كان
محمد صادق الصدر يؤمن بنظرية الولاية العامة
للفقيه (المرجعية الدينية السياسية) ويرى
ضرورة تعدد المرجعية وألا تقتصر على شخص
واحد؛ لأن قيادة الأمة والبت في شئونها يجب
أن تكون بيد مجلس يضم مراجع التقليد وليس
مرجعًا واحدًا، كما أن المرشح لعضوية هذا
المجلس لا بد أن يكون فقيها ومستنبطا
للأحكام.
والصدر
في موقفه الداعي لضرورة تعدد المراجع في
الولاية العامة يختلف عن المدرسة الفارسية (الإيرانية)
التي ترى بوحدانية المرجعية السياسية
والدينية في شخص واحد بحيث يكون الولي
القائد متحدًا واقعيًا مع المرجع العام في
التقليد.
وعلى
الرغم من كون السيد محمد باقر الصدر (الصدر
الأول ـ عم السيد محمد صادق الصدر) يعتبر أول
مرجع عراقي يتصدى للعمل السياسي العام
للشيعة، واتجهت أفكاره نحو بلورة مشروع
إسلامي متكامل يطرح نفسه بديلا للمشاريع
العلمانية باتجاهاتها القومية الليبرالية
والشيوعية مع إيمانه بنظرية الولي الفقيه
فقد سعى إلى استنفار الحوزة العلمية لتحقيق
هدفه من أجل إقامة حكم إسلامي في العراق على
غرار ما حدث في إيران، وعلى الرغم من أن
الصدر الثاني قد تأثر بأفكار عمه الصدر
الأول فإن أفكار السيد محمد صادق الصدر
اتجهت نحو العمل العام حيث انغمس في دنيا
العشائر من خلال تصديه للإفتاء في القضايا
اليومية.
ويمكن
القول إن شيعية الصدر الأول أصولية نضالية
طرحت على نفسها مهمات ثورية وانقلابية، في
حين كانت شيعية الصدر الثاني سلفية اتجهت
إلى التدخل في حياة الناس اليومية، ويمكن
القول –أيضا- بأن الميول الشعبوية للصدر
الثاني لم تقتصر على الانخراط في القضايا
العشائرية والميل إلى إيجاد تسوية بين الشرع
والنظام العشائري، ولكنها سعت لإيجاد صيغة
علاقة بين الشرع والحياة؛ ومن ذلك تعاليم
الصدر لسكان ضاحية الثورة ألا يسمحوا لمحال
بيع الأشرطة الموسيقية بالتواجد فيها.
"
نعم نعم للجمعة..." إنها العبارة التي
أطلقها السيد محمد صادق الصدر عندما أفتى
بجواز إمامة صلاة الجمعة عام 1997، ولم تكن
تقليدًا سائدًا لدى الشيعة في العراق ومن
قبلها وبالتحديد منذ قيام الثورة الإسلامية
في إيران (1979) لم تكن شعيرة الجمعة أو صلاة
الجماعة تقام بل كانت فريضة غائبة بدعوى أن
إمامة الجمعة والجماعة للإمام المهدي
الغائب (الإمام الثاني عشر لدى الشيعة
الإمامية) أو من ينيبه واختلفت الاجتهادات
الفقهية حول هذه المسألة.
حيث
ظهر رأيان الأول يرى بضرورة إقامة هذه
الشعيرة بناء على الفكرة الإيجابية لظهور
الإمام المهدي وضرورة الإعداد لذلك،
والثاني يرى عدم جواز إقامة هذه الصلاة؛ لأن
ذلك مرتبط بالإمام المنتظر.
وأدى
هذا الاختلاف حول مسألة صلاة الجمعة إلى
تعطيل إقامة هذه الشعيرة لفترة طويلة من
الزمان، إلى أن جاءت الثورة الإسلامية في
إيران 1979 والتي قادها الخوميني والذي استنبط
بدوره مبدأ الولاية العامة للفقيه، ومن ثم
أصبح للولي الفقيه حق إمامة المسلمين في
صلاة الجمعة والجماعة أو تعيين من ينوب عنه
في إقامتها، ولم تعد صلاة الجمعة بعد توليه
المرجعية الدينية والسياسية مجرد فريضة
غائبة، بل أصبحت أساسًا من أسس قيام النظام
ومتكأ يعتمد عليه حكامه في ربط الدين
بالسياسة في رباط يلتف حوله الشعب فأصبحت
تتجلى في تلك الشعيرة صورة الوحدة الوطنية
وتأييد جماهير الشعب للنظام الحاكم، وأصبحت
الجمعة مقترنة بالتثقيف الاجتماعي والسياسي
لمؤيدي النظام.
وقد
أفتى الصدر الثاني بضرورة إقامة صلاة الجمعة
باعتبارها نموذجًا لمفهوم الحكم الإسلامي،
وباعتبارها معلمًا لمفهوم القيادة الشعبية
الدينية، وقاعدة للتواصل بين القيادة
والقاعدة الشعبية، وهو ما ميز أتباع الصدر
عن غيرهم في العراق، حيث يخالف أتباع
المرجعية التقليدية بالنجف الأشرف أتباع
التيار الصدري من حيث الإيمان بالولاية
العامة للفقيه، والتي ترفضها مرجعية النجف،
ومن ناحية دور المرجعية الدينية السياسية
وحدود تواصلها مع العامة من الشعب، إضافة
إلى الاختلاف في صلاة الجمعة.
وقد
حرص الصدر الثاني على إقامة صلاة الجمعة
بانتظام في مسجد مسلم بن عقيل بالكوفة، كما
كانت تقام الصلاة في العديد من المدن
العراقية الأخرى وأشهرها ضاحية الصدر في
مسجد المُحسن، وعكف السيد الشهيد الصدر على
تعيين عدد كبير من مساعديه لإمامة صلاة
الجمعة في أنحاء البلاد المختلفة وهم يشكلون
شبكة كبيرة ممتدة في معظم العراق.
وتُعد
إقامة صلاة الجمعة من صلاحيات الزعامة
باعتبارها فرعًا من شجرة الولاية والإمامة
وهو ما يعني أن الأئمة المعينين من قبل
الزعيم أو الإمام الولي يتلقون التعليمات
منه ويعبرون عن سياسته وليست لهم الحرية في
التعبير عن اجتهاداتهم الفقهية بما قد يخالف
توجهات الولي الفقيه بالرغم من كونهم علماء
دين ومراجع دينية.
وتشمل
خطبة الجمعة تناول كل القضايا والمشكلات
التي تهم عامة الناس سواء كانت اجتماعية أو
اقتصادية أو ثقافية أو سياسية أو دينية
وتستمر شعائرها ما بين 4 إلى 5 ساعات حيث يوضع
لها برنامج محدد يعلن للمواطنين متضمنًا
أسماء المتحدثين قبل الصلاة وموضوعات
أحاديثهم.
وكان
الصدر الثاني يرتدي كفنه أثناء ذهابه للصلاة
بسبب مضايقات النظام البعثي السابق في
العراق، وكان يطالب جمهور المصلين معه أن
يرددوا خلفه عبارة "نعم نعم للجمعة" وهو
ما أثر في وجدان أتباع التيار من الشيعة،
ويمكن القول بأن صلاة الجمعة التي أعاد
الصدر الثاني بعثها من ضاحيته ببغداد مكنته
من الاتصال بحياة الناس ومن إقامة صلة
موازية للصلات التي كان يقيمها معهم عبر
رؤسائهم العشائريين.
 |
|
محمد باقر الصدر
|
كان
للتغيير الإيجابي الذي طرأ على الحوزة
الدينية الشيعية في اقترابها من عامة الشيعة
وبسطائهم، والخطاب الديني الذي لامس قضايا
ومشاكل الجماهير الشيعية في العراق تأثير
كبير في التقريب بين المرجعية الدينية
الشيعية بزعامة الصدر الثاني وبين العشائر
العراقية، خاصة في ضاحية الثورة (الصدر)
والتي يهيمن عليها الطابع العشائري.
