وقد
طبع خصوم الإمام محمد عبده -وكان وقتها مفتي
الديار المصرية- سؤالا باسم المواطن "محمد
عبده البابلي"، ووزعوه على الجمهور ينص
على "هل رفع الحجاب عن المرأة وإطلاقها في
سبيل حريتها بالطريقة التي يريدها صاحب كتاب
"المرأة الجديدة" يسمح به الشرع أم لا؟".
فاعتصم
"محمد عبده" بالصمت، وترك الكلام لمجلة
"المنار" التي نشرت في عدد 6 فبراير 1901
ما يلي:
1-
أن الاستفتاء جاء على خلاف المعهود بأن وزع
على الجمهور.
2-
أن الجواب عليه يستلزم قراءة الكتاب، في حين
أن المفتي مثقل بالأعمال.
3-
أن الفتوى لا يفهمها الناس إلا إذا قرءوا
الكتاب؛ وهو ما يؤدي إلى نشر ضرره إذا كان
ضارا.
4-
أن فتوى الإمام ستكون على المذهب الحنفي
الذي عينته الحكومة ليفتي على أساسه، في حين
أن بعض المذاهب قد أباحت كشف المرأة لوجهها
ويديها، وجواز معاملة الرجال في غير خلوة،
وهذا كل ما يطلبه الكتاب من إبطال الحجاب، ثم
استطردت المنار لتقول: "كل هذا يدلنا على
أن السائل أخطأ في السؤال، وأنه لا يلقى
جوابا".
وكانت
مجلة "المنار" التي يصدرها الشيخ "محمد
رشيد رضا" هي أول مجلة بادرت إلى تأييد
قاسم أمين، فقالت في أحد أعدادها: "إن أكثر
المنتقدين يسيرون في انتقادهم على غير هدى،
ويثرثرون بما تمليه عليهم خيالاتهم التي
أثارتها أهواؤهم وعاداتهم".
ثم
عادت تقول في عدد تالٍ: "إذا توهم بعض
القراء أن ما ورد في كتب الفقهاء من استحسان
عدم كشف وجه المرأة وعدم مخالطتها بالرجال
دفعا للفتنة هو من الأحكام الدينية التي لا
يجوز تغييرها؛ فنقول: إن هذا الاعتراض مردود
بأن الأحكام الشرعية جاءت في الغالب مطلقة
وجارية على ما تقتضيه العادات الحسنة ومكارم
الأخلاق، ووكلت فهم الجزئيات إلى أنظار
المكلفين، ووضعتها تحت اجتهادهم، وعلى هذا
جرى العمل بعد وفاة النبي بين أصحابه
وأتباعه".
 |
|
طلعت حرب |
لم
يكتفِ دعاة الحجاب في مصر بمقالاتهم العنيفة
على "قاسم أمين"؛ بل ألفوا عددًا من
الكتب التي تدعم وجهة نظرهم، ومن هذه الكتب:
"حكم التربية والحجاب" لمحمد إبراهيم
القاياتي، و"الجليس الأنيس في التحذير
عما في تحرير المرأة من التلبيس" لمحمد
أحمد حسنين البولاقي الغلاييني، و"قولي
في المرأة" لمصطفى صبري، ورسالة مصطفى نجا
في "مشروعية الحجاب"، و"رسالة الفتى
والفتاة" لعبد الرحمن الحمصي وغيرها.
غير
أن أهم هذه الكتب جميعها وأكثرها عمقا هو "تربية
المرأة والحجاب" لمحمد طلعت حرب الذي
يبدؤه بمقدمة يحاول أن يثبت فيها أن
المستعمر الغربي يجاهد بكل الطرق ليغير وضع
المرأة المسلمة؛ كأن المرأة وكلته للدفاع
عنها، وما ذلك إلا ليثبتوا أن الشريعة
الإسلامية قد ظلمت النساء، أما هدف المستعمر
البعيد فهو التدخل في شئون المسلمين باسم
الإنسانية وفرنجة المرأة في المجتمع الشرقي
لتتحلل كل مقوماته الاجتماعية.
وذكر
كتاب "طلعت حرب" أن الخديوي إسماعيل حين
أراد أن ينفصل بمصر عن الدولة العثمانية وعد
ملوك أوروبا إن أيدوه من أجل تحقيق هدفه أن
يبدل أحكام القرآن فيما يتصل بالحياة
السياسية والاجتماعية؛ فيفصل السياسة عن
الدين ويطلق الحرية للنساء.
وأكد
"طلعت" في كتابه أن الأديان جميعا تنفي
مساواة المرأة بالرجل مساواة كاملة، وأورد
عددا من النصوص من التوراة والإنجيل والقرآن
تؤكد وجهة نظره، وأكد أن الإصلاح الحقيقي
يبدأ باقتباس أسس التربية السليمة لكل أفراد
المجتمع من بنين وبنات، وأشار أن تربية
البنين عاجزة عن خلق جيل من الرجال الأفاضل؛
فما بالك بتربية البنات، ومن ثم فإن تربية
البنات فقط لا تخلق المجتمع الفاضل.
ولكن
المؤلف يعود بعد ذلك فيسلم برأي قاسم أمين
حين يقول: "على أنه لا شيء يمنع المرأة من
التوسع في العلوم والمعارف إذا وجدت عندها
قابلية من نفسها، وكان وقتها يسمح لها به،
كما أنه لا شيء يمنعها عند اقتضاء الحاجة من
أن تتعاطى من الأعمال بعض ما يتعاطاه الرجال
على قدر قوتها وطاقاتها".
