات الكتاب، كلما عرجت
صاحبته لتشير إلى فهم ملتبس لجانب من جوانب
الإسلام أو جزئية من جزئياته، مع الاستشهاد
المناسب بالآيات والأحاديث وبعض وقائع
السيرة النبوية.
فتتحدث
تارة عن الصلاة ومغزاها، ومواطن التباين
بينها وبين ما يعرفه أصحاب الديانات الأخرى،
وتارة أخرى عن المرأة في الإسلام وتكريمها،
والعلاقات الجنسية وموضعها، وعن حجم
الأخطاء في تصوير حجابها قيدًا، والخلط في
ذلك بين صور شاذة معاصرة في حياة المسلمين
وما يطلبه الإسلام وتستشعره المرأة
الملتزمة.
وتتحدث
تارة ثالثة عن حياة المسلم أو المسلمة على
سماحة الإسلام في علاقاته بالآخر فكرًا أو
ديانة أو قومية، وأثر ذلك على العلاقات
البشرية لا سيما في المجتمع
الواحد، وتارة رابعة عن حرية الفرد وإرادته
ومسئوليته الذاتية وموقع الأسرة في بناء
المجتمع.
وهكذا
في ميادين عديدة، تتحول المذكرات الشخصية
معها إلى كتاب لتصحيح المفاهيم الخاطئة
والمتحاملة التعميمية عن الإسلام في الغرب،
وبين أهله في كثير من الأحيان، بأسلوب
المناجاة والحوار معًا.
الحرية
كما أريد
كانت
بداية "حلية" هي تفجر موهبتها
الموسيقية والغنائية منذ صغرها، وفي إطار
فرقة الغناء في مدرستها استطاعت تطوير
نفسها، وبدأت قبل أن تبلغ 16 عامًا من عمرها
تعزف على قيثارتها ألحانًا تكتبها وتغني
بكلمات تؤلفها؛ لتظهر في بعض الأندية
والملاهي الليلية؛ ليتبدل أسلوب معيشتها
وفق ذلك، فعبر حلقات الأصدقاء والوسط الفني
زاولت التدخين الذي تكرهه، وتعاطت المسكرات
وجربت المخدرات لتنقلب حياتها رأسًا على عقب.
على
أن وصفها الدقيق لمراحل بداياتها مع عالم
الفن كان يكشف باستمرار عن نزاع داخلي في
نفسها؛ فهي لا تفتأ تعمل على دفع التفكير عن
نفسها بما تفعل، وتميل أحيانًا إلى فلسفته
لإقناع نفسها بأن من حقها أن تعيش وفق "إسلام"
تصنعه وتتخيله مناسبًا لها.
وتزوجت
"حلية" بصديق اعتنق الإسلام من وسطها
الفني، ولكنها سرعان ما أدركت أنه إسلام
ظاهري لم تحمل صاحبَه (زوجها) المسئولية عن
ذلك ما دامت هي لا تطبِّق إسلامها لينفصلا
بعد سنوات ست.
تلك
الحالة ضاعفت ما بدأ يراودها من إحساس أنها
لا تعيش "حرة" كما تريد، بل تعيش وفق ما
يريد الآخرون لها، وكان ذلك متزامنًا مع أوج
شهرتها وفي ذروة نجاحها الفني، ومع ذلك تقول:
إن كلمات أغانيها الحافلة بمشاعر المحبة
كانت موجهة إلى الله فقط، معبِّرة عن
انزعاجها من أن جمهورها لم يكن يدرك ذلك.
في
ضوء ذلك بدأ ينتابها الاكتئاب لعجزها عن
الوصول برسالتها إلى جمهورها، وفي تلك
الفترة لجأت إلى الصلاة، فواظبت عليها،
فكانت تؤدِّيها في الغرفة الضيقة لتبديل
الملابس، وتخرج بعد ذلك إلى المسرح لتغني.
وفي
ليلة من تلك الليالي خرجت بعد حفل حاشد إلى
بيتها، فأدت صلاتها وسط دموع التعب،
واستيقظت فجرًا فأدت الصلاة أيضًا وسط دموع
الراحة والاطمئنان، حتى إذا طلع النهار وضعت
الحجاب على رأسها بهدوء، وخرجت من المنزل
متوجهة إلى دائرة الاستعلامات للاستفسار عن
فرصة عمل أخرى.
نقلة
التوبة واعتزال الصخب الفني لم يكن سهلا
عليها، سواء في نطاق أسرتها وأصدقائها، أو
في نطاق الوسط الفني الذي زادت عروضه
المغرية عليها. لكن قرارها كان حاسمًا
وواضحًا، وكانت السكينة التي وجدتها فيه،
والحرية الشخصية التي استشعرتها من خلاله
عناصر بالغة الأثير في قدرتها على تجاوز
العقبات.
لتبدأ
في رحلة البحث عما يمكن أن تصنعه للإسلام في
ألمانيا، عاملة على إنشاء صلات بالأوساط
الإسلامية في "دار الإسلام للناطقين
بالألمانية"، و"مركز ميونيخ"، و"رابطة
الشبيبة الإسلامية".
نظرة
عن خلفيتها
وتعتبر
"حلية" الفتاة الخامسة من عشر بنات
وأبناء لأسرتها التركية المهاجرة في مطلع
السبعينيات إلى ألمانيا بقصد العمل. وتُعَدّ
الأسرة نموذجًا للنسبة الكبرى من أسر
المسلمين الأتراك في أوربا عمومًا، فلديها
بقايا مجتزأة من الدين مختلطة بالتقاليد،
وبكثير مما نُقل عن المجتمع
الغربي إلى تركيا.
والجدير
بالذكر أن مَن انتقل من تلك الأسر إلى
ألمانيا لم ينعزل عن مجتمعها بسبب إسلامه
وتقاليده فقط؛ بل نتيجة العجز عن الاندماج،
فبقي على الدوام تحت تأثير صراع خفي حينًا
وظاهر حينًا آخر، بين دينين وثقافتين ونمطين
للمعيشة.
ففي
تلك الأسر نشأ الجيل الثاني من المسلمين
الذي تنتسب "حلية" إليه، فكان من شبابه
وفتياته من أصبح في ظاهر حياته جزءًا من
الغرب، أو من عاد إلى جذوره المغيَّبة
فاختلط عنده الانتماء القومي بالديني،
ومفعول العادات والتقاليد بآثار المجتمع
الجديد، ومنهم من وصل لمستوى يلفت الأنظار
من القدرة الذاتية على استيعاب الإسلام
بشموله وتوازنه واعتداله.
ليس
سهلاً الانتقال من عالم إلى عالم على هذا
النحو، ولكنه ممكن ومثمر، وهذا ما تعطي "حلية"
نموذجًا حيًّا عليه، فكتابها سيرة ذاتية
يكشف مراحل نقلتها ومتطلباتها.
اقرأ
أيضا:
**
كاتب إسلامي مقيم بألمانيا.
|