 |
|
التقنية الرقمية تظهرك صاحب هذه السيارة الحديثة
|
"مع
الديجيتال حياتك أفضل وأسرع"، "يوجد
تصليح للصور القديمة وطبعها"، "يوجد
أكثر من خمسة آلاف خلفية"، هذه هي
العبارات الدعائية التي نصادفها -حاليًا-
على واجهات معظم أستوديوهات التصوير
الفوتوغرافي الموجودة الآن، وهي بمجملها
تستخدم تقنية التصوير الرقمي "الديجيتال".
وهذا
يدفعنا لمعرفة أثر البعد التقني على حياتنا
بشكل أعمق؛ فهو دون شك مؤثر بالغ الأهمية في
حياتنا العامة الملموسة، وخاصة من خلال
الوسيط المدون لسير الحياة الاجتماعية في
الأعوام المائة الأخيرة، والمتمثل في
الوسيط البصري الفوتوغرافي.
صور
محايدة..
معروف
أن الأحداث المهمة في حياة الإنسان يجري
تدوينها تاريخيًّا من خلال سيل الصور
المتتابع لمجمل حياة الفرد، وذلك تبعًا
للأحداث الفارقة والدافعة في حياته. وتشمل
بعض هذه الصور الجانب المتمثل في رصد وتصنيف
مؤسسات الدولة للفرد، وذلك مثل صور البطاقة
الشخصية، وجواز السفر، وصور استمارات
النجاح، والالتحاق بالأعمال وغيرها.
وهذه
الصور تلتقط للفرد (الوجه) على خلفية لونية
محايدة، بالإضافة إلى أفضلية ظهور الصورة
بدون تعبيرات شخصية يكون من دورها التشويش
على عملية المطابقة بين الصورة وأصلها
البشري، فالهدف من هذه الصور المحايدة في
إظهار وجه الشخص دون دلالات بصرية أخرى قد
تكون تعبيرًا عن حالة الفرد المزاجية؛
فالصورة هنا تعبير عن ملامح الفرد الخاصة
به، فالتعامل مع الفرد من خلال بعده الجسدي
فقط، ومن ثَم فهي ذات دور إحصائي للأفراد (الأجساد)،
فماهية الفرد بالنسبة للمؤسسة المرتبطة
بالدولة هي حفظ ملامحه الشخصية فقط حتى يسهل
التعرف عليه، بل مراقبته وضبطه إذا تطلب
الأمر ذلك.
لذلك
فصور الفرد الخاصة بمؤسسات الدولة هي بمثابة
خريطة عامة لحياة الفرد عليها إحداثيات
تحركاته الاجتماعية والمؤسسية سواء داخل
الدولة أو خارجها، من خلال الصور المرتبطة
بمجموعة الاستمارات الراصدة لحياته منذ
الميلاد حتى الممات.
ولعل
ذلك كان من أهم الأسباب التي ساعدت على
انتشار وتوسع أستوديوهات التصوير
الفوتوغرافي على طول الحياة الحضرية
المرتبطة بالمؤسسة والتحديث.
تثبيت
للحظات القوة
 |
|
تثبيت للحظة قوة (عائلة تمجد ذاتها)
|
أما
الجانب الآخر من نوعية الصور الخاصة بالحياة
الاجتماعية، فهو مجموعة الصور الخاصة
بتسجيل تطور الحياة الخاصة للأفراد
والأسرة، وهي دائمًا مرتبطة بلحظات السعادة
والفرح في الحياة الشخصية للفرد.
فالصورة
هنا هي صورة لتدوين شخص أو مجموعة داخل واقع
أو عالم له قسمات وخصائص فريدة في الحياة،
والهدف المباشر هو تثبيت العالم أو تجميد
اللحظة الفارقة في الحياة الشخصية، فهي
تثبيت لزمان ومكان يجري بداخله حدث، يتمثل
في الفرحة كبعد أولي في تفسير الصورة،
وكمعبر لباقي ما تحويه من دلالات أخرى،
فالسعادة المدونة في الصورة هي عالم أو
مرحلة أو حالة مرتبطة بأشياء أخرى "نجاحات"
مثلاً بالنسبة للفرد.