ويلاحظ
أن بعض المؤيدين لقاسم أمين أصدروا عددا من
الكتب مثل: "رسالة في نهضة المرأة المصرية
والمرأة العربية" لعبد الفتاح عبادة، و"إكليل
عار على رأس المرأة"، و"النسائيات"
لجرجي نقولا.
وكان
لا بد أن تنتقل هذه المعركة الضخمة التي وصل
صداها قويا إلى العراق والشام.. إلى الشعر،
خصوصا في هذه الفترة التي كان للشعر فيها دور
توجيهي، وله قراؤه العديدون، يقول الشاعر
العراقي جواد الشبيبي:
منع
السفورَ كتابنا ونبينا *** فاستنطقي الآثار
والآيات
تلك
الرياض بها ازدهرت *** للناظرين شقائق
الوجنات
كانت
تكتم في البراقع خفة *** من أن تمس حصانة
الخفرات
واليوم
فتحها الصبا فتساقطت *** بعواطف الألحاظ
والقبلات
صوني
جمالك بالبراقع إنها *** ستر الحسان ومظهر
الحسنات
ولجأ
الشاعر عبد الحسين الأزدي إلى الدين أيضا
وهو لا يرى خلافا بين الناس على تثقيف
الفتاة، ولكن ما شأن الحجاب بالثقافة؟ ثم
يرى أن وراء هذه الدعوة إلى السفور دعوة
مستترة إلى المجون:
نص
الكتاب على الحجاب ولم يبح *** للمسلمين تبرج
العذراء
ماذا
يريبك من حجاب ساتر *** جيد المهاة وطلعـة
الذلفـاء
ماذا
يريبك من إزار مـانع *** وزر الفؤاد وضــلة
الأهواء
ما
في الحجاب سوى الحياء فهل من *** التهذيب أن
يهتكن ستر حياء
هل
في مجالسة الفتاة سوى الهوى *** لو أصدقتك
ضمائر الجلساء
ويهاجم
الشاعر المصري أحمد محرم قاسم أمين، ويراه
واهما في دعوته؛ فكيف تقدر النساء على ما لم
يقدر عليه الرجال؟ وكيف يحسب أن المرأة إن
سفرت وخرجت إلى الحياة تستطيع أن تفيد
المجتمع، وأن تأتي بما لم يأت به الرجال؟!!
أغرك
يا أسماء ما ظن قاسم *** أقيمي وراء الخدر
فالمرء واهم
سلام
على الإسلام في الشرق كله *** إذا ما استبيحت
في الخدور الكرائم
أقاسم
لا تقذف بجيشك تبتغي *** بقومك والإسلام ما
الله عالم
أسائل
نفسي إذ دلفت تريدها *** أأنت من البانين أم
أنت هادم؟
ونفس
النظرة نجدها عند "أديب التقي" الشاعر
الشامي فقد بدأت الدعوة إلى السفور ثم بعد
حين سوف تتعداها إلى الخلاعة التي تؤدي إلى
دمار اجتماعي:
كيف
ترضى بأن ترى حاسرات *** يتملى وجوهها الفجار
واتخذن
الخلاعة اليوم خلقا *** هو للشعب لو أفاق دمار
أما
الفريق الآخر الذي أيد سفور المرأة فقد اضطر
أن يرد على دعاة الحجاب حملتهم الدينية،
فرأى أن الدين لم يدع إلى هذا الحجاب أو إلى
سجن المرأة، وللشاعر "الرصافي" قسم خاص
في ديوانه سماه "النسائيات"، وخصصه
للدفاع عن قضية المرأة حتى لقد بلغ به تحمسه
لقضية المرأة أن تعرض لرجال الدين، ومما
قاله دفاعا عن السفور قوله:
وأكبر
ما أشكو من القوم أنهم *** يعدون تشديد الحجاب
من الشرع
على
أن أشد أنصار المرأة من الشعراء كان الشاعر
العراقي جميل صدقي الزهاوي، وكان في دعوته
متسرعا من دعاة الطفرة ثائرًا من دعاة
الانقلاب؛ فهو لا يدعو إلى خلع الحجاب، ولكن
يدعوها إلى تمزيقه، وهو لا يدعوها إلى
المطالبة بحقها، ولكن يدعوها على الثورة على
الرجال بل إلى رجمهم إن لاموها على شعورها
ورغبتها.
أسفري
فالحجاب يا ابنة فهر *** هو داء في الاجتماع
وخيم
كل
شيء على التجدد ماض *** فلماذا يقر هذا
القديم؟
انزعيه
ومزقيه فقد أنكر *** ه العصر ناضا والحلوم
ارجمي
من يلومك فيه *** إن شيطان اللائمين رجيم
لم
يقل بالحجاب في شكله هذا *** نبي ولا ارتضاه
حكيم
لا
يقي عفة الفتاة حجاب *** بل يقيها تثقيفها
والعلوم
ولم
يكن الوقت يسمح في تلك الأيام -وخصوصًا في
العراق- بمثل هذا القول؛ فقد ثار عليه
الثائرون، واتهموه بالتحامل على الإسلام،
وعزل من وظيفته حتى قبع في داره خشية أذى
الناس.
وأما
في مصر فقد أيد حافظ إبراهيم الدعوة إلى
تثقيف المرأة وإلى حجاب لا يميل إلى الإرهاق
والتضييق، ولكنه في الوقت نفسه لم يستطع أن
يدعو إلى حرية كاملة للمرأة:
الأم
مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبا طيب الأعراق
أنا
لا أقول دعوا النساء سوافر *** بين الرجال
يجلن في الأسواق
اقرأ
أيضا:
**
صحفي مصري