يمثل
الأدب الصوفي لونا من ألوان الأدب العربي
الرفيع يحمل في طياته أسمى معاني وخصائص
السمو الروحي. والشعر الصوفي نوع جديد قديم
من أنواع الأدب الفني الذي عرفته المجتمعات
الإسلامية في العصور المختلفة.
وتعد
البلاد الأفريقية غير العربية منطقة خصبة
للأدب الصوفي، ومتنفسا له، لقي فيها رواجا
كبيرا غير مسبوق؛ لأن التصوف في القارة
الأفريقية جزء أساسي من البنية الاجتماعية،
بل إنه أصبح محورا لحركاتها الإصلاحية
ودعامة للجهاد الإسلامي فيها.
وعلى
ضوء هذه الحقيقة قامت الطرق الصوفية بدور
ثقافي مهم لا يمكن تجاهله أو إنكاره على
الرغم من البدع والخرافات التي لحقت بها،
وفجرت مؤلفات أقطاب الصوفية ثورة معرفية
تركت آثارا وانعكاسات فكرية أصبحت على
امتداد العصور مصادر إشعاع معرفي متجددة،
ومثلت روافد ثرية ملهمة للإبداع الشعري
الرائع للمريدين والأتباع.
وتأتي
نيجيريا كإحدى مناطق تجليات هذه الحركة
الإبداعية الصوفية في مجال الأدب والإنتاج
الفكري؛ نظرا لأن أكثر العلماء والمفكرين في
القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين
متصوفون ومنتسبون إلى الطرق الصوفية، وزخرت
مؤلفاتهم وإبداعاتهم الشعرية بالعديد من
القضايا التي عالجوا فيها أفكارا صوفية
وتغنوا فيها بأذواق الصوفية وأحوالهم.
ولإبراز
بعض من إسهامات النيجيريين في هذا المجال،
جاء الكتاب الذي بين أيدينا بعنوان "الشعر
الصوفي في نيجيريا- دراسة موضوعية تحليلية
لنماذج من إنتاج العلماء القادريين خلال
القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين".
وهو
عمل علمي وأكاديمي رصين لمؤلفه الأستاذ
الدكتور شيخ عثمان كبر، الأستاذ بقسم اللغة
العربية بكلية الآداب والدراسات الإسلامية
بجامعة بايرو- مدينة كانو نيجيريا، والذي
صدر مؤخرا عن دار النهار للطباعة والنشر
بالقاهرة في طبعته الأولى ويقع في 458 صفحة من
الحجم الكبير.
وقد
استهدف المؤلف من وراء هذا العمل تقديم
دراسة علمية موضوعية مبنية على أسس نقدية
لإبراز ما فيها من القيم الفنية والفكرية
وللتأكيد على أهمية دور التصوف كأحد مصادر
الإلهام الشعري لدى النيجيريين والعلماء
المسلمين من الأفارقة بشكل عام.
لماذا
إبداعات رجال القادرية؟
انصب
تركيز المؤلف على نماذج من أشعار رجال
الطريقة القادرية؛ نظرا لأسباب كثيرة
ومبررات علمية ومنطقية دفعته إلى اختيار
إنتاج القادريين فقط دون غيرهم من رجال
الطرق الصوفية، منها:
-
غزارة إنتاجهم الشعري؛ إذ لا يخلو عالم من
علماء الطريقة القادرية خلال القرنين
التاسع عشر والعشرين الميلاديين من إنتاجات
شعرية تتسم بنزعة فكر صوفي صرف.
-
كثرة الإسهامات الفكرية والثقافية لرجال
الطريقة القادرية في مجال الأدب العربي
النيجيري بصفة عامة، ودورهم في تأسيس وإثراء
تجربة الدولة الإسلامية الأولى من نوعها في
نيجيريا (إمبراطورية دولة صوكوتو الإسلامية
1803-1904).
-
ارتباط طقوس الأذكار لدى القادرية بأداء
إنشاد ديني بطابع موسيقي، وهو ما وفر أرضية
كبيرة لنشر قصائد وأشعار العلماء القادريين
على أوسع نطاق، وأدى إلى تهييج وإلهاب
مشاعرهم نحو الإبداع وإنتاج شعري صوفي رفيع.
تقسيم
الكتاب
تضمن
الكتاب مقدمة وأربعة أبواب رئيسة وخاتمة،
وعرض الكاتب في التمهيد لمحة موجزة عن دور
الثقافة الإسلامية والعربية والحياة
الأدبية والفكرية في تلك البلاد خلال
القرنين التاسع عشر والعشرين وتأثيراتها في
التكوين العلمي لشخصيات العلماء والمفكرين.
