بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المقهى الثقافي   -    دردشة   -    دليل المواقع الثقافية    -    صوتيات ومرئيات 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين


الإسلاميون والفنون.. مصالحة فكرية ونفور واقعي

2005/11/16

مصطفى عاشور **

منذ سنوات طويلة كنت أتصفح إحدى المجلات واستوقفتني عبارة تقول: "إن إنتاج فيلم إسلامي يعادل بناء مسجد"، كانت العبارة صادمة بالنسبة لي لأنني كنت أتخيل أن العمل الإسلامي محصور في جانب معين وهو الجانب العبادي وما يتصل به من بناء مساجد وتوفير ما يلزمها.

ومضت سنوات، إلا أن العبارة حملتها الذاكرة وأبت أن تتركها، ثم ما لبثت أن شاهدت فيلم "عمر المختار" الذي أخرجه السوري "مصطفى العقاد"، وأتذكر أنني انفعلت مع الفيلم انفعالا كبيرا، بدءا من الشعور بالقدرة على التحدي والمقاومة، وصولا إلى إكمال الطريق حتى نهايته حول الفكرة، وأن تكون نهاية حياة الإنسان هي بداية لحياة فكرته.

وعموما عندما انتهيت كانت في نفسي أشياء غير التي كانت عند بداية المشاهدة، وأدركت بعد ذلك أن الفن قادر على توصيل الأفكار والقيم بطريقة لا تستطيعها الأساليب التقليدية، وأن الفنون قادرة على إحداث التغييرات لأنها تنفذ إلى أعماق الإنسان وتغيره من الداخل وهو مناط التغيير الذي تراهن عليه كافة الدعوات الإصلاحية عبر التاريخ الإنساني.

ثم مضى بعض الوقت وطالعت بعض روايات الأديب الإسلامي "نجيب الكيلاني" فعاودني الشعور مرة أخرى، ووجدت أن كلمات الرجل المصاغة عمل أدبي رفيع قادرة على تنمية الذوق، ثم مضت فترة وشاهدت المسلسل التاريخي السوري "صلاح الدين" ووجدتني أنجذب إليه انجذابا شديدا.

وبعد فترة من التفكير وجدت أن هذه الأعمال أجرت مزاوجة ناجحة بين مجموعة من القيم والضوابط الصارمة التي تحكم أي عمل فني ناجح، ولم تجد صعوبة في ترجمة قصص البطولة والقيم إلى أعمال بالمقاييس الفنية رائعة.

المعرفة قبل الحكم

وهنا تثار تساؤلات حول أسباب الخصومة البادية بين الإسلاميين والفنون بشتى أنواعها، أو على الأقل الغياب الواضح للإسلاميين على المستوى الفني بشكل مؤرق، واكتفاء هؤلاء باعتلاء المنابر ومخاطبة الجماهير بأساليب خطابية تقليدية لم يطرأ عليها أي تغيير منذ قرون، وأسباب غياب الخيال والابتكار والقدرة على توظيف العمل الفني في أن يكون وسيلة مهمة من وسائل العمل الإسلامي، بدلا من تركيز الجهود في الجانب السياسي وما يجلبه من متاعب وكلفة كبيرة؟.

أما التساؤل الثاني فهو: إذا كان بعض الإسلاميين يرون أنهم أصحاب رسالة من الواجب توصيلها لمجتمعهم وللعالم، فلماذا لا يسعون إلى امتلاك أدوات توصيل هذه الرسالة؟ ولماذا غاب الإبداع عنهم في تجديد الوسائل؟ ولماذا أوجدوا موانع بينهم وبين الفنون؟.

وعموما فالجدل لا ينتهي حول الفن وقضاياه المختلفة على المستوى الشرعي أو الثقافي، وربما يعود ذلك إلى حداثة نشأة الكثير من الفنون وربما حداثة ذيوعها وانتشارها.

وإذا كانت المعرفة هي أولى الدرجات التي من المفترض أن يفقهها العقل المسلم قبل اتخاذ أي موقف محدد من الفنون، ناهيك عن إصدار فتوى تحريم أو تحليل، فإننا نلحظ أن البعض ممن يصدر أحكاما حول الفنون لا تتوافر لهم أولى درجات المعرفة بهذه الفنون، وهو ما يعيق اتخاذ موقف صحيح حيالها، ناهيك عن محاولة توظيفها في خدمة الأهداف الإسلامية أو حتى ابتداع فن بديل للفنون التي يشير البعض إلى وجود موقف إسلامي منها.

.. مشاركة غائبة

ويهدف ملف "الإسلاميون والفنون.. مواقف وتجارب" إلى محاولة الاقتراب من موقف الإسلاميين من المسألة الفنية، سواء على المستوى الفكري أم على مستوى الممارسة والتجارب الفنية التي قدمها الإسلاميون، مدركين أن الموقف الفكري للإسلاميين من الفنون قد شهد تطويرا وتعديلا كبيرين فكان أشبه بالمصالحة في الكثير من مكونات رؤيته مع الفن.

لكن هذه المصالحة الفكرية لم تتماش معها مصالحة على مستوى الواقع والتطبيق؛ بمعنى أن الرؤية المتشددة من الفنون باتت محل جدل وإعادة مراجعة كبيرة على المستوى الإسلامي، لكن محاولة الإسلاميين ولوج الطريق الفني وتقديم أعمال فنية على مستوى راق لم توجد حتى الآن.

وما وجد من تجارب هو أشبه بالبدايات الأولى الاجتهادية الأحادية، وربما الهادفة إلى ذر الرماد في العيون أكثر من كونها تعبر عن اتجاه حقيقي نحو تبني المسألة الفنية ومحاولة طرح أعمال فنية راقية تستطيع أن تجذب قطاعات عريضة من الجماهير قبل أن تخاطب الإسلاميين أنفسهم، وتستطيع أن تخاطب الناس واهتماماتهم قبل أن تفرض الرؤى المختلفة عليهم وقبل أن تصطبغ برؤى أيدلوجية معينة.

تشير الإحصاءات العالمية حول الفنون عام 2003م إلى أن حجم الاستثمار العالمي في مجال الفنون (إنتاجا واستثمارا) بلغ حوالي 3 تريليونات دولار، كان نصيب المسلمين منها حوالي 800 مليون دولار أي أقل من 0.001%، والمعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك النصيب الأكبر من هذه الاستثمارات.

ولعل هذا ما تنبه إليه الزعيم السياسي الهندي "نهرو" قبل عدة عقود عندما قال: "إن واشنطن تمتلك هوليود التي تفوق كل الأسلحة التي في الترسانة الأمريكية"، ويبدو منطق الرجل صحيحا بل وإستراتيجيا؛ لأن من يمتلك الوسائل المختلفة القادرة على أن تهمس في أذن الناس، وأن يحتكر ما تراه أعين الناس وتقرؤه، ومن يمتلك القدرة على مخاطبة الحواس والروح والجسد؛ فهو قادر على تغيير الصور الذهنية وإعادة تكوين صور جديدة وبذلك يتحكم في الوعي.

الفن والحوار مع الآخر

وإذا كان الحديث الدائر في المنطقة اليوم هو ضرورة الحوار مع الغرب ومخاطبته ومحاولة تغيير صورته الذهنية السلبية عن الإسلام والمسلمين، فإن ما يُقال عن قدرة الحوارات والمهرجانات الخطابية التي يقوم بها علماؤنا ومفكرونا كافية في تحقيق ذلك الأمر هو من قبيل تبسيط الحقائق والقفز على منطق الأشياء وعدم القدرة على فهم العقلية الغربية التي تضع الفنون في مكان أثير في وعيها المجتمعي وترى في الفنون ما لا تراه في غيرها من أدوات الاتصال الجماهيري.

هذا المنطق يفرض أن يكون للفن حضوره في الحوار مع الغرب وحضوره في المحاولات الحثيثة لتغيير تلك الصورة الذهنية التي تكاد تكون ثابتة في العقلية الغربية عن الإسلام والمسلمين.

الفنون والمقاصد

والواقع أن الموقف الفكري للإسلاميين من كثير من الفنون قد تطور، وأصبحت الرؤية الفقهية لا تقف عقبة أمام الفن ما دامت هذه الفنون لا تصطدم مع القيم، وبذلك تم تجاوز هذه المسألة بعد تفكيك الموقف من الفن إلى أجزاء، مثل: "هل يوجد موقف للإسلام من الفن لكونه فنا؟ وهل هناك موقف من القائمين على الفن؟ وهل الموقف القائم هو تجاه ما يطرحه الفن من قضايا؟".

ونستطيع أن نقول إن الموقف الفقهي قد تجاوز الكثير من هذه الأمور، وأصبحت هناك قناعات لدى الكثير من الإسلاميين بأهمية العمل الفني والفنون بصفة عامة؛ لأنها من أدوات تنمية الذوق والإحساس والترفيه وتصلح لأن تكون أدوات مهمة في الاتصال الجماهيري وتوصيل الأفكار.

ولعل تطبيق منهج "المقاصد" الذي يطالب به الأكاديمي المصري "سيف الدين عبد الفتاح" في النظر إلى الأمور قد يرفع من مكانة الفن في الرؤية الإسلامية ويجعله من أدوات المحافظة على الكليات الخمس التي ذكرها الإمام "الشاطبي" في كتابه "الموافقات"؛ فقد تستخدم الفنون للدعوة للمحافظة على الدين والحياة والمال والنسل.

وبالتالي يصبح الفن ضرورة للأمة المسلمة لا تملك أمامه ترف الاختيار، ومن ثم لا يقتصر دورها على نقل كل ما هو غربي ومحاولة تعريبه، بل يفرض عليها منهج المقاصد أن تنافس وتطرح على الآخرين نتاجها في الفنون؛ لأن الفنون أصبحت "حاملات الأفكار" في ظل موجة العولمة التي تجتاح العالم.

وإذا كان الأمر غير مزعج على المستوى النظري وربما الفقهي تجاه الكثير من الفنون، فإن الأمر يحتاج إلى مصالحة على المستوى التطبيقي، وهي مصالحة جد عسيرة، حيث كشفت المصالحة الفقهية والنظرية عن أنهما لم يكونا المعوقين أمام تطور الفن على المستوى الإسلامي ومحاولة تقديم تجارب رائدة فيه، وهو ما كشف عن أن إعاقة نمو الحركة الفنية الإسلامية أو تقديم الإسلاميين لأعمال في هذا المجال تنبع من شبكة معقدة من العوامل، لعل في مقدمتها وجود حالة من الانقطاع الطويل بين الإسلاميين والمشاركة في الفنون، ولجوء هؤلاء إلى التحصن بالموقف الفقهي لتبرير تقاعسهم عن التجديد والالتحام مع الفن.

وكان النجاح في تفكيك الموقف الفقهي وتحديد مواطن اعتراضاته والفنون التي يبدي عليها تحفظات بمثابة كشف للحقيقة الغائبة، وهي أن الموقف الحالي من الفنون ليس نتاجا لخصومة بين الفقهي والفني ولكنه انعكاس أمين لحالة التراجع الحضاري التي يعاني منها المسلمون، وانعكاس لرؤية معينة داخل البعض في الإصرار على الارتباط بالواقع وعدم وجود أفق أو خيال يتيح لها أن تحلق بعيدا عن هذا الواقع المنكود، إضافة إلى غياب الروح المصرة على مغادرة ثكنات الهزيمة والتراجع إلى آفاق جديدة.

والواقع أن أي جودة أو قدرة على المنافسة لأي عمل فني إسلامي في المستقبل لا يمكن قصر أسباب نجاحها فقط على نبل الهدف والغاية أو ما يحمله الفن من قيم، ولكن لا بد أن يكون هناك انغماس في الفنون واستبطان لجوهرها ووجود قدرة عالية على توظيفها.

وتعد تجربة الأديب "عبد الله بن المقفع" مهمة في هذا الشـأن؛ إذ استطاع أن يجدد ويبدع في الأدب ويجعل من اللغة العربية أوعية جيدة لنقل الثقافات والآداب الأخرى؛ حتى إن شهرة بعض الأعمال مثل "كليلة ودمنة" لم تأخذ نصيبها من الشهرة إلا بعدما ترجمها "ابن المقفع".

وهذا ما يطرح تحديا كبيرا ليس أمام الإسلاميين فقط ولكن أمام الجميع، وسوف يبحث الجميع عن الجبل الذي بحث عنه ابن نبي الله نوح للاحتماء من الطوفان، لكن لا عاصم لهم من الغرق ما داموا يصرون على عدم ركوب سفينة النجاة.


** محرر صفحة "ثقافة وفن" في إسلام أون لاين نت.


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع