|
يعتبر
مفهوم التجديد من أكثر المفاهيم التي
تنازعتها التيارات الثقافية والفكرية
المختلفة. ولم يأخذ التجديد -كمصطلح شرعي ورد
على لسان الشرع، ونطق به العلماء والدعاة
والمفكرون كثيرا في أوساط فكرية ودعوية
ومحافل علمية- حقَّه من الفهم الصحيح له؛ بل
تجاوزت به فئات من النَّاس عن المراد الحق
منه إلى معانٍ تناقض مطلوب الشرع، وتنقض على
ثوابت الدِّين وحقائقه بالإلغاء أو المحو أو
التهوين أو التذويب أو التلاعب.
فقد
ارتبط في أذهان الكثيرين معنى للتجديد، ليس
هو المعنى الذي أُطلق عليه، بل هو معنى -حسب
فهمهم- لم يقم على أصول العلم الشرعي، ولم
يستصحب الثابت الحق الذي لا يجوز المساس به
بحال، فظنوا أنَّ للتجديد رجالاً يجدِّدون
للأُمَّة أمر هذا الدِّين. وذهب هؤلاء إلى
أنَّ التجديد يكون بالتغيير لكل وجهٍ موجود
في العصر، وبالنسخ لكل شكل يُتَعَبَّد به
الله تعالى في أوانهم، وبالتبديل لكل أصل
يقوم عليه الدِّين -علما وسلوكا- في زمانهم،
ظنا منهم أنَّ التجديد هو: التبديل، والنسخ،
والإلغاء، والتغيير بإطلاق، فيخوضون بهذا
المفهوم المعكوس الحروب ضد ما ثبت من دين أو
تديُّن، ويقودون الحملات الشرسة على كل ما
استقر من حال أو شكل لدعوة أو عبادة، دون
تمييز وتفريق بين ما يجوز فيه ذلك وما يُمنع،
وبين ما يستحق التبديل أو التغيير وما لا
يستحق، وبين الذي يصلح للأُمَّة والذي لا
يصلح لها(1).
ومن
ثم أصبح على علماء الأمة واجب أن يبينوا هذا
المفهوم الإسلامي الصميم بضوابطه وأصوله..
لا تجديد في ثوابت الدين. إذن.. فلا تجديد في
ثوابت الدِّين بحال، إلاَّ إذا قُصد
بتجديدها إزالة الغبار العالق بها، وما
أُدخل فيها من الشُبَهِ وتعلق بها من
الخرافات والخزعبلات. فتنقية ثوابت الدِّين
من هذه العوالق، وتصفيتها من الدخن والوهن
وكل ما أصابها يكون من صميم التجديد.
أما
محاولات الجهَّال ومن تربَّى على أفكار
المتشككين والمستشرقين، وأقام عود قلبه على
حب الملحدين، وأصابت عقله ونفسه أمراض
التغيير المطلق، فمحاولات أولئك ومن اتبعهم
بشبر لتغيير ثوابت الدِّين وسعيهم المستميت
في صياغتها على وفق ما ترسّخ عندهم من أفكار
وضلالات اليهود وخرافات النصارى التي تربوا
عليها في مراحل التبعية وسنّيها العجاف لا
يكون تجديدا أبدا، وإنما هو تبديد لثوابت
العقيدة الحقّة، وجوازم الدِّين التي لا
تقبل التبديل ولا التغيير ولا النسخ(2).
فهذا
لا يسمى تجديدا بل يسمى انحلالاً وتفككا
وذوبانا وموتا! وانظر إلى جميع الأديان
والمذاهب العالمية والأحزاب الكبرى لا
يمكنها أن تثبت ذاتيتها وتفرض وجودها وتدعم
وسائل بقائها إلا إذا كان لها دستور واضح
ومبادئ محددة وثوابت راسخة وأهداف محترمة(3).
ونرى أتباع هذه الأديان الباطلة والأفكار
المتخلفة المنحلة يدافعون ويناضلون في سبيل
الحفاظ على ثوابت تلك العقائد والأفكار
الشاذة. نعم.. انظروا إلى أتباع البوذية
والهندوسية والشيوعية!!.
إذن..
لا تجديد في نصوص الشرع، ولن يكون التجديد
ممكنا يوما لنصوص الشرع، من آيات الكتاب
العزيز وأحاديث الرسول الكريم، إلاَّ إذا
أُريد بذلك صياغة أصول النظر فيها، وتطوير
مسالك الاستنباط لمعانيها، وتسهيل طرائق
استخراج الأحكام منها، حتى يقدر كل من حصّل
قسطا من أدوات النظر فيها الوصول إلى
المطلوب الشرعي أو الاقتراب منه. أما إذا
أُريد بتجديد نصوص الشرع من الكتاب
والسُّنَّة الاستغناء عنها اعتمادا على
العقل وتقديما له عليها، فهذا مذهبٌ رفضته
جماهير الأُمَّة وعلماؤها ومجدِّدوها من
أهل السُّنَّة من قديم حين ظهر المعتزلة
يبالغون في تقديم العقل على النصّ، ويطرحون
ما أوصل نصّ الشرع إذا وُجد معنى عقلي مقابل،
بل ربما ردّوا نصوص الشرع في مقابل المعنى
العقلي(4).
كما
أنّ التجديد لا يمكن أنْ يكون في نصوص الشرع
بتقديم المصلحة المجردة عن الأصل المنقطعة
عنه -ولا شاهد لها منه تقاس عليه- على نص
الشرع عند المخالفة والمعارضة. وقد ظَنَّ
بعض الناس صحة ذلك، فنادوا به يزعمون أنهم
يجدِّدون به الدِّين، بشبهة أنَّ الإسلام
يعد المصلحة، وأنه ما جاء إلاَّ لجلبها ودرء
المفسدة المقابلة لها، فنشطوا يؤخرون
النصوص من أجل المصلحة، ويردونها أخذا
بالمصلحة وتقديما لها، وهذا طريقٌ رفضه
الناس حين نُصبتْ على مدرجة الشرع، وقد
صرَّح بسلوكها الطوفي(5).. يزعم أنَّ رعاية
المصلحة أقوى أدلة الشرع، وأنَّ نصوص الشرع
إذا خالفتها وجب تقديم رعاية المصلحة عليها!!.
ليتسع الخرق على الناس، يفتئت على الشرع من
هبَّ، ويعطّل نصوصه من دبَّ كلما أعجزه
العلم عن إدراك المراد أو الوصول إلى
المطلوب(6).
فهذا
كله ليس بتجديد مقبول، وليس هو الذي بشَّر به
الشرع الأُمَّة ببعث رجالها من أجله..
التجديد والابتداع. وإنَّ الذي بين التجديد
والابتداع هو ما بين الضدّين من تخالف وتضاد
وتعاكس، فلا يمكن أنْ يكون التجديد من
الابتداع، بل هما ضدّان متعاكسان:
*
الابتداع قطع عن الأصل، والتجديد إعادة
للأصل وربط به.
*
الابتداع اختراع في أصول الدِّين وفروعه بلا
دليل، والتجديد إرجاع لأصول الدِّين وربط
لفروعه بالدليل.
*
الابتداع طمس لحقائق الدِّين ومعالمه،
والتجديد إحياء لتلك المعالم بعد طمسه،
فأنَّى يجتمعان، وكيف لهما أنْ يلتقيا؟ فلا
يمكن أنْ يكون تجديد الدِّين بالابتداع فيه
يوما ما(7).
التجديد
والجديد
ويخطئ
الكثيرون حين يظنون أنَّ التجديد لا يكون
إلاَّ بإتيان جديد غير مسبوق في تاريخ
التديُّن، أو باختراع عبادة يرون أنها تناسب
العصر أو الناس أو الحال، أو بإنشاء أوامر
جديدة وتعاليم لم يشر إليها نصٌّ أو
استدلال، واهمين أنَّ البقاء على كل قديم
جمود قاتل، وأنَّ الثبات على الأصول تقليد
مذموم، وأنَّ استصحاب الماضي تعصب خاسر،
وينهض لذلك بدوافع رافضة للقديم بمجرد كونه
قديما، وهؤلاء هم الذين سخر منهم الرافعي -رحمه
الله تعالى- حين دخل معركته معهم [تحت راية
القرآن] وقال: "إنهم يريدون أنْ يجدِّدوا
الدِّين واللُّغة والشمس والقمر". وهؤلاء
هم الذين رَدَّ عليهم محمد إقبال حين قال:
"إنَّ الكعبة لا تُجَدَّد بجلب حجارة لها
من أوربا". وهم الذين أشار إليهم أحمد
شوقي في قصيدته عن الأزهر:
ولو
استطاعوا في المجامع أنكروا ** من كل ساعٍ في
القديـم وهدمـه
من
مات مـن آبائهم أو عمَّـرا ** وإذا
تقـدّم للبناية قصّـــــرا(8)
والحق
أن مفهوم التجديد -وإن كان مفهوما شرعيا-
عليه كثير من الغبار غير الذي ذكرنا، وإننا
لنهيب بالعلماء والدعاة وطلاب العلم
والأخوات الداعيات وصناع الحياة أن يبحثوا
هذا المفهوم الإسلامي الكبير (التجديد)،
ولنخرج بملامح منهج التجديد الإسلامي، من
حيث ضوابطه ومجالاته وآثاره، ومن حيث تربية
وإعداد المجددين. وأعتقد أن ظهور المجددين
على رأس كل مائة سنة لا يتحقق إلا بإعداد
مسبق، وتربية عالية المستوى، وهذا ما أثبته
تاريخنا المشرق فضلاً عن كون عملية ظهور فئة
المجددين -رضوان الله عليهم- سنة ربانية بحتة.
(1)
عبد الله الزبير عبد الرحمن: التجديد وتجديد
التدين، بتصرف.
(2)
موقع المشكاة www.meshkat.net.
(3)
أنور الجندي: شبهات في الفكر الإسلامي، ص 24،
بتصرف.
(4)
عبد الله الزبير عبد الرحمن: التجديد وتجديد
التدين، مصدر سابق.
(5)
هو: سليمان بن عبد القوي الطوفي، حنبلي في
الفقه، اشتهر بالرفض والتشيع، كما ذكر ذلك
ابن الجوزي في "ذيل طبقات الحنابلة"،
2/366 و377، وابن العماد في: "شذرات الذهب"،
6/239.
(6)
انظر: محمد سعيد رمضان البوطي: ضوابط المصلحة
في الشريعة الإسلامية، ص 202-215، مؤسسة
الرسالة، ط 4، 1402هـ - 1982م. ونجم الدين الطوفي،
ود. مصطفى زيد: المصلحة في الشريعة
الإسلامية، دار الفكر العربي، ص 15-35، من ملحق
الكتاب.
(7)
عبد الله الزبير عبد الرحمن: التجديد وتجديد
التدين، مصدر سابق.
(8)
يوسف القرضاوي، مقابلة معه ضمن كتاب
الأُمَّة، "فقه الدعوة ملامح وآفاق"،
عدد [19]، تحرير الأستاذ عمر عبيد حسنة، 2/165-166.
** باحث في التجديد الإسلامي
|