وتميزت
الموسوعة بأنها حوت تعريفات بالكتب
والمفاهيم التي شكلت الثقافة العربية
الإسلامية، وتكاد هذه الموسوعة أن تكون
متفردة في هذا الأمر عن غيرها من
الموسوعات؛ إذ يجد المطالع لها تعريفا بكتب
التراث والأدب والفقه والسيرة النبوية
والحديث والتاريخ... إلخ.
ويشير
الأستاذ "أحمد تمام" محرر الموسوعة أن
"دائرة سفير للمعارف" من أوائل
الأعمال التي تميزت بالجماعية في التأليف،
كما أنها الدائرة التي انشغلت بمحاولة وضع
يد القارئ على ينابيع الثقافة العربية سواء
على مستوى المفاهيم والأفكار أو على مستوى
الكتب التي شكلت العقل العربي المسلم؛ حيث
أعطت الدائرة اهتمامها بتعريف القارئ
بعيون التراث العربي حتى لا تقع خصومة بين
المثقف وبين تراثنا، كما أن الدائرة اهتمت
بتوسيع مفهوم العلوم الإسلامية لتشمل
العلوم الطبيعية، ولا تقصرها على علوم
التفسير والفقه والحديث فقط، وذلك انطلاقا
من النظرة الإسلامية الكلية للكون
والمعرفة.
وقد
واجهت "دائرة سفير للمعارف" عدة عقبات
في عملها؛ منها عقبة التمويل على اعتبار أن
هذه الأعمال الموسوعية الضخمة لا تقوم بها
شركات خاصة، وإنما تقوم بها مؤسسات مدعومة
بقوة الدولة، كما واجهت الموسوعة أيضا ندرة
المتخصصين في الكتابة إلى دوائر المعارف،
وهذه الندرة ألقت بعبء ثقيل على القائمين
على تحرير الموسوعة.
ورغم
الجهود المبذولة في إصدار "دائرة سفير"،
لكن يؤخذ عليها أنها في أعدادها الأولى
اتبعت طريقة في التناول أشبه بالطريقة
المعجمية؛ بمعنى أنها أثقلت صفحاتها
بالكثير من المصطلحات الفقهية والشرعية
المتخصصة للغاية، وقد تنبه القائمون على
تحرير الموسوعة لهذا الأمر وسعوا في موسوعة
حرف الباء والجيم على وجه التحديد لتلافي
هذه الطريقة. ويؤخذ على الموسوعة من ناحية
الإخراج الفني أنها لم تنشر صورا شخصية
للأعلام الحديثة التي تكتب عنها، ولجأت
للهروب من هذا الأمر إلى نشر أغلفة كتب وصور
تعبيرية، ويبدو أن المنهج الذي سارت به
الموسوعة في بداية نشأتها وتكوينها هو الذي
حكم مسارها بعد ذلك.
ولكن
القضية المطروحة هنا: ما الحاجة إلى دوائر
المعارف في ظل الانفتاح المعرفي والثقافي
العالمي؟
الواقع
أن دوائر المعارف وجدت الحاجة إليها مع
تعقد المعرفة والثقافة الإنسانية وتشعبها
وتخصصها، إضافة إلى ضيق الوقت لدى الكثير
من المثقفين والقراء، وهو ما فرض ضرورة
إصدار كتاب واحد يضم بين دفتيه الكثير من
العلوم والمعارف التي تعطي معلومات مكثفة
وسريعة وملمة بالموضوع إلماما مقبولا،
وتعطي صورة مصغرة عن الموضوع محل الكتابة
لكنها صورة مكتملة.
والفكرة
والفلسفة التي ترتكز عليها دوائر المعارف
هي وحدة المعرفة الإنسانية، وضرورة
المحافظة على هذه الفكرة حتى لا تغرق
المعرفة الإنسانية في التخصص الدقيق
وتتباعد المسافات بين التخصصات وتصبح
المعارف الإنسانية أشبه بالجزر المعزولة
التي لا رابط بينها، ومن ثم فدوائر المعارف
هي أشبه بالقناة التي تربط بين العلوم
والتخصصات المختلفة وتنهي العزلة بينها،
وتكسر قيود التخصص التي تحيط بالمثقف
والباحث وتحجب عنه حقيقة شمولية وكلية
المعرفة الإنسانية.
ومن
ثم ظهرت الحاجة إلى كتاب يقوم بهذه
الوظيفة، وهو ما مهد الطريق لإصدار دوائر
المعارف. ويوجد في العالم المعاصر أكثر من
ألفي دائرة معارف كبرى، مثل: دائرة المعارف
البريطانية، والفرنسية، والألمانية،
والإيطالية، واليابانية... إلخ، واتبعت
غالبية دوائر المعارف الترتيب الألفبائي
في ترتيب موضوعاتها، وإن وجدت بعد ذلك
دوائر معارف متخصصة في فن معين من المعرفة
أو الفنون.
