بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المقهى الثقافي   -    دردشة   -    دليل المواقع الثقافية    -    صوتيات ومرئيات 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين


ثورة المهمشين لا ثورة العرب والمسلمين*

2005/11/14

أوليفي روا **

أوليفي روا

وصفت الصحافة الأمريكية وبعض المحللين الأوربيين أعمال الشغب التي هزت الضواحي الفرنسية بأنها ثورة المهاجرين المسلمين التي تمثل المؤشر على فشل نموذج الاندماج في المجتمع الفرنسي.

ولكن لننظر إلى الأمر عن قرب، بعيدا من مسألة ثورة المجتمع الإسلامي. إنه قبل كل شيء تحرك قام به شباب يعيشون في الأحياء الفقيرة، معظمهم، وليس كلهم، من المهاجرين. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجيل والبعد الاجتماعي هما أهم من العنصر الديني، بل أهم من العنصر العرقي أيضا.

أحياء صعبة وجيل ثان

فالفعل أولا: هو عبارة عن تحرك قام به شباب، وتحديدا الذكور منهم، ولا تتعدى أعمار نصف الذين أوقفوا الثامنة عشرة. وجمعت أعمال الشغب عصابات تراوح بين 30 و200 عنصر، بحسب المناطق، وفي كلا الحالين لم يكن سكان الأحياء هم الذين ينزلون إلى الطرقات. ثم استولى الشبان على سيارات الشارع أي تلك التي يملكها جيرانهم، ودمروا المدارس التي يُعلم فيها السكان المهاجرون مثلهم أولادهم، أي إن عائلات الحي كانت أولى الضحايا.

كما أن أعمال الشغب حصلت فيما يسمى "الأحياء الصعبة"، أي حيث يتمركز المهاجرون بكثافة وتكثر نسبة البطالة والفشل المدرسي. لا يتعلق الأمر إذن بالضاحية الباريسية بمجملها ولا بمدينة باريس نفسها، بل يمتد على مئات الشوارع في كل أنحاء فرنسا. غير أن معظم هؤلاء الشبان من الجيل الثاني هم مواطنون فرنسيون. ولا تتعدى نسبة الأجانب بين الذين اعتقلوا في المواجهات 6 أو 7% فقط.

ويبدو أيضا وجود تعدد عرقي بين الموقوفين ما لا يفسح في المجال أمام التحليلات (يضم الموقوفون إفريقيين غير مسلمين وشبانا يحملون أسماء فرنسية وإيطالية وبرتغالية).

هي ثورة المهمشين وليست ثورة العرب أو المسلمين حتى وإن شكل هؤلاء أكثرية المهمشين.

لا طابع سياسيا

خارج هذه الأحياء، لم يحرك أي مسلم ساكنا على رغم وجود عدد كبير من المسلمين الذين يعيشون خارجها، وهم على الأرجح ينتمون إلى الطبقة المتوسطة. وما يثير التعجب هو عدم حصول أي حوادث في الجامعات التي تضم عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين الذين ينتمون غالبا إلى تيارات سياسية. هؤلاء أيضا لم يتحركوا.

إذن لم تحمل تحركات الضواحي أي طابع سياسي. وباستثناء بعض الشعارات التي طالبت باستقالة وزير الداخلية "نيكولا ساركوزي"، لم تُرفع أي مطالب سياسية (ولذلك السبب ربما حكم على التحرك بالتقهقر). كما أنه ما من أثر لأي تعاون أو متحدث أو تنظيم. ولم نشهد أيضا إنشاء أي هيئة تلعب دور صلة الوصل كما في حالات التحركات العفوية التي قادها المزارعون والتلاميذ أخيرا في فرنسا.

نستنتج من ذلك أن الثورة خالية من أي دافع عربي أو إسلامي، فلم نرَ على سبيل المثال أي علم فلسطيني أو جزائري. أما وضع "الكفية" على غرار الرئيس الراحل ياسر عرفات فكان رمزا للمعارضة، غالبا ما اتخذه الشباب شعارا في تظاهرات الثمانينيات.

كما لا نجد في أعمال الشغب التي تحدث حاليا أي رابط بالصراعات في الشرق الأوسط أو بالقومية العربية. فلم نشاهد شعارات معادية لليهود (نفت الصحافة مرارا كل ما يبدو معاديا للسامية عند شبان الضواحي). ولم نرَ أيضا شعارات دينية. أما الضجيج الذي رافق بعض ما ورد على مواقع الإنترنت حول أن الشبان كانوا يرمون القنابل قائلين "الله أكبر" فلا صلة له بالحقيقة مطلقا.

كما لم تدل ملابس المتظاهرين على الدين الإسلامي بأي طريقة من الطرق لأنهم كانوا يرتدون الملابس "الشعبية" التي تمثل ثقافة المدن الغربية كالشبان الأمريكيين "السود" (خصوصا الثياب الرياضية الرمادية والسترات من دون أكمام). وهم يستمعون إلى موسيقى "الراب" و"الهيب هوب"، ويأكلون الوجبات السريعة، ويستهلكون المشروب، ويحلمون بسيارات جميلة، ويتعاطون المخدرات في بعض الأحيان. فإنهم "غربيون" بكل معنى الكلمة (وقد نقول إنهم "شاملون").