ويلاحظ
أثناء النظام البعثي صعود القيم والتقاليد
العشائرية، وصارت قيم العشيرة أحد أبرز
منظومات النظام، وظهر ذلك بوضوح في الألقاب
والمعاني التي تطلق على شيوخ العشائر
وتحولهم إلى مراكز قوة ونفوذهم في البلاد،
وازدادت الأمور تعقيدًا في ضاحية الصدر
والتي يشكل سكانها ثلث سكان العاصمة بغداد
وأغلبهم من الشيعة.
وقد
سعى السيد الصدر وحوزته الناطقة إلى ملامسة
حياة سكان تلك الضاحية والتقريب بين الحوزة
والفقه الشيعي من ناحية وبين العشائر
والتقاليد العربية من ناحية أخرى، وقرر
التعرض لهذه الأعراف والتقاليد العشائرية
من دون الاصطدام بها ومعالجتها من خلال
إيجاد أرضية للتوافق معها فكان إصداره لكتاب
"فقه العشائر" والذي تعرض فيه لكثير من
الأحكام العشائرية محاولا التوفيق بينها
وبين الأحكام الفقهية وإيجاد مخارج مقبولة
لها، وهو ما انعكس في توطيد علاقته بمشايخ
العشائر المحليين في الضاحية.
وأمام
ذلك أضحى الناس في الضاحية يتحدثون بلغة
الشرع والفقه، وبات من المعتاد ترديد كلمات
كالحوزة الدينية والأولياء والمعصومين
وغيرها من الكلمات الشيعية، وأصبح التدين في
هذه المنطقة موروثا لدى أهلها كما عشائريتهم
والتشابه بين الأمرين يصل إلى حد التداخل.
ويمكن
القول بأن نجاح السيد محمد صادق الصدر في
تفعيل العلاقة بين المرجعية الدينية وبين
العشائر مرجعه إلى اقترابه نصف المسافة في
اتجاه السنن العشائرية واقتراب العشائر
الأخرى نصف المسافة الثاني فالتقيا في ضاحية
الصدر (الثورة سابقا) فأضحى الحكم الشرعي هو
للمرجعية والحكم الوضعي لشيخ العشيرة
كأرضية مشتركة تجمع بين الاثنين.
المصادر
والمراجع:
1. د.أحمد
راسم النفيس: الشيعة في العراق بين الجذور
الراسخة والواقع المتغير "رؤية شيعية" -مركز
المحروسة للنشر، القاهرة 2005.
2. إسحاق
نقاش : شيعة العراق- دار المدني- سوريا 1994.
3. د. رفعت
سيد أحمد: من الدين إلى الثورة... الإمامان
موسى الصدر وباقر الصدر نموذجا، دراسة في
الفكر والحركة -مركز يافا للدراسات- القاهرة
2003.
4. زاهر
كاظمي (محررا): أزمة شيعة العراق- منشورات
مؤسسة الخوئي الخيرية- لندن 2002.
5. حازم
صاغية: قصة البعث في العراق (11 – 11) سلسلة
تحقيقات منشورة بجريدة الحياة اللندنية،
14/4/2003
6. حازم
الأمين: جمهورية مقتدى الصدر، (6 – 6) سلسلة
تحقيقات منشورة بجريدة الحياة اللندنية
10/7/2003
7. الولاية
والسلطة في الفكر السياسي الشيعي، مقالة
مترجمة، مجلة مختارات إيرانية، عدد 44 مارس
2004 مركز الدراسات السياسية بالأهرام.
8. مجلس
توجيه أئمة الجمعة، مقالة مترجمة، مختارات
إيرانية عدد 264 مايو 2004، مركز الدراسات
السياسية بالأهرام.
اقرأ
أيضا: