كان
الفيلم الأول في التظاهرة حمل عنوان "العراق
إلى أين؟" للمخرج العراقي المقيم في
كندا باز شمعون البازي. وقد عاش المخرج خارج
العراق 27 عاما، مدة الفيلم 19 دقيقة، وهو من
إنتاج أنكيدو للإنتاج، ومركز السينما
الكندي لعام 2004.
تأتي
أحداث الفيلم قبل 75 يوما من أسر الجيش
الأمريكي لصدام حسين كما يذكر مخرجه، وتبدأ
مشاهده من الأردن؛ حيث تقابل الكاميرا
مجموعة من العراقيين ممن لم يعودوا قادرين
على عبور الحدود، وهم يتوزعون بين عمال بلا
عمل، وسائقي شاحنات، ولاجئين قلقين، وتجار
صغار.
تتجول
الكاميرا أمام أحد المطاعم والمقاهي
الشعبية؛ حيث يصطفون عشوائيا على كراسيها
يرتاحون من عناء سفر وغربة، وينظرون للعراق
القريب البعيد! ليبدأ الجدل والحوار والنقاش
الساخن حول مستقبل العراق من ماضيه.
في
هذا اللقاء العفوي المر تفتح الذاكرة
دفاترها بما قبل صدام حسين، ومرورا على
عهده، وانتهاء بواقع العراق الذي ما كانوا
يحلمون أن يكون كما هو عليه اليوم.
الأمر
أشبه "بمؤتمر شعبي" في مقهى بسيط، تعرض
فيه آراء العراقيين عن أنفسهم التي يجهدونها
في تذكر سنوات الحرب والعقوبات، وتذكر
الاعتقال التعسفي والتعذيب، والخوف من
الإعدام، وانتقاد النظام وصدام، والحنين
لصدام في بعض الأحيان.
يلعنون
الاحتلال كما يلعنون زمن صدام، ويتساءلون
بحرقة عن خير العراق، ويؤكدون بتسليم وعفوية
أن "العراق سيبقى لكل العراقيين".
تخرج
الكاميرا من مؤتمرها الشعبي، وتتجه صوب
العراق عبر طريق طويل مصفوف بالشاحنات
المحملة بالبضائع المتجهة إلى العراق في
مصيرها المجهول.
أما
فيلم المخرج هادي ماهود -وهو عراقي مقيم في
أستراليا- فقد حمل عنوان "العراق موطني"
ومدته 52 دقيقة في رغبة من مخرجه للتأكيد
على وطنه الذي يبقى رغم الغربة والشتات.
يعتبر
فيلم ماهود رصدا لرحلة عودته إلى مدينته
السماوة، ذات الأغلبية الشيعية، ومن ثم
يحاول أن يطلعنا على أحوال المدينة التي
تعاني ويلات الحرب والماضي.
فلأول
مرة بعد ثلاث عشرة سنة يعود المخرج من غربته
إلى العراق، ليضعنا في فيلمه الذي عمل
لإخراجه عاما ونصفا، محاولا رصد مدينة
عراقية بعيدة عن بغداد التي تركز عليها كثير
من الأفلام العراقية والأجنبية.
تتجول
كاميرا ماهود، وتتصيد أبطالها غير
المحدودين، وتأخذ باستعراض الكثير مما
يصادفها؛ فنرى الصبي "أحمد" الذي لم
يجتز عامه الثاني عشر، والذي فقد مهنته
كعامل بناء بعد أن سرقت معدات معمل الإسمنت
في السماوة؛ ليتحول إلى بيع الرصاص؛ حيث
يقود المخرج إلى تفاصيل المدينة وأسرارها،
مثل: غرف تعذيب دائرة الأمن العامة، إضافة
إلى سجون قطاعات التحالف في المدينة التي لا
يتوفر فيها أدنى حد من الخدمات، ويجلب
الشباب العراقي إليها بسبب ودون سبب.