وكان
يتم ذلك من خلال أستوديوهات التصوير
الفوتوغرافي المنتشرة في أحياء المدن
المختلفة، أو من خلال استخدام آلات التصوير
الشخصية، فالعائلات قبل انتشار آلات
التصوير الفوتوغرافي كانت تذهب إلى
الأستوديو بكامل هيئتها لأخذ صورة جماعية
لها، وكذلك لتصوير الأبناء فرادى.
ونلحظ
ذلك بكثرة في حقبة الأبيض والأسود السابقة
على الألوان، فالتقنية المستخدمة هنا هي
الألواح الزجاجية الفوتوغرافية أو الأفلام؛
وذلك لصنع صورة قرينة أو سالبة "نيجاتيف"
للّحظة المنقضية في الواقع على هذه الأفلام
أو الألواح، والتي كانت "النيجاتيف"
تُكنى عند العامة "بالعفريتة"، وذلك
بالنسبة للإنسان وعالمه حيث هي تسجيل مقلوب
الواقع.
وعند
طباعة هذه الصورة السالبة "النيجاتيف"
على الورق ومعالجتها "الصورة"
كيميائيًّا، تصبح صورة "موجبة" مطابقة
تمامًا للحظة المصورة والمنقضية، حيث نقل
الواقع على الورق إلى الأبد.
فالهدف
في ذلك الوقت هو نسخ وتثبيت العالم بأكثر
أشكال الدقة، وبالأخص اللحظات السارة على
المستوى العائلي، ومن ثَم المستوى
الاجتماعي، ففي السابق نجد الهدف المراد في
معيارية الثبات والملاصق لها هو المحافظة
على الوضعية والمركزية الاجتماعية وتأريخها.
فكم
هي عدد الصور الأسرية الخاصة بالمناسبات
المهمة في حياة الفرد بدءا بصور الطفولة،
صور التفوق والأعياد، صور الرحلات، "البلاج"،
صور الزفاف، وهكذا صور المولود الجديد في
العائلة، فهي دورة تأريخية للعائلة
ولتفاصيل حياتها الخاصة.
وهذا
يدعنا نلاحظ أن العائلات وخاصة في المجتمعات
المدنية كانت الصورة بالنسبة لها وعاء
لتدوين أوقات ولحظات البهجة فقط، فذاكرة
العائلة الجمعية أصبحت مرئية توثيقية تركز
على الفرحة وفي المقابل تمحى الأحزان؛ فهي
بداية لا تدون "لا تصور" لحظات الحزن أو
المواقف غير السارة، حيث الاستبعاد التام من
حياة أو ذاكرة العائلة، "فالصورة
الفوتوغرافية" مثل العبارة المقتطفة أو
المبدأ، أو المثل أو القول المأثور. وكل منا
يختزن مئات الصور الفوتوغرافية التي تكون
جاهزة للاستدعاء الفوري". {سوزان سونتاج،
الذاكرة كإطار للتكثيف (التجميد) مجلة
ديوجين عدد 201/145}.
فالمراد
بالصور السعيدة هنا هو صنع الواقع الهنيء أو
المثالي أو بمعنى أدق حذف واقع المعاناة
والأحزان والكبوات. فاستدعاء الصور السعيدة
القديمة هي آلية تغلب صنعها البشر مستغلين
آلة التصوير لتمرير لحظات الضعف وتثبيت
لحظات القوة.
صورة
بلا قرين.. ضد قنص الواقع
في
الأسواق حاليًا انتشرت تقنية الديجيتال أو
الصورة الرقمية، وذلك بالطبع مرتبط بالحاسب
الآلي، فالصورة على سبيل المثال تلتقط على
شرائح ذاكرة داخل الكاميرا كـ"داتا" data
معلومات، ثم بعد ذلك يتم تحميلها على
الكمبيوتر قبل طباعتها، وذلك بقصد إجراء بعض
التعديلات بها.
وهذه
التعديلات ليست بحال من الأحوال رتوشا
لتجميل الوجه "مثل جعل العيون خضراء"،
أو كالتي يضعها مصور الأستوديو القديم في
الصور من نوع الأبيض والأسود، بل إن
التعديلات قد تصل إلى هدم وبناء الصورة
كاملة، ويرجع ذلك إلى أن تقنية الصورة كأصل
ما هي إلا مجموعة معلومات مصفوفة وليست
نيجاتيف سالبا لصورة موجبة واقعية، لذا فإن
ذلك قد أتاح فرصة كبيرة للتحكم في عالم
الصورة.