دائرة
المعارف.. قصة النشأة
دائرة
المعارف أو Encyclopedia مشتقة من كلمة يونانية
تعني الكلية والشمول، وتختلف دائرة
المعارف عن المعجم والقاموس في أنها لا
تكتفي بتقديم التعريف اللغوي أو
الاصطلاحي، وإنما يمتد دورها لتقديم تاريخ
الموضوع وعرض جوانبه المختلفة وعلاقته
بغيره من الموضوعات الأخرى، من خلال تقديم
المعلومات الدقيقة المدعمة بالصور
والخرائط والإحصاءات والرسوم في بعض
الحالات، ومن ثم فهناك اعتماد على الصورة
والرسم في دوائر المعارف بقدر الاعتماد على
الكلمة.
وقد
ظهرت دوائر المعارف في أوربا خلال القرن
الثامن عشر الميلادي عقب عصر النهضة
الأوربية، وظهور الطباعة وانتشارها
وانتشار تداول الكتب. وكانت بريطانيا أول
دولة أوربية عرفت دوائر المعارف عندما ظهر
"القاموس الإنجليزي العالمي للفنون
والعلوم" لجون هاريس عام (1704م)، لكن أول
دائرة معارف بالمعنى الحديث ظهرت في فرنسا
في الفترة من (1750م) حتى (1780م) في (35) مجلدا،
وأشرف على إصدارها "دينيس ديرو"،
وشارك فيها عدد كبير من مفكري فرنسا، منهم
"فولتير" و"مونتيسكيو" "وجان
جاك روسو".
أما
الموسوعة البريطانية فظهرت طبعتها الأولى
في "إدنبرة" في ثلاثة أجزاء في الفترة
ما بين عام (1768م) وعام (1771م)، وجمعت بين ترتيب
المواد ترتيبا ألفبائيا وبين ترتيبها حسب
التصنيف العلمي لمجالات المعرفة، ثم صدرت
طبعتها الثانية بعد خمس سنوات في عشر
مجلدات، ثم توالت طبعاتها حتى وقتنا الحاضر.
ويعد
"فرنسيس بيكون" أول من حسم الأمر في
ترتيب الموسوعات في الغرب عام (1620م)؛ حيث
وضع خطة لتنظيم العلوم ما زالت الموسوعات
تراعيها في عملها حتى اليوم؛ حيث وضع مخططا
شاملا وشبه كامل للمعرفة الإنسانية، تأثر
به فيما بعد "دينيس ديرو" سنة (1750م).
وغلبة
الترتيب الألفبائي على الموسوعات لا ينفي
وجود الكثير من الموسوعات المتخصصة التي
تتبع الترتيب المنهجي المنطقي البحت، ولكن
هذه الموسوعات أيضا تسعى للجمع بين
النظامين الأبجدي والموضوعي المنهجي؛ وذلك
لتسهيل رجوع الباحثين والمتخصصين إليها.
العرب
ودوائر المعارف
وقد
عرفت الثقافة العربية الإسلامية فكرة
دوائر المعارف مع وجود اتجاه مبكر لأن
يحتوي الكتاب على أكثر من علم وفن، وكانت
البدايات الأولى في القرن الثالث الهجري؛
حيث ظهر كتاب "الحيوان" للجاحظ، وكتاب
"المعارف" لابن قتيبة، وكتاب "الأخبار
الطوال" لأبي حنيفة الدينوري.
وكان
القرن الثامن الهجري أكثر وضوحا في فكرة
الموسوعات، وقد أرجع البعض ذلك إلى أن
الهجمة الشرسة التي تعرض لها العالم
الإسلامي في القرن السابع الهجري وسقوط
بغداد في أيدي التتار وتدمير مكتبتها هو ما
حفز العلماء العرب على إصدار الكتب
الموسوعية، مثل "نهاية الأرب" للنويري
الذي طبع في (33) مجلدا ويشمل عدة فنون
ومعارف، ثم كتاب "مسالك الأبصار" لابن
فضل الله العمري، وكتاب "صبح الأعشى"
للقلقشندي، وكتاب "مباهج الفكر ومناهج
العبر" للوطواط.