يتخلل
الفيلم شخصية "مجيد" مجنون المدينة
وحكيمها الذي يركز الضوء على المواقف الحرجة
التي مرت بها البلاد خلال حقبة نظام صدام،
كما يتناول الشريط الفوضى السياسية
والأمنية، والفساد الإداري، ويكشف مخرجه -إلى
حد ما- حقيقة العراق الجديد الذي يقاتل من
أجل الحرية والديمقراطية ومستقبل أفضل.
وفي
أثناء التصوير يحاول المخرج أن يصور انفجار
سيارة مفخخة، وأمام رغبته الجامحة في تصوير
المشهد ينهال عليه عناصر رجال الشرطة
بالضرب، محطمين كاميرته.
كما
يتعرض الفيلم للسجناء العراقيين، وطبيعة
الحياة في السماوة، والتفجيرات التي تستهدف
دوريات الشرطة، والجنائز الشيعية، والمدافن
الجماعية، وعمل الجيش الياباني، وواقع
البنية التحتية في المدينة، ومواقف
المواطنين السياسية، وطبيعة الحياة في هذه
المدينة المحافظة.
المخرج
يرفض أن ينهي فيلمه بهذا الكم من الحزن ليسير
بالمشاهد إلى لحظات عرسه على فتاة عراقية
يتزوجها في جو جميل، في محاولة رمزية لرسم
صورة جميلة ومشرقة لمستقبل العراق يضاعفها
النشيد العراقي "موطني"، وحالة صغيرة
نسبيا من التطور والتقدم الذي تشهده المدينة
بدخول الكمبيوتر والإنترنت واستعمال
الفتيات له.
اللغة..
والأجنبيات
أما
فيلم "اللغة" -ومدته 6 دقائق، للمخرج
العراقي سمير زيدان- فهو يخرج من إطار
الفيلمين السابقين متحدثًا عن مشكلة
المغتربين العراقيين المتزوجين من أجنبيات؛
فكثير منهم لم يتمكن من تعليم أطفاله اللغة
العربية، وبالتالي تكون لغة البلد الأجنبية
هي أداة التواصل بين الأب وأطفاله، وبين
أطفال الأب وأهله داخل العراق.
الفيلم
يبين برمزية وبأسلوب فني تعبيري ذكاء الطفلة
"ماجدة"، عندما تتصل بها عمتها من
العراق عبر الهاتف لتجد أنها لا تجيد
العربية عندما تسألها عن الحال.
الأب
الذي يحاول جاهدا أن يغير هذا الواقع يحاول
تعليم ابنته ماجدة مقاما عراقيا عبر عزفه
على شبابته مقطوعة "يلي نسيتونا.. إمتا
تذكرونا" كبداية لتعليمها اللغة العربية.
وغداة
الاتصال الثاني نرى الطفلة تتواصل مع عمتها
على خط الهاتف بعزفها المقطوعة الموسيقية
العراقية على نغم الشبابة مستعيضة بها عن
عدم تمكنها من اللغة العربية.
الفيلم
على بساطته نراه يحفل بالرمزية، ويحمل قدرا
كبيرا من التعبيرية الفنية الرائعة التي تمس
مشكلة كبيرة يعاني منها، ليس أبناء
العراقيين المغتربين وحدهم؛ بل والعرب أيضا.
الصحافة
وواقعها
فيلم
"العلكة المجنونة" -تسجيلي قصير
مدته 29 دقيقة، للمخرج عمار السعيد، وهو من
إنتاج الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات
والإعلام- يحكي واقع العمل الصحفي في العراق
في ظل الاحتلال والتفجيرات اليومية التي
تشهدها المناطق العراقية.
يبدأ
الفيلم ببطله "يحيى" وهو صحفي شاب يعمل
في إحدى الصحف، ويعيش ضغوطا هائلة بفعل
التغطية الصحفية التي يقوم بها.
يتساءل
يحيى عما يجب أن يقوم به في وضع بلده، وكيف
يكون صحفيا موضوعيا وغير متحيز؟ ويتساءل عن
سر هذا الواقع الإعلامي الذي يحفل بوسائل
الإعلام (هناك ما يزيد على 180 صحيفة، و20 قناة
تلفزيونية) بمجرد قدوم الاحتلال، وعن
الطريقة التي يجب أن يتخذ فيها قراراته وسط
الأجواء الخانقة، والحرية الجريحة متحملا
مسئولية اختياره ليقول لنفسه: "أنا ضائع
مع حريتي المفقودة".