فالنقطة
المركزية في الصورة تتمثل في الشخص أو الشيء
وما هو دون ذلك، فهو قابل للتغيير والتعديل،
بل إنه قد يتعدى إلى تغيير ملابس الأفراد
وألوانها وأشكالها، فهذه الصورة بداية ضد
مفهوم تثبيت العالم وقنص الواقع من خلال
تثبيت اللحظات، بل هي صورة تقود إلى صنع واقع
جديد غير أصيل، بل واقع متخيل وحلمي.
فالصورة
الرقمية (الديجيتال) الجديدة تعيد تركيب
العالم بمعناه الواسع، حيث تقوم على مفهوم
التحول، الذي لا يتم إلا من خلال الحذف
والإضافة.
المكان
في زمانين
|

|
|
كبر الجميع وبقيت الذكريات |
المكان
هو الحاوي المادي للأحداث المتتابعة على مر
الزمان، فالمكان إذن يحوي ملامح خاصة به،
وأشكالا هي بمثابة الهوية بالنسبة له ولمن
يقطن به، هذا على مستوى الصورة، فخلفية
الصورة التي يظهر بها الإنسان هي محدد
انتماء الشخص لهذا المكان أو هذا العالم
بمعنى أدق، وهذا ليس على سبيل العرقية أو
الجنسية، بل على سبيل اندماج الإنسان
وتناغمه ورغبته في ظهوره داخل إطار يكون في
خلفيته معلم من المعالم المعروفة.
فهنا
تتشكل العلاقة بين الشخص والمكان، فالصور
السياحية هي صور تعرُّف واستكشاف وتدليل على
أن الفرد قد مر بتجربة السفر، وكذلك صور
ممارسة الرياضة وغيرها من الصور، فهي صور
لعمل نظام انتماء بصري وتعضيد للهوية.
فالمكان
الظاهر في الصورة كبعد جغرافي وخلفية للحدث
هو بالأساس عنصر فاعل وجدلي مع الفرد في
إظهار معنى الصورة الجديد والمقصود. وذلك
خاص بالصور الملتقطة خارج الأستوديو، أما
بالنسبة للصور الملتقطة داخل الأستوديو فهي
في الغالب (سابقا) تلتقط على خلفيات محدودة،
عبارة عن لوحات مرسومة لحديقة أو منتزه أو
ديكور لأحد أعمدة القصور والستائر بجانبه
وهكذا، فهي خلفيات أشبه ما تكون بالديكور
المسرحي.
فهذه
الخلفيات مهما كانت دقتها فهي مصنوعة (أي:
وهمٌ) حتى بعد أن تظهر بالصورة النهائية،
وهذا لا يدعنا ننسى أن أول من أنشأ
الأستوديوهات في مصر هم الأوربيون، حيث نقلت
تقنيات المُستعمر إلى المستعمَر ومن ثم طرق
إعادة تمثيل العالم من جديد، أي من خلال
زوايا الكاميرا، حيث النقل الأمين للعالم،
وبالتالي تعويد أبناء المستعمرات على طريقة
صنع ذاكرة لهم وفق الطريقة الأوربية.
لذلك
فالصورة هنا أشبه ما تكون بالأداء التمثيلي
الثابت على خلفيات قد تكون مرجوة من صاحب
الصورة، فالصورة بمثابة حلم رومانسي مرئي
على الأوراق الفوتوغرافية متعمد إظهار صنعه.
أما
الصورة الرقمية فليس لها من المصداقية شيء
كبير نظرا لتقدم التقنية على المستوى
البصري، فلو نظرنا لصورة الشخص المضاف إلى
صورة السيارة الأمريكية الفارهة أو عندما
يقف العروسان أمام برج إيفل بفرنسا وهما لم
يتخطيا عتبة الأستوديو، كل هذه الحيل أو
الخلفيات تعمل ضد مفهوم الثبات، فمن خلال
الخلفيات الرقمية الدقيقة لهذه الأماكن
والأشكال الغربية، أصبح الأستوديو الرقمي
غير مقيد بالمعنى الحرفي للمكان، بل إنه
أصبح من أهم ملامحه المهارية في صنع الحيلة
أو الخدعة في الصورة الملتقطة.
الصورة..