وفي
الباب الأول: تحدث المؤلف عن مدلول التصوف
الإسلامي وطرقه في نيجيريا، ومعنى التصوف
واشتقاقاته، وأصوله وتعريفاته، ومفاهيمه
ومناقشة آراء المسلمين والمستشرقين فيه، ثم
تناول أهم الطرق الصوفية في نيجيريا ومناطق
انتشارها، وترجم للكثير من رجالاتها.
أما
الباب الثاني: فخصصه للحديث عن الشعر الصوفي
وخصائصه الفنية، وتناول فيه نشأة الشعر
الصوفي وتطوره ومراحله، وخصائصه، وأغراضه.
وفي
الباب الثالث: تناول تراجم شعراء الطريقة
القادرية في نيجيريا خلال القرنين التاسع
عشر والعشرين.
وفي
الباب الرابع: تناول نماذج من إنتاج الشعراء
القادريين في القرنين التاسع عشر والعشرين،
مع تحليل لبعضها، وقد احتوى هذا الباب على
أربعة فصول حسب الموضوعات الشعرية
المتداولة والواردة عن الشعراء المترجم
عنهم، وقام المؤلف أيضا بعرض تحليلي للقصائد
المختارة في كل موضوع من هذه الموضوعات
وحاول عقب التحليل كشف وإبراز بعض أهم ما
تنطوي عليه من القيم الفنية.
قضايا
الكتاب
أثار
المؤلف الكثير من القضايا المتعلقة بالأدب
والثقافة والفكر الإبداعي في نيجيريا، خلال
القرن التاسع عشر والعشرين، في مقدمتها:
- قضية روافد الحركة الثقافية والأدبية في
نيجيريا وأهم المؤثرات فيها ومظاهرها خلال
تلك الفترة، والتي أرجعها إلى تزايد الحركة
العلمية للجوامع والمساجد الشهيرة وكذلك
ظهور عدد من المعاهد الخاصة بالعلماء
المتصوفين.
-
قضية المفاهيم والتعريفات الخاصة بالتصوف
من حيث مدلول التصوف وتعريفاته الكثيرة
واشتقاقه اللغوي ونشأته وأصوله وتربيته
الروحية وآراء علماء المسلمين وغيرهم فيه.
-
بيان مفصل عن الطرق الصوفية السائدة في
نيجيريا وتاريخ دخولها البلاد، وروادها
الأوائل، وبيان تاريخ تأسيس كل طريقة وتاريخ
مؤسسها، ودورها في نشر التعاليم الإسلامية
وانتشارها في العالم وفي أفريقيا بوجه خاص.
-
تراجم عن شيوخ الطرق في نيجيريا وزواياها
وأهم رجالات الطرق من المريدين الذين ساهموا
في نشر كل طريقة في نيجيريا، وخصص بالحديث
الموسع الخلافات الموجودة بين أتباع الطرق
السائدة في نيجيريا وكان التركيز فيه منصبا
على (القادرية-التيجانية-المهدية-العروسية)
والسجال الفكري الدائر بين رجالاتها والتي
عكستها إبداعاتهم الشعرية.
وقد
وقف المؤلف طويلا عند الحديث عن رواد الشعر
الصوفي من القادرية قبل أن يستقر في ذلك على
ثمانية رجال بواقع أربعة نماذج من كل قرن،
وهم:
من
القرن التاسع عشر:
1-
الشيخ المجاهد عثمان بن فودي (1754م-1817م(.
2-
الشيخ عبد الله فودي (1766م-1829م).
3-
الشيخ محمد بللو (1779م-1837م).
4-
الشيخ يوسف بن عبد القادر القرقري (1790م- 1850م(.
ومن
القرن العشرين:
1-
الشيخ القاضي إبراهيم مبغري بن الأستاذ (1890م-1943م).
2-
الشيخ الوزير جنيد (1906م-1996م(.
3-
الشيخ محمد بن إبراهيم النفاوي (1908م-1982م).
4-
الشيخ محمد الناصر كبر (1912م-1996م).
قضايا
الشعر الصوفي
تميز
الشعر الصوفي في الأدب العربي بعدد من
القضايا والأغراض استقل بها شعراء الصوفية
وتميزوا فيها، منها:
1-
التقشف والزهد في الدنيا: ويتمحور حديث
الشعراء فيه حول الوعظ والتذكير من ناحية
والحكمة الدينية من ناحية أخرى، حيث يمثل
الزهد أحد المقامات والطرق الموصلة إلى الله.