يقول
مع نفسه بحيرة: إنه كان يحصل على الخبر من
وزارة الإعلام العراقية وينشره كما هو، أما
اليوم فهناك حرية ممنوحة وغير مضمونة
ومنقوصة بفعل واقع العراق وكثرة الأطراف،
وتداخل مصالحها داخل العراق.
كما
يتعرض الفيلم عبر مجموعة مقابلات مع صحفيين
عرب وأجانب وعراقيين عارضا واقع عملهم
الصعب، وسط تحدي الموت أو الخطف الذي
يقابلهم في كل تحركهم، لا سيما أن أكثر من 60
صحفيا قتلوا في العراق نتيجة لتغطيتهم
للعدوان عليه.
سنوات
الرماد
بعد
العرض السريع والموجز لا بد من التنويه بأن
الأفلام الأربعة السابقة وغيرها، فضلا عن
فيلمي (سنوات الرماد) للمخرج محمد توفيق الذي
يحكي قصة ضابط عراقي عانى جسديا ونفسيا لمدة
20 سنة قضاها في الحرب والأسر والاختفاء في
أثناء النظام العراقي السابق، وفيلم "ست
عشرة ساعة في بغداد" لطارق هاشم الذي
يعتبر محاولة لامتحان ذاكرة مخرجه بعد 23
عاما في المنفى قضاها بعيدا عن بغداد، وهما
فيلمان عُرضا خارج المسابقة الرسمية في
الإسماعيلية، هي نماذج من السينما العراقية
المعاصرة وليست السينما العراقية المعاصرة.
لكننا
لا بد من الاعتراف بأن هذه الأفلام تشكل صورة
ما، وحتى لو لم تكن متكاملة الملامح لكنها
تحمل إجابة ما على بعض التساؤلات، وتفرعاتها
التي أثيرت في بداية المقال.
بداية
يبدو واضحا أن الأفلام المنتجة هي في مجملها
نتاج لعودة سينمائيين عراقيين إلى العراق
بعد أن كانوا خارجه لغير سبب؛ فمثلا لم نر في
المهرجان وغيره في المشاركات العراقية في
المهرجانات الدولية أفلاما لمخرجين كبار
على غرار: قيس الزبيدي وقاسم حول مثلا، وعبر
تصفحنا لقائمة المخرجين الجدد الذين ظهر
إنتاجهم بعد احتلال العراق نكتشف ذلك، ونسبة
كبيرة منهم سينمائيون عائدون من غربتهم،
ويحملون توجهات سياسية معينة ضد نظام الحكم
السابق.
غياب..
الاحتلال والمقاومة
وربما
هذا يجعلنا نفهم سر هذه الأفلام وابتعاد
مخرجيها عن التعامل مع ثنائية الاحتلال
والمقاومة، أو التعاطي مع وقائع الاحتلال
وخراب العراق بقدومه؛ بل وضعت تلك الأفلام
النظام السابق في مقام الاحتلال الأمريكي
البريطاني، وفي أفلام مختلفة لم نشاهد
الاحتلال قط، وفي بعضها ظهر الاحتلال كأداة
لحفظ الأمن والنظام واسترداد البسمة.
وربما
هذا يجيب عن تساؤل حول الكيفية التي يجب أن
نفهم أو نقرأ فيها هذه الأفلام، وهذا يأتي في
سياق تاريخي (زماني)، وسياق مخرجيها الذين
جاء أغلبهم من المنافي أو كانوا مغتربين،
وبذلك نصل إلى تحليل منطقي لطريقة معالجتها
وطرحها لإشكالية العراق، وما همش من المشهد
العراقي الكبير في ظل الاحتلال.
ثنائية
المضمون والتمويل
للوهلة
الأولى يكتشف المشاهد أن هناك غيابا تاما
وكاملا لسينما عراقية تطرح القضايا
الكبيرة؛ كثنائية الاحتلال والمقاومة
وتداعياتهما، أو المقاومة وعمليات
التفجيرات التي تطال المواطنين والمساجد،
أو الحديث عن قضايا كبيرة مثلما حدث في سجن
أبو غريب، وحال المعتقلين العراقيين،
وحالات الخطف، أو عمالة الأطفال وواقعهم...
إلخ من القضايا التي تشد عدسات المخرجين.
بل
نجد هذه الأفلام تستميت في تذكر الماضي (صدام
حسين وجرائمه)، وتتعامل مع الواقع (الاحتلال)
دون وضعه في مكانه الصحيح كمسبب أساسي
للدمار والقتل، ونادرًا ما نرى على لسان
المواطنين انتقادا لاذعا له، ويمكن تفسير
هذا الموقف ضمن ثنائية: المضمون والتمويل،
إضافة إلى سياق المخرجين الزماني والمكاني
أيضا.
وبشكل
عام فإن السينما العراقية تحظى باهتمام غربي
كبير؛ فمثلا شهدت بغداد بعد أسابيع من
مهرجان الإسماعيلية أول مهرجان دولي للفيلم
القصير، شارك فيه 100 فيلم من العراق فقط؛ وهو
بدعم ألماني، كذلك هناك دعم هولندي في فيلم
"غير صالح للعرض" للمخرج "عدي رشيد"،
وهذا حال فيلمي "العراق إلى أين؟" و"العراق
موطني"، وغير ذلك كثير.
والمؤكد
أن التمويل يؤثر في مضمون الفيلمن أ ولو
لاشعوريا، ونحن هنا لسنا ضد نقد النظام
العراقي السابق، لكن المطلوب من الأفلام أن
تعطي صورة كاملة، ومشهدا عاما عن الأوضاع في
العراق.
ويرى
السينمائي العراقي "إنتشال التميمي"
أنه رغم الدعم الغربي للأفلام العراقية فإن
الإنتاج في مجمله يعود إلى محاولات شخصية من
قبل مخرجين يضعون تصوراتهم عن الأفلام، ثم
يعرضونها على مموليين، وبالتالي هي نتاجات
لآراء مخرجيها الذاتية، وتصوراتهم في إطار
خالٍ من الرقابة في أقل أشكالها.
لكن
قضية التمويل الغربي تدفعنا في هذا المجال
للخوض في إشكالية الهوية؛ وهذا ما دفع البعض
للقول بأنه من الصعب الحديث الآن عن سينما
عراقية، ما دام يغلب على إنتاجها تمويل غربي.
العراق
أكثر غموضا
يرى
الناقد السينمائي بشار إبراهيم أن الأفلام
العراقية لا تحدد صورة العراق، لكنها تجعله
أكثر غموضا، كما يلحظ أن هناك تجاهلا
واختفاء لمناطق سنية منها، وقد يعود هذا،
ربما، لواقع هذه المناطق التي تشهد ساحات
حرب حقيقية.
وإجمالا
فإن هذه الأفلام لا تشكل عبر تراكمها صورة
للعراق؛ بل هي رصد غير متواز للحظة التي تنتج
فيها، وذلك كله جاء وفق رؤى مخرجيها
وتصوراتهم الذاتية، كما أنها لا تجيب عن
أسئلة بل تطرح أسئلة وإشكالات، لكنها أسئلة
ناقصة وغير شاملة بشكل لا يمكن تبريره.
ومن
ثم لم تنجح الأفلام السينمائية العراقية في
تشكيل صورة متكاملة لهذا البلد؛ ولذا يعاب
على المخرجين العراقيين تركيزهم على وجه
واحد للعراق، في حين تشتد الحاجة إلى رؤية
وجوهه كلها.
إقرأ أيضا:
سينما
السجون" المغربية.. هل تنتقل للعالم
العربي؟
"الجنة
الآن".. الاستشهادي على شاشة السينما
سينما
القضية بنكهة غربية!
الوجوه
الأخرى للحكاية الفلسطينية
التمويل
الأوربي للسينما العربية.. تجارب وآراء