التذكر الحنين
من
حين لآخر تقام بعض الجلسات الفردية أو
الجماعية داخل العائلة حول حافظ الصور "الألبوم"
القديمة، حيث تنسج الحوارات ويتم تذكر
المواقف والإيماءات المرتبطة بأفراد
العائلة، بالإضافة إلى ذويهم ممن فقدوا من
موتى، ولكن في أوضاعهم الحيوية ولحظاتهم
الهنيئة، لذلك فالصورة هنا تذكر بمواقف
العالم الماضي، فالصورة ليست سوى عامل تأمل
وتوحد مع عوامل أخرى.
باختصار:
الصورة نسبية، باعتبارها لا تطمح إلى المطلق
وإنما تقوم بالربط، وهي نتاج أوضاع علائقية
متعددة وليست تعبيرا فرديا فقط عن صاحبها.
فعند
ممارسة فعل التذكر مع مراجعة الصور القديمة
في الحافظة أو من خلال تثبيتها على الجدران
فهي عملية من عمليات الإحالة إلى عالم أكثر
اتساقا هو الماضي، فالحنين إلى العالم
القديم يتم من خلال استرجاع وتذكر لحظات
ردود فعل الإنسان السارة تجاه العالم مجسدة
على الأوراق الفوتوغرافية على خلفيات
الأستوديو المرسومة.
ونحن
لا ننسى أن صورة الأستوديو هي صورة بناء على
رغبة صاحبها، فهو المتحكم الأول في ميقاتية
لحظة الالتقاط ومن ثم هيئته وفي أي مكان
يريد، فهي صورة مصنوعة ليست قائمة على
الارتجالية مثل صور الرحلات، لذا فهي صورة
تمثيلية.
أما
الصورة الرقمية فتعرض عالما آخر مصنوعا، فهي
تعبير عن صورة قد فشل صاحبها في تحقيقها على
المستوى الواقعي، لذا فهو يقوم بتحقيقها على
المستوى الخيالي، فهي واقع هجين، حيث يعمد
صاحبها إلى وضع العالم الذي يحن إليه حاليا
أو مستقبلا بها، فهي صورة تقدم وضعا ما..
صوريا، وهميا غير حقيقي.
لذلك،
هل هذه الصورة بعد مرور الزمن سيكون لها حنين
من صاحبها؟ وخاصة أنها لا تحمل ابتسامة رضاه
تجاه واقعه الحقيقي، بالإضافة إلى كونها
ستذكره بلحظات عجزه وقهره من العالم المحيط
به، والتي تغلب عليها على مستوى الصورة فقط
حيث رضاه وحنينه تجاه عالم آخر؟.
لذلك
فالصورة الجديدة هي تعبير عن تبدلات إدراك
الإنسان للعالم ولمحيطه الاجتماعي والتي هي
مرهونة بعدة عوامل متشابكة ومتداخلة منها
أزمة الهوية، والمشكلة الاقتصادية،
وبالتالي الاندماج مع الموضة والثقافة
الوافدة.. الخ.
فعند
إعادة طبع الصور القديمة فإنها تطبع بشروط
التقنية الجديدة وخاصة بعد إجراء عملية
التلوين لمكوناتها والتي قد تتعدى إلى
التلاعب بجغرافيتها المكانية وعناصرها؛
لذلك فكثير من الصور التي يجري إصلاحها من
الخدوش التي أصابتها بفعل الزمن، لم يعد
الهدف من الإصلاح هو الرجوع إلى حالتها
القديمة، ولكن دخلت عليها تقنية الرقمي
فأخرجتها من سياقها الزمني إلى عوالم أخرى
وهو ما أفقدها أن تكون ذاكرة مرئية وثائقية.
كل
هذه العوامل كان لها من التأثير على طريقة
إدراك ورغبة الإنسان في صنع صورة بسيطة داخل
حياته الاجتماعية، ومن خلال الأستوديو
الفوتوغرافي الذي بدأ يستعيد وضعيته المهمة
وخاصة مع التكنولوجيا الجديدة "الصورة
الرقمية"، فإذا كانت الصورة القديمة
تجميدا للحظة وموقع الإنسان واتساقه ومن ثم
تأريخا لردة فعله تجاه العالم، فإن الصورة
الجديدة تعبير عن هروبه من واقعه المعاش
وتزييفه له وخاصة بعد اختفاء تقنية "العفريتة".
اقرأ
أيضا:
**
مخرج وناقد فني مصري
|