ثورة على العنصرية

نتائج أحداث الشغب في باريس

ولا تتعلق مطالبهم في حال عبروا عنها، بحق ارتداء الحجاب في المدارس، ولا بأمور الجوامع، ولا بالذبح الحلال. لكنهم في المقابل يحتجون كلهم على التمييز العنصري القائم على الشكل الخارجي (الملامح). فهم لا يشعرون بعنصرية الشرطة فحسب بل أيضا عند مداخل الملاهي الليلية؛ وهذا أيضا لا علاقة له بالدين الإسلامي.

في معظم الحالات هم شبان يأتون من مناطق مسلمة لكنهم لا يدعون الإسلام، ولا يدافعون عن الهوية العرقية أو الدينية أو المناطقية. ففي فرنسا يطلقون اسم "شبان لـ4000" على سكان مدينة كورنوف أو "شبان فال فوري" على سكان "مانت لا جولي".

هم شبان تجمعوا وشكلوا عصابات محلية تعارض الشرطة، وخصوصا العصابات الأخرى التي تأتي من الأحياء المجاورة. ويبدو أن هذه العصابات هي أبرز محركي أعمال الشغب، فهي غالبا ما تكون متورطة بعمليات تهريب صغيرة (كتهريب المخدرات) وارتكاب الجنح.

أما "القادة" الحقيقيون في الأحياء فهم مهربو المخدرات. ومعظم هؤلاء الشبان رسبوا في المدارس، وأصبحوا عاطلين عن العمل. وإذا بنا أمام مزيج من المساعدات الاجتماعية و"الأعمال" الصغيرة.

كما أنهم يعتبرون أنفسهم منفيين مهمشين وهم متعلقون بشدة بالشارع حيث يسكنون، فكل مجموعة تدافع عن "أرضها" ضد المتدخلين الذين يتسربون سواء كانوا من الشرطة، أو الصحافة، أو من عصابات الشوارع الأخرى، وحتى رجال الإطفاء. لا يتضامنون على أساس العرق أو الدين على مستوى البلد بل يتضامنون على أساس الشارع الذي يحكمونه.

متظاهرون غير مندمجين

في الواقع، يتحدر المشاغبون من طبقات اجتماعية متدنية، أي إنهم أشخاص لم يعودوا مندمجين في نظام الإنتاج. كان أهلهم من العمال الفقراء ولكنهم يأتون بفائدة اجتماعية واقتصادية.

والآن لم تعد للشبان القدرة على الاندماج في العمل، بل يعتبرون آباءهم العمال "فاشلين"؛ لأنهم يعملون بكد في مقابل أجور منخفضة، فيما يعيل بعض هؤلاء الشبان ذويهم بفضل المال الذي يجنونه من التهريب.

ونظرا إلى ظواهر الشغب المدنية في الغرب (من لوس أنجليس إلى السين سان دوني مرورا ببرادفورد) نلاحظ بأنها تحمل نقاطا مشتركة، كالإقصاء بسبب الوضع الاجتماعي والعرقي المتعلق بلون البشرة (أسود، لاتيني، عربي). ويقوم هذان العنصران معا بتوليد التهميش الحقيقي؛ لأن الطبقات المتوسطة العربية الأصل لا تعاني هذه المشاكل في أوربا، فلا نستطيع إذن الفصل بين الخصائص الاجتماعية والعرقية.

وتطرقت الصحافة إلى دور المسلمين المتطرفين، غير أن المنظمات المتطرفة لم تشارك في أعمال الشغب. فالجماعات المتطرفة كتنظيم "القاعدة" ليست مهتمة بـ"جهاد" الضواحي: لماذا يهدرون الوقت في إحراق السيارات في شارع لا يهم أحدا فيما يستطيعون الذهاب لـ"الجهاد" في الفلوجة، أو وضع المتفجرات في القطارات؟ بل على العكس، يأملون باستمالة الشبان المحبطين بسبب غياب آفاق أي حركة أو الشبان المتطرفين بسبب القمع (نعرف أن السجون هي مساحات للتطرف الديني والسياسي بالنسبة للكثيرين من شباب الجيل الثاني).

أما المنظمات المعتدلة فنددت بشدة باللجوء إلى العنف، وتقوم بدور الوسيط. وتسعى هذه المنظمات لاكتساب شرعية أمام السلطات والرأي العام الفرنسي من خلال لعب دور الوسيط العاقل والمدافع عن فكرة "المسلمين والمواطنين".

مفتاح المشكلة

فيما ترفض بعض المجموعات الإسلامية الأخرى تدخل المقامات الدينية في الأزمة الحالية لأنها ترفض أي علاقة بين الإسلام والضواحي. لكن خارج هذه المنظمات، صُدم الكثيرون من المسلمين المعتدلين والذين لا يعيشون بالضرورة في الأحياء بواقع أن الحكومة لم تقدم الأعذار بعد أن طالت قنبلة مسيلة للدموع أحد الجوامع.

وأكدت الأزمة أن الإسلام لا يُعامل كباقي الديانات في فرنسا وهنا يكمن مفتاح المشكلة: بينما تقوم مشاكل الأحياء الصعبة على الأوضاع الاجتماعية، يتم الخلط بين المسلمين وسكان الضواحي.

يُعتبر النقاش حول الإسلام على أوجه في فرنسا وهو الذي أوصل إلى سن قانون يقضي بمنع الحجاب في المدارس عام 2004. غير أن كل الخطابات السياسية ومقالات الصحف شددت على "أسلمة" مشاكل الضواحي، أي إنها جعلت من الإسلام الشبكة التي ينطلق منها أي تحرك.

ويواجه تحرك أُطلق عليه اسم "لا عاهرة ولا مومس" التصرف "الذكوري" لشبان الضاحية، ولكنه أيضا يرجع سبب مضايقة الشبان للفتيات اللواتي يخرجن بمفردهن ومن دون حجاب إلى الديانة الإسلامية.

لكننا ننسى أن الأحياء المغلقة تتشابه كلها مهما كانت ديانة سكانها: ففي الأحياء التي يقطنها السود واللاتينيون في الولايات المتحدة نجد ظاهرة العصابات ذاتها المؤلفة من الصبية الذين يتحكمون بالشارع ويعتاشون من أعمال التهريب وهم بالأخص من محبي سيطرة الذكور. فالرجولية هي التي تنتشر أينما سيطر العنف وليس لهذا أي علاقة بالدين.

في الواقع، لا تعبر هذه الأحياء عن الثقافة الإسلامية التي تسعى للاعتراف بها. فاللغة العربية اختفت وحلت مكانها الفرنسية كما تفسخت العائلات وانهارت سلطة الأب. ونجد اليوم الكثير من العائلات المغربية الأصل أحادية الأبوين، وفي معظم الأحيان يعيل الشبان العائلة (غالبا مال التهريب المشكوك في شرعيته).

أما التراتبية فهي سلطة القوة والمال وليس العمر والحكمة، ولا نجد في هذه الأحياء قادة من رجال الدين، حتى أن الإمام لا يتمتع بسلطة خارج حدود الجامع. ولا يشكل تعدد الثقافات أي رهان لأن هذه الأحياء لا تعبر عن ثقافة عربية مسلمة بل ثقافة متدنية المستوى مستوحاة من المدن الغربية، وهي ما يُسمى بثقافة الشبان أو ثقافة الشارع.

فنموذج هذه الثقافة مستوحى عن الشبان السود في أمريكا وليس من القاهرة أو مكة. والجدير ذكره أنه في دبلجة أفلام هوليوود إلى الفرنسية، يتكلم السود الأمريكيون بلكنة شبان الضواحي الفرنسيين.

فرنسيون على الأوراق

غير أن الشبان الثائرين لا يطلبون الاعتراف بهم على أنهم أقلية لها حقوقها وخصائصها، فهم آمنوا بالنموذج الفرنسي القائم على الاندماج، وأرادوا أن يكونوا فرنسيين حقيقيين لكنهم يشعرون بأنهم أخطئوا لأنهم ليسوا فرنسيين سوى على الأوراق فقط. وهم في العمق يحتجون على فشل نموذج الاندماج في المجتمع الفرنسي ولكنهم لا يملكون نموذجا آخر، لهذا يحرقون أدوات الترقية الاجتماعية التي أفلتت من بين أيديهم من مدارس ومراكز اجتماعية. غير أن غضبهم يرتد عليهم وهذا بالتأكيد ليس انتفاضة.

تشكل الضواحي مسألة على حدة ومسألة الإسلام في فرنسا مسألة أخرى. لكن الطبقات المتوسطة قدمت نموذج الاندماج الإيجابي. ومهما كانت المصاعب التي تواجهها فهي عبارة عن مواطنين فرنسيين مندمجين في النسيج الاقتصادي والاجتماعي. فهؤلاء غادروا الأحياء التي ولدوا فيها واشتروا منازل صغيرة وأسسوا تجارات في المدن وشركات للمعلوماتية، وبعضهم أطباء يعملون في المستشفيات... ولطالما تعرضوا للإهمال ليس فقط من وسائل الإعلام بل أيضا من رجال السياسة؛ لأن الأحزاب السياسية الفرنسية لا تفتح لهم أبوابها. غير أن هذه الطبقة المتوسطة هي من تحرك عجلة الأعمال الحياتية الفرنسية.

اقرأ أيضا:


* نشر المقال في جريدة "الحياة اللندنية" بتاريخ 13/11/2005.

** أستاذ في معهد الدراسات العليا في باريس، متخصص في الشئون العربية والإسلامية.


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع