حمل
العدد الأخير (أغسطس 2005) من الجريدة
الفرنسية "لوموند ديبلوماتيك"
الشهرية مقالا للكاتب ألان جريش عن المؤرخ
والمستشرق الأمريكي برنارد لويس ونظرته
للعالم الإسلامي وعلاقاته مع الغرب.
افتتح
جريش مقالته بالحديث عن المفوض الأوربي
للسوق الداخلية الهولندي فريتز بولكستاين؛
كمثال لبعض المسئولين السياسيين الذين
يرجعون إلى أطروحات لويس لتدعيم بعض آرائهم
العنصرية، خاصة تجاه المسلمين.
ويشير
جريش إلى أن بولكستاين -الذي أثارت
تصريحاته العنصرية حول عمال أوربا الشرقية
جدلا كبيرا داخل فرنسا- يعتبر أول مسئول
سياسي في هولندا التي اشتهرت بتسامحها،
يصرح في بداية التسعينيات بأن قيم
المهاجرين المسلمين تتعارض مع قيم بلاده.
وحول
مشروع انضمام تركيا للاتحاد الأوربي و"ضغط
الهجرة (يقصد المسلمين)" يحذر قائلا: "إذا
حدث هذا فإن تحرير فيينا (من العثمانيين في
سنة 1683) لم ينفع في شيء.. لقد أوقفناهم عند
بواتييه (يقصد معركة بلاط الشهداء جنوب
فرنسا).. لقد أوقفناهم أمام فيينا.. سنوقفهم
مرة أخرى".
ولتدعيم
رؤيته يورد بولكستاين "تحذير" برنارد
لويس: "أوربا ستصبح مسلمة من الآن وإلى
نهاية القرن". ويضيف ألان جريش أن
بولكستاين ليس أول مسئول سياسي يستنجد
بالمكانة العلمية لبرنارد لويس لرفع لواء
مقاومة الغزوات الجديدة للبرابرة، ولن
يكون آخر مسئول يفعل ذلك.
ذو
وجهين
ويشبه
جريش برنارد لويس بإله الرومان جانوس؛ لأنه
مثله، لديه وجهان: الأول كباحث جامعي،
والثاني كسياسي. فبرنارد لويس الجامعي
البريطاني الذي استقر في الولايات المتحدة
الأمريكية منذ سنة 1974 معروف بتخصصه وأبحاثه
حول تركيا، ونشر العديد من الكتب حول
العالم الإسلامي. ومن جهة أخرى فهو المثقف
المنخرط منذ زمن طويل في الصراع السياسي؛
حيث يتميز بدعمه "الأعمى" للسياسة
الإسرائيلية، وإيجاده لآلاف الاعتذارات
للجنرالات الأتراك إبان استبدادهم بالسلطة
في أنقرة، وبإنكاره مذبحة الأرمن التي أدين
بسببها في فرنسا.
فمنذ
وصول جورج بوش (الابن) إلى رئاسة الولايات
المتحدة الأمريكية أصبح برنارد لويس
مستشارا مسموع الرأي، مقربا من المحافظين
الجدد وخاصة بول وولفوويتز. هذا الأخير
الذي كان مساعدا أول لوزير الدفاع الأمريكي،
والذي أشاد بلويس خلال حفل أقيم على شرفه في
تل أبيب في سنة 2002 بقوله: "لقد علمنا
برنارد لويس كيف نفهم التاريخ المعقد
والمهم للشرق الأوسط، وكيف نستعمله (التاريخ)
ليوجهنا إلى المرحلة القادمة من أجل بناء
عالم أفضل للأجيال القادمة".
وبعد
سنة من ذلك وجه برنارد لويس الإدارة
الأمريكية إلى "مرحلتها القادمة" في
العراق. لقد أوضح أن غزو العراق سينبثق عنه
فجر جديد، وأن القوات الأمريكية ستستقبل
كمحررة، وأن المؤتمر الوطني العراقي الذي
يرأسه صديقه أحمد الجلبي -المحتال العديم
التأثير- سيبني عراقا جديدا.
صدام
الحضارات
 |
|
هنتنجتون |
وأشار
ألان جريش إلى أن صراع برنارد لويس السياسي
غالبا ما تتناوله الأوساط الفرنسية بحياء
وصمت، ويضيف جريش أنه دون قصر أبحاث برنارد
لويس على التزاماته (السياسية)، فكلاهما
يربط بينهما خيط أحمر: "العالم الإسلامي
متعفن بمقاومة جوهرية للغرب".
ومنذ
سنة 1957 "اكتشف" لويس صدام الحضارات:
"إن الأحقاد الحالية لشعوب الشرق الأوسط
تفهم بطريقة أفضل إذا لاحظنا أنها تنبع ليس
فقط من صراع بين الدول أو الأمم، ولكن من
صدام بين حضارتين.
لقد
بدأ الصدام بتدفق العرب المسلمين نحو العرب
وغزوهم لسوريا وإفريقيا الشمالية وأسبانيا
المسيحية، والجدل الكبير -كما يسميه جيبون
Gibbon- بين الإسلام والمسيحية تواصل مع
الهجمة المسيحية المضادة للحروب الصليبية
وفشلها، ثم مع توغل الأتراك في أوربا
وحربهم الشرسة للبقاء فيها، ثم جاء التراجع
منذ قرن ونصف ليخضع الشرق الأوسط الإسلامي
لهيمنة الغرب -سياسيا واقتصاديا وثقافيا-
حتى في البلدان التي لم تعرف الاستعمار (...).
لقد
أجهدت نفسي لرفع صراعات الشرق الأوسط -التي
ترد دائما إلى خلافات بين دول- إلى مستوى
صدام الحضارات".
وغداة
حرب السويس كان الشرق الأوسط في غليان
القومية العربية التي تفرض نفسها بقوة في
المكان، وكان الإسلام السياسي هامشيا،
ورغم ذلك اعتبر برنارد لويس أن إرادة
الشعوب العربية في التحرر من الوجود الغربي
ليس كفاحا سياسيا، ولكنه عداوة ضد الثقافة
الغربية.
وقد
أعاد برنارد لويس فكرته الراسخة عن صدام
الحضارات في سنة 1990، لكنه ترك لصمويل
هنتنجتون مهمة الترويج لهذه الوصفة،
وباختصار يقول: "إنهم" يكرهوننا، ليس
بسبب أفعالنا، ولكن "لأنهم" يرفضون
قيمنا حول الحرية؛ "لأنهم" منذ قرنين
فقدوا قوتهم.
فكيف
نفسر تأميم جمال عبد الناصر لشركة قناة
السويس في سنة 1956؟ بكراهية المسلمين للغرب..
وسقوط شاه إيران وثورة 1979؟ كراهية الغرب..
والانتفاضات المتكررة للفلسطينيين ضد سلب
أراضيهم؟ كراهية للغرب.. أو أن المقاومة في
العراق؟ كراهية الغرب...؟ وكيف نفسر الصراع
في كوسوفو والبوسنة؟
تجاهل
للوقائع
يؤكد
برنارد لويس أن "الإسلام الذي أصبح ضعيفا
منذ قرنين بحث دائما عن دعم ليحارب عدوه (الديمقراطية
الغربية)، لقد أيد في بادئ الأمر قوات
المحور ضد الحلفاء، ثم الشيوعيين ضد
الولايات المتحدة الأمريكية: وأدى ذلك إلى
وقوع مأساتين"، ويعلق جريش ساخرا على هذا
القول: "كأن التحالف بين الرياض وموسكو
أو التحالف بين الإسلام والشيوعية طيلة حرب
أفغانستان غاب عن أغلبية المراقبين
الآخرين...".
ويصف
"جريش" برنارد لويس بأنه مؤرخ غريب؛
حيث يتجاهل الوقائع مثل: النفط ونفي
الفلسطينيين من ديارهم والتدخلات الغربية،
وقد كتب برنارد لويس: "خلال قرون عدة كان
الواقع يؤكد نظرة المسلمين للعالم
ولأنفسهم؛ فالإسلام كان يشكل أكبر قوة
عسكرية"، ويحدد قائلا: "لقد مرت النهضة
والإصلاح والثورة التقنية دون أن تنتبه لها
ديار الإسلام، وظل المسلمون يعتبرون سكان
البلاد التي تمتد من الجهة الأخرى من
حدودهم الغربية كبرابرة غارقين في الجهالة".
وعن
القرن السابع عشر الميلادي يواصل برنارد
لويس قوله: "بالرغم من احتقارهم للغرب
عموما انتبه المسلمون إلى أن الغرب الكافر
يتوفر على مهارات لا تنكر في مجال التسليح
وإدارة الحرب". ويعلق جريش على كلام لويس
بالقول بأن لويس يغطي خلال صفحات عشرة قرون
من التاريخ، تميزت بتعدد مواقع القرار في
العالم الإسلامي، والانقسامات والتحالفات
(بما في ذلك مع القوى المسيحية)، وأنه
بمقدوره أن يلخص ما يفكر به "المسلمون"،
نخبا وشعوبا، أمما وطبقات، سنة وشيعة
مجتمعين..
"إنهم
مختلفون جذريا عنا.. إنهم يرفضون حتى
الموسيقى الغربية"، يصر برنارد لويس.
فالسائح المسرع في أزقة القاهرة لم ينتبه
حتما إلى نوتات موزار أو براهمز التي تنبعث
من دكاكين الأسواق. ولكن هل سمعها حتى في
مقاهي باريس أو لندن؟ ويستنكر إدوارد سعيد
المتخصص الكبير في الأوبرا والموسيقى
الكلاسيكية قائلا: "العديد من عواصم
العالم العربي لديهم معاهد جيدة جدا
للموسيقى: القاهرة، بيروت، دمشق، تونس،
الرباط، عمان وحتى رام الله.
لقد
أنتجت حرفيا الآلاف من الموسيقيين
الممتازين على الطراز الغربي، ويعزفون في
فرق سيمفونية متعددة وفي دور أوبرا ممتلئة.
ويوجد العديد من المهرجانات الموسيقية
الغربية على طول العالم العربي (...)". ثم
يضيف قائلا: "لماذا يستعمل برنارد لويس
سلاح الموسيقى الغربية لإدانة الإسلام؟
لماذا لم يأخذ في حسبانه التشكيلة الرائعة
لموسيقات العالم الإسلامي (9)؟"، ويؤكد
إدوارد سعيد: "قلب إيديولوجية لويس بخصوص
الإسلام هو أن هذا الأخير لن يتبدل أبدا (...)
وأن أي مقاربة سياسية تاريخية أو جامعية
للمسلمين يجب أن تبتدئ وتنتهي إلى حقيقة أن
المسلمين هم مسلمون (10)".
ويختم
جريش مقاله ساخرا: ولا بد أن عالما أمريكيا
سيكتشف قريبا "جينا" للإسلام، الذي
سيفسر لماذا "هم" مختلفون عن باقي
البشرية المتحضرة.
اقرأ أيضا:
حوار
الحضارات.. مصالحة أم مصالح؟
**