في
كتابه البديع "ملاحظات" يفتح الفنان
التشكيلي "محيي الدين اللباد" نافذة
على كثير من الملاحظات البصرية العادية،
والتي قد لا نتوقف عندها بالتأمل والتساؤل
عن معناها، أما هو فيتوقف وقفة محفزة على
التأمل فيها وفي غيرها من الظواهر البصرية
يفسر معناها، ويكشف عن غموضها مستخدما لغة
بسيطة حميمية، يكشف خلالها العلاقة بينها
وبين غيرها من الأشياء.
فعنوان
الكتاب "ملاحظات" ثم عنوان جانبي "كتاب
للفتيان والفتيات- والكبار أيضا"، وكان
"اللباد" محقا فهو كتاب للجميع، كتاب
فريد في موضوعه، وحتى في شكل إصداره.
في
50 صفحة بـ 50 موضوعا تحدث اللباد عن الظواهر
البصرية، وأرفق الموضوعات بالرسوم
التوضيحية عن كل موضوع، واستحوذت الرسوم
والصور على ما يقارب ثُلثي الصفحة، ورغم
قلة المكتوب لغة فإنه كان مكتنز الدلالة
وكافي التعريف بالموضوع.
الاعتزاز
بالتراث العربي
واللباد
هو فنان قضيته الكبرى ليس فقط التحريض على
التأمل فقط، ولكن أيضا تحريض الشباب على
النظر إلى تراثهم العربي والإسلامي بفخر
واعتزاز، بل إنه يُحرِّض غيره من الفنانين
التشكيلين على تقديم الأعمال عربية الطابع
وألا ينجرفوا وراء تقليد الغرب.
وهذا
ما نلاحظه بالفعل على رسومات كتب الأطفال
عندنا مثلا، فهو يدعونا لملاحظة كيف أن
الرسامين الأوربيين والأمريكيين يرسمون
عيون أطفالهم مجرد نقطة صغيرة بدون حواجب
أو رموش، ولا يدعنا نتصور أنها طريقة جديدة
للرسم استحدثوها، ولكنهم يفعلون ذلك لأنهم
واقعيون، فأطفالهم ذوو البشرة الشقراء
الفاتحة، والشعر والحواجب والرموش الشقراء
أيضا؛ لذا يختصرون كل ذلك في نقطة تمثل
العين، أما أطفالنا نحن فغالبيتهم ذوو بشرة
سمراء، وشعر وحواجب ورموش سوداء كثيفة،
وبالتالي لا يمكن أن يرسمهم الفنان العربي
بنفس الطريقة الغربية.
وفي
هذا الكتاب الصادر عن دار الشروق عام 2003،
والذي سيظل جديدا، يستخدم اللباد لغة أبناء
هذا العصر، لغة الكمبيوتر، والتليفزيون،
والفيديو، ومجلات القصص المرسومة،
والعلامات الإرشادية، والملصقات... ولكن
ماذا يقول؟ دعونا نتصفح كتابه.
ما
هو سر عرائس المساجد؟
يبدأ
اللباد كتابه عن ظاهرة بصرية منتشرة جدا
على أعلى حوائط مساجدنا، وهي المسماة "بعرائس
المساجد"، تلك الزخرفة المعمارية
البديعة التي سميت العرائس لأنها تشبه
العرائس، تقف متجاورة ومتكررة وتصنع
الفراغات بينها غالبا شكل العروسة أيضا،
نحن نراها نعم، ولكن هل فكر أحدنا ما سر هذه
الزخرفة ومعناها؟.
اللباد
يجيبنا قائلا: إن المعماريين في بلادنا ذات
الشمس الساطعة حرصوا على "ألا يذوب
المبنى في ضوء الشمس المبهر، كما حرصوا على
ألا ينفصل المبنى عن السماء الساطعة، لقد
أرادوا أن يظل متشابكا مع السماء، متصلا
بها في كل الحالات، وفي كل أوقات النهار".
المشربية..