لكن
القارئ المتعمق لواقع وتاريخ الثقافة
العربية الإسلامية في العصر المملوكي يلحظ أن
فكر الأزمة لم يكن هو المحرك لإصدار مثل هذه
الكتب الموسوعية، ولكن العلماء في ذلك
العصر انطلقوا من رؤية حضارية شاملة لإمداد
القائمين على ديوان الإنشاء (وزارة
الخارجية)، والقائمين على الحكم بما
يحتاجونه من معارف ضرورية لترشيد الحكم،
وإمداد القائمين عليه بالمعارف المختلفة
في كتاب واحد شامل، ولذا لم يكن فكر الأزمة
والرغبة في المحافظة على عيون الثقافة
العربية هو الذي دفع إلى هذا التوجه.
ويلاحظ
أيضا أن المعاجم اللغوية التي ظهرت في ذلك
الوقت كانت أقرب إلى فكرة دوائر المعارف؛
إذ كان المعجم لا يكتفي بتقديم المعنى
اللغوي للكلمة واشتقاقاتها، وإنما يعرج
إلى الأدب والتاريخ والتراث والنوادر
لتقديم مادته العلمية؛ وبذلك خرج بالتعرف
من حيز المعجمية الصماء إلى حيز آخر هو أن
يصبح المعجم معجما حضاريا تستطيع أن تتلمس
فيه التاريخ والأدب وبعضا من الواقع
الاجتماعي، ومن يطالع "لسان العرب"
لابن منظور، و"تاج العروس" للزبيدي
سيلحظ ذلك بوضوح.
دوائر
المعارف العربية في العصر الحديث
أما
البدايات الأولى لإصدار دائرة معارف عربية
في العصر الحديث فترجع إلى نهاية القرن
التاسع عشر على يد "بطرس البستاني"
الذي أصدر دائرة المعارف في بيروت سنة (1876م)،
واستمر صدورها حتى عام (1900)، وكان يدعمها
الخديوي إسماعيل حاكم مصر، ورغم وفاة
البستاني فإن عائلته قامت بالاستمرار في
مواصلة عمله، لكنها لم تكمله وتوقفت عند
حرف العين، وقد كان هاجس الإنجاز هو الذي
يسيطر على البستاني؛ ولذا لم يتدخل كثيرا
في الصياغات، وقام بنقل بعض المواد أو
ترجمتها بنصها دون تحرير.
أما
المحاولة الثانية فقد قام بها "محمد فريد
وجدي" في "دائرة معارف القرن العشرين"،
وهي دائرة مكتملة صدرت في 20 جزءا بجهد فردي،
لكن تكمن صعوبتها في أنها مرتبة على أصل
الكلمة الاشتقاقي في اللغة، وهو ما يؤدي
إلى صعوبة البحث فيها.
ثم
صدرت الترجمة العربية لدائرة المعارف
الإسلامية للمستشرقين بدءا من عام (1933م)،
وكان القائمون عليها "عبد الحميد يونس"،
و"أحمد الشنتناوي"، و"إبراهيم زكي
خورشيد"، واستمر العمل بها حتى عام (1965م)،
غير أنها لم تكتمل وتوقفت عند حرف العين.
وكان القائمون عليها يستكتبون كبار
العلماء والمفكرين الإسلاميين للتعليق على
ما كتبه المستشرقون في تلك الدائرة دون أن
يتدخلوا في النص الأصلي، ولكنهم كانوا
يضعون التعليقات والزيادات في الهامش، وقد
ظهرت ترجمة للطبعة الثانية من دائرة
المعارف الإسلامية للمستشرقين، وتم
ترجمتها حتى حرف الحاء فقط؛ حيث توقف العمل
بها.
وفي
هذه الأثناء ظهرت الموسوعة العربية
الميسرة عام (1958م) بالتعاون مع "مؤسسة
فرانكلين"، وكانت مختصرة وغالبيتها
مترجمة، وكان المشرف عليها المؤرخ "محمد
شفيق غربال"، ثم صدر "القاموس
الإسلامي" في خمسة أجزاء لأحمد عطية
الله، وكان جهدا فريدا توقف عند حرف العين.
ثم
تتابع ظهور عدد من الموسوعات العربية، مثل:
"الموسوعة السياسية" و"الموسوعة
العسكرية" و"موسوعة الفلسفة" و"موسوعة
المستشرقين" و"موسوعة تاريخ وآثار مصر"
وغيرها، لكن تبقى العقبة الرئيسية أمام
انتشار الموسوعات ودوائر المعارف في
العالم العربي في أنها أشبه بالصناعة
الثقيلة في مجال النشر؛ حيث إنها تحتاج إلى
تمويل ضخم، كما أن تسويقها يسير ببطء شديد؛
نظرا لارتفاع أثمانها وصعوبة حصول المثقف
عليها واقتنائها، وهو ما يشكل عقبة أمام
دور النشر الخاصة.
المراجع:
اقرأ
أيضا: