 |
|
صورة متخيلة لصلاح الدين الأيوبي
|
هناك
أسئلة تطرح نفسها بقوة في أيامنا ومنها:
لماذا الهجوم على الرموز الإسلامية
الكبيرة، مثل صلاح الدين الأيوبي، بين
الفترة والأخرى؟ ولماذا يأتي الهجوم من
أقلام تنتمي إلى ثقافتنا وحضارتنا؟ وهل من
المفيد هدم تلك الرموز تحت دعاوى أنها
ارتكبت أخطاء في مسيرتها، أم أنه من الضروري
النظر إليها من المنظور البشري؟ طالما أن
البشر غير معصومين، ومن ثم قد ترتكب الرموز
أخطاء، لكنها تغفر في بحور إيجابياتها؟
بداية
نسلم أن "معرفة الرجال تكون بالحق ولا
يعرف الحق بالرجال"، وكما يقول فقهاؤنا:
"والنقص مستول على جملة البشر"، "ولا
عصمة إلا لنبي، وكل يؤخذ من كلامه ويرد، إلا
المعصوم صلى الله عليه وسلم".
النسبية
تطول كل شيء..
كل
هذه مسلمات مستقرة في فكر جمهور الأمة،
فالخط العام للفكر الإسلامي لا يؤمن بفكرة
"التابو" أو المقدس لذاته لا لصفاته،
كما هي عند كثير من الأمم والجماعات الأخرى،
وفي مقابل ذلك فإن للأمة الإسلامية ثوابتها
ورموزها، التي استقر ما يشبه الإجماع في
الذاكرة التاريخية والثقافية الإسلامية،
على قيمتها ومنزلتها العالية التي اكتسبتها
بأعمالها وجهودها وتضحياتها.
إلا
أن قيمة هذه الثوابت والرموز تعرضت -في
الفترة الأخيرة التي سادتها روح الانسيابية
والنسبية في التفكير والنظر للأمور تحت
تأثير أجواء العولمة وضغطها على الهويات
الأممية الخاصة- للأخذ والرد والنقاش حول
قيمتها وجدواها، كما أشار لهذا الأستاذ فهمي
هويدي في أحد مقالاته، وهذا النقاش المشوه
للرموز، لا ينطلق –ابتداء- من التسليم بقيمة
هذه الثوابت، في الغالب، وإنما يجردها من كل
ما تعلق بها من تقدير شخصي، وكأنها سلعة تعرض
في سوق تحكمها قيم الرأسمالية والاقتصاد
الحر.
وهذا
بحد ذاته وضع الرموز تحت رحمة العرض والطلب،
والغريب أن الأمم الأخرى ما تزال تحرص على
قيمها الخاصة، وثوابتها، ورموزها، مهما كان
تهافتها أحيانا.
ونذكر
أنه حين كانت "مارجريت تاتشر" تتولى
رئاسة الحكومة البريطانية أنتجت السينما
الغربية فيلما عن حياة السيد المسيح عليه
السلام أثار مضمونه ثائرة الجماعات
المحافظة في الغرب، وانتهى الأمر بمنع
الحكومة البريطانية بث هذا الفيلم، وذلك في
قلب العالم الحر رافع لواء العلمانية
والعقلانية، وشعار "لا مقدس إلا العقل وما
يعقل"، بحجة أنه يتعرض للثوابت
الاقتصادية والمجتمعية والدينية.
 |
|
الدخان الأبيض يعلن انتخاب البابا الجديد للفاتيكان |
وقد
تابع العالم -باهتمام شديد- عملية اختيار
البابا الجديد للفاتيكان خلفا للراحل "يوحنا
بولس" في طقوس شديدة الخصوصية كانعقاد
المجلس الكنسي لمدة قاربت شهرًا في جلسات
مغلقة شديدة السرية، انتظارًا لصعود الدخان
الأبيض من المدخنة إيذانا باختيار البابا
الجديد.
ولم
يعلق أحد، في الغالب، على ما حدث، ولم يصفه
بأنه ممارسات كهنوتية أسطورية، اتسمت بظلال
واضحة من الخرافة، وفي ظني لو حدث ذلك في
عملية
اختيار شيخ الأزهر –مثلا- لطالت الألسنة
الحداد -في الداخل والخارج- المسلمين ووصفت
تلك الفعلة بكل نقيصة، ولوَصَفت الأقلام في
الصحف بالمانشيتات العريضة ما حدث بأنه
تخريف وشعوذة.
ولكن
لم يعلق أحد على ما تم في الفاتيكان بل
اعتبروه خصوصية رمزية، كما أثنى الجميع على
ما حدث ووصفوه بالدقة والانضباط.