2-
الحب الإلهي: ويمثل هذا الاتجاه أكثر
المجالات وفرة وارتيادا لشعراء الصوفية،
حيث اتخذوا الغرض أداة للاستعانة على بث
معاني القرب والتودد إلى الذات الإلهية.
3-
المقامات: ويستهدف هذا الغرض من الشعر إبراز
ما تحقق للعبد من المكاسب الخاصة من خلال
مجهوداته وعباداته وما حصل عليه من المواهب
الربانية.
4-
المناجاة: ويعد هذا النوع من الشعر بمثابة
سرد للتجربة الشخصية في التصوف.
5-
المديح النبوي: وهو من أكثر المجالات إنتاجا
وإبداعا لدى شعراء الصوفية. ويعتبره
الصوفيون من أجل أبواب القربات إلى الله.
6-
التوسل والاستغاثة: وهو من أهم خصائص الشعر
الصوفي، ويهدف إلى التماس قضاء الحاجة
بواسطة النبي وبغيره من الأنبياء والأولياء
الصالحين عند الله.
7-
مدح الشيوخ: ويستهدف هذا اللون إطراء شيوخ
الطرق الصوفية وإبراز ومآثرهم وكراماتهم
بغرض إثبات أحقيتهم في التقديم والتبجيل.
نماذج
من الشعر الصوفي النيجيري
يقول
الشيخ محمد الناصر كبر في قصيدته "لوامع
البرق في وصف حال أهل الشوق" في الحب
الإلهي:
قتيل
الشوق يرحمه السلام *** ويسقي غيرَ مفْسَدِه
الغمامُ
أشوق
إليك يا رحمن شوقا *** كما شاقتك سادتُنا
الكِرامُ
عبادٌ
عنهم الرحمن راض *** ولم يرددهمُ عنه الملامُ
يقومون
اللياليَ في تناجٍ *** ليومهمُ بلا مللٍ صيامُ
فلا
تلقاهمُ إلا وقوفا *** على الأقدام أنحلَهَا
القيامُ
يحبّون
الإله وحُق حقا *** بشرع الحب أن يُطوى
المنامُ
شراب
الشوق في الأحباب يزكو*** طعامُ الذكر ذاك هو
الطعامُ
ونور
الشوق في الأحباب يزكو *** ونارُ الشوق كان
لها اضطرامُ
وتزكو
فيهمُ شيئا فشيئا *** على التدريج يرتحِلُ
الظلامُ
وتوقد
نار ذاك النورِ وقدا *** فيحترقُ الحجاب
المُستدامُ
تظنهمُ
من الأشواق جُنوا *** وما جُنوا ولكنْ فيه
هاموا
أساموا
في الرياضِ وما أساموا *** بها ولكن بجنّتها
أساموا
جَنوا
منها قطوفا دانيات *** يوانعَ قد تعاورها
انسجامُ
فجالَ
العاشقون الهيمُ بحرا *** خضما لا يُخاض ولا
ُيعامُ
غَذَوا
أرواحهم بلبان عشق *** فهم في حِجره أبدا
نِيامُ
يقول
الشيخ عثمان بن فودي في داليته المشهورة عن
مشاعر الشوق لزيارة الرسول:
هل
لي مسير نحو طيبة مسرعا *** لأزور قبر الهاشمي
محـــمد
لما
فشا رياه في أكنافـــها *** وتكمّش الحجاج
نحو محمــد
غودرت
أنهمل الدموع موبلا *** شوقا إلى هـذا النبي
محمــد
أقسمت
بالرحمن ما لي مفصل *** إلا حـوى حب النبي
محمــد
أحكي
المصاب بشوقه لما عرى *** ما لي لذيـذ العيش
دون محمد
قد
كنت شوقا أن أطير لقـبره *** ما لي سرور دون
زورة سيـد
إن
قيل لي ماذا يشوقك في الورى *** فأقــول إني
عاشق لمحمـــد
من
عرش رب العالمين جنــوده *** مـا في الورى مثل
النبي محمــد
يقول
الشيخ أمير المؤمنين محمد بللو في التوسل
بأهل النوبة:
يا
أهل نوبة هذا الوقت للباري *** قصدتكم فأمدوني
بأنوار
أنتم
ذخيرتنا في كل نائبة *** وأنتم عوننا في نيل
أوطار
عونا
على فتح أبواب الدخول إلى *** حضرات وصل تداني
القرب للباري
فداركوني
فقد خلفت في حجب *** وغُلّق الباب دوني يا
لأخيار
اقرأ
أيضًا:
**صحفي
نيجيري