حتى
الأمم ذات العادات والتقاليد الوثنية تحرص
أشد الحرص على خصوصياتها، ومقومات هويتها،
فقد ثارت ثائرة الهندوس عندما علقت بعض
الأقلام على حرق جثمان رئيسة وزراء الهند
"أنديرا غاندي" في حضور جمهرة من زعماء
العالم ونخبة من مفكريه، واصفة ما حدث بأنه
مجانبة للعقلانية، بل إن تيارات معينة داخل
مجتمعاتنا تحرص على رموزها الخاصة، وتعتقد
في عصمة بعض الأشخاص والأئمة دون سند من نقل
أو عقل، وتنظر لهذه الشخصيات نظرة مقدسة،
وتضفي عليهم قداسة.
ونحن
في هذا الصدد لسنا ضد نقد شخصية أو فئة،
لكننا حتما ضد ما يثار من كلام يفترض أنه
موضوعي وعلمي عن رموز تاريخية هو في الحقيقة
رؤية غير منصفة يشوبها الانحياز برمته.
بين
النقد والسب
انطلاقا
من هذا كله لم يكن مستغربًا أن يفاجأ البعض
بموجات الهجوم المتكررة على بعض الرموز
الإسلامية، ومن بينها "صلاح الدين
الأيوبي" في هذه الفترة بالذات التي تحتاج
فيها الأمة الإسلامية إلى شخصية بطل تعتصم
برمزيته في هذا الخضم من الأحداث المؤلمة
التي تمر بها الأمة.
ومع
ذلك فإن النظرة الموضوعية إلى "صلاح الدين
الأيوبي" هي أنه بشر، يجري على أفعاله
الصواب والخطأ، ويعرف بالحق ولا يعرف الحق
به، ولكن ليس له عصمة أو قداسة، أو رفعة فوق
مستوى البشر العاديين، وإنما المكانة التي
حققها بين جمهور الأمة الإسلامية ترجع إلى
سلامة اعتقاده، وصواب تفكيره، إضافة إلى
عمله بإرادة قوية وعزيمة صادقة في سبيل
تحرير مقدسات الأمة، فنال منزلته بسيفه
وجهاده لا بنسبه وأجداده.
ولعل
هذا ما دعا مستشرقًا منصفا لتاريخ صلاح
الدين هو "Stanly Iane paole" في كتابه: "History
of Egypt in The Middle ages" إلى أن يقول عن جهاده: "كان
الهدف دائما في الاعتبار. وكل أعماله
السياسة وحملاته العسكرية كانت موجهة إلى
الهدف الأساسي وهو إقامة إمبراطورية شرقية
موحدة تكون قوية وتتمكن من طرد الفرنجة إلى
الشاطئ. ومهما يكن هناك من طموح شخصي اختلط
بهذا لا شعوريًّا، فإن التوسع كان معناه
عنده، بصفة رئيسية، إن لم يكن بصفة وحيدة،
انتصار الإسلام".
ثم
يقول: "لم تكن الفكرة التي عرفها الناس عن
شخصيته خاطئة؛ فلقد كان شهما رحب الصدر،
رقيقا متعاطفا، صافي القلب ومتقشفًا، وكانت
عاداته بسيطة وكان متحمسًا تقيًّا، ولم يكن
قاسيًا إلا في حماسته للدين والعقيدة، فهو
بحق مثال الفروسية والشهامة الشرقية
الإسلامية".
نظرة
موضوعية للشخصية
ورغم
الهالة التي أحاطت بشخص صلاح الدين
تاريخيًّا فإننا نجد حتى المعاصرين له من
المؤرخين لم يحجموا عن توجيه انتقادات له،
بدت موضوعية في كثير من الأحيان، فرغم أن
المؤرخ السني الشهير "ابن الأثير" (630هـ)
دون في كتابه "الكامل في التاريخ" نصوصا
تشيد بصلاح الدين وتحمد أفعاله وتصرفاته في
مواطن عديدة، مثل قوله بمناسبة فتحه بيت
المقدس سنة (583هـ): "وهذه المكرمة من فتح
البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب،
رضي الله عنه، غير صلاح الدين رحمه الله،
وكفاه ذلك فخرًا وشرفًا"، وقوله عنه
بمناسبة ذكر وفاته سنة (589هـ): "كان كثير
البذل لا يقف في شيء يخرجه، ويكفي دليلا على
كرمه أنه لما مات لم يخلف في خزانته غير
دينار واحد صوري وأربعين درهما ناصرية".
فهذا
كلام مؤرخ قيل عنه إنه تحامل على صلاح الدين
وآل بيته الأيوبيين بحجة أن أسرته (ابن
الأثير)، كانت تعمل في خدمة آل زنكي الذين
ورث الأيوبيون ملكهم.
ورغم
كل المديح السابق فإن "ابن الأثير" لم
يحجم عن انتقاد صلاح الدين ورجاله في بعض
المواضع، ومن ذلك قوله بصدد الحديث عن فتحه
بيت المقدس والتهاون الذي وقع في جمع الفدية
من المستسلمين الخارجين منها، بل والخيانة
أحيانا: "ورتب صلاح الدين على أبواب البلد
على كل باب أمينا من الأمراء ليأخذوا من أهله
ما استقر عليهم، فاستعملوا الخيانة ولم
يؤدوا فيه أمانة. واقتسم الأمناء الأموال".
وقد
أورد هذا الكلام العماد الأصفهاني نفسه (597
هـ)، كاتب صلاح الدين المصاحب له في فتوحه
هذه في كتابه "الفتح القُسِّي في الفتح
القدسي"، ولولا ذلك، لربما، رُدّ إلى
تحامل ابن الأثير، المزعوم أحيانا.
كما
اشتد نقد ابن الأثير اللاذع للأخطاء
العسكرية التي وقعت في حصار صلاح الدين
لمدينة "صور" التي أطلق نحوها أسرى بيت
المقدس وغيره بأموالهم، فتجمعوا فيها
واستقوى بهم من كانوا بها، وانتظروا المدد
من البحر فصارت قلعة حصينة تأبت على الفتح،
حتى إذا ما وصلتها الحملة الصليبية بقيادة
"ريتشارد قلب الأسد" انتعش الصليبيون،
وخرجوا منها لمناجزة المسلمين واسترداد
كثير مما أخذوه منهم، وفي ذلك يقول ابن
الأثير: "فلما رأى هو، أي صلاح الدين،
وأصحابه شدة أمر صور ملوها وطلبوا الانتقال
عنها، ولم يكن لأحد ذنب في أمرها غير صلاح
الدين"، ثم قال "ابن الأثير": "إن
الملك لا ينبغي أن يترك الحزم، وإن ساعدته
الأقدار. فلأن يعجز حازمًا، خير له من أن
يظفر مفرطًا مضيعًا للحزم، وأعذر له عند
الناس".
على
أن الواضح أن هذه الانتقادات قد صدرت بدوافع
موضوعية لا شخصية أو مذهبية، ولهذا فإن
صاحبها قد فرق، كما رأينا بين المدح والقدح،
ولكل مقامه وموضعه، ولم ينف كل قيمة عن هذا
الرمز التاريخي، معتبرًا أمجاده أسطورة أو
أكذوبة كما يزعم الكثير من مدعي البحث
التاريخي، وكما يزعم بعض المعاصرين من راغبي
الشهرة قليلي البضاعة "لحاجة في نفس يعقوب".
ولئن
كانت هذه آراء مؤرخ سني في حاكم سني فإن
مؤرخًا شيعيًّا معاصرًا له هو "ابن أبي طي
الحلبي" (ت 630هـ) قد أنصفه ولم يتحامل عليه
كما أثبت الباحثون ومنهم: د. الباز العريني
"مؤرخ الحروب الصليبية"، ود. نظير
سعداوي، حيث ذكرا أنه لو توفر لهذا المؤرخ ما
يستحق الذم والنقد من سيرة صلاح الدين، لا
نظن أنه كان سيتردد في تسجيله، بدليل أن هذا
المؤرخ نفسه قد انتقد بشدة السلطان نور
الدين محمود بن زنكي لتحامله -فيما يرى- على
الشيعة ببلاد الشام.
تنوير
أم هدم
هذه
صورة شخصية صلاح الدين في أوثق المصادر التي
كتبها مؤرخون معاصرون له، لم يكن كثيرون
منهم ببلاطه، ولم يكونوا من أهل حاشيته،
فهذه صورته بسلبياتها وإيجابياتها،
وإيجابياته فاقت السلبيات بفارق هائل
بالمقارنة بغيره من الحكام المعاصرين له أو
من الذين جاءوا بعده.
وكما
يقولون فإن من لا يعمل لا يخطئ، ومن يعمل
كثيرًا ربما يخطئ كثيرًا، وقد عمل صلاح
الدين -رحمه الله- بإدارة ثابتة وعزيمة راسخة
على تحقيق ما هدف إليه من تحرير الأرض، وحفظ
الكرامة، فأصاب كثيرا، وأخطأ قليلا، ويكفيه
شرف المحاولة.
ولا
شك أن الحملة المستهدفة لرموز الأمة، بين
الحين والآخر، التي يتولاها باحثون سطحيون
يفتقدون الموضوعية، ويلجأون إلى غموض
العبارة للتغطية على نواياهم، ويشيعون أنهم
من مناصري ثقافة التنوير، هم بلا شك من
الرافضين للتيار الأصيل في تاريخ أمتهم
وثقافتها وتراثها المتناغم مع رسالتها، وهي
حملة تصب في محاولات تحطيم الرموز والركائز
التي تستند عليها الأمة في حركتها ومستقبلها.
فما
يجري يصب في محاولات تحطيم الرموز –الركائز-
التي تستند إليها الأمة في مقاومتها للجهود
الدءوبة لطمس هويتها ومحو شخصيتها التي
يفتخر ويعتز بها.
شارك
برأيك:
اقرأ
أيضا:
**
مدرس
التاريخ والحضارة الإسلامية بدار العلوم
جامعة القاهرة.
|