ابتكار عربي
وفي
صفحة "المشربية" التي ابتكرها
المعماريون العرب المسلمون لتتناسب مع
بلادنا المشمسة حيث سمحوا -من خلال قطع
الخشب المخروطي الدقيق- للضوء أن ينتشر
داخل البيوت بخفة دون أن يلجئوا لإظلام
البيت، كما أنها تسمح بدخول وخروج الهواء
من وإلى البيت، كما تحافظ على خصوصية من
بالبيت حيث لا يمكن أن يراهم المارة خارجه،
كل هذا من خلال تشكيل زخرفي رائع الجمال.
الدائرة
والأرابيسك
أما
في صفحة "الدائرة" فيحدثنا عن هذا
الشكل الهندسي العبقري الذي استحدثه
المعماريون العرب المسلمون الذين ورثوا
تراثا هندسيا تركه لهم أسلافهم المصريون
والعراقيون أصحاب الحضارات الكبرى، كما
أنهم هضموا الإنجازات الهندسية التي
حققتها الحضارة اليونانية القديمة، ومن كل
ذلك ابتكروا الزخارف والنقوش التي تميز بها
الفن الإسلامي مثل فن الأرابيسك الذي يظن
الناظر إليه أنه تم استخدام عدد كبير من
الأدوات الهندسية في تصميمه، لكن الفنان
المسلم لم يستخدم في هذه التصميمات المعقدة
سوى الفرجار (البرجل) والمسطرة وحدهما
معتمدا على الدائرة كشكل هندسي.
الرسم
بالكتابة.. والكتابة للتأمل
 |
|
الرسم بالكتابة |
وفي
صفحة "الرسم بالكتابة" يلتقط اللباد
ملاحظة مهمة، ألا وهي توصل العرب منذ القدم
إلى حقيقة أن الكتابة هي شكل من أشكال
الرسم، كما أن الرسم هو الآخر شكل من أشكال
الكتابة؛ فالأحرف عند العرب تحولت إلى
كائنات حية تمنح مدلولات وأفق يتسع باتساع
تلك اللغة.
نرى
مثلا "بسم الله الرحمن الرحيم" وقد
كُتبت على شكل طائر يمد منقاره إلى وعاء على
شكل البسملتين وبداخله أبيات من الشعر
العربي، ولا ينسى اللباد أن يشير إلى أن
الخطاط العربي لم يكتب أو يرسم كلماته
وجمله هكذا "للقارئ المتعجل الذي يريد أن
يقرأ وهو يجري، ولكنه كتبها للمتأمل الذي
يريد أيضا أن يستمتع بالأحرف العربية
الجميلة.
وفي
صفحته "فكّرْ" و"اسكُتْ" يعقد
مقارنة بين المحاولة العربية البديعة
للرسم بالكلمات والمحاولة الإنجليزية، حيث
نرى في الرسم الساخر الذي رسمه خطاط
إنجليزي لخطاط يكتب كلمة (THINk) هكذا واللباد
يتهكم من تلك اللوحة الساخرة التي يدعو
فيها الرسام إلى التفكير، بينما هو نفسه لم
يفعل ذلك، حيث لم يحسب حجم الأحرف قبل البدء
في الكتابة، في حين أن لوحة الخطاط العربي
مكتوبة بخط زخرفي جميل، وتحمل حكمة بليغة
حيث كتب "قل الخير وإلا.. فاسكت"، وكلمة
فاسكت صغيرة جدا "لتبدو وكأنها نُطقت
همسا".
مظاهر..
ودلالات
 |
|
أنا مميز أنا محترم |
تجربة
الحياة وشواهدها تشير إلى أن الناس لا
يحترمون العمل اليدوي ويتباهون بأنهم لا
يعملون بأيديهم؛ ولذا اخترع هؤلاء ما يقول
هذا المعنى اعتمادا على المظهر دون أن
يقولونه بألسنتهم؛ ففي صفحة "أنا مميز!
أنا محترم!" يأخذنا اللباد إلى ملاحظة
بصرية مهمة تخص الأشخاص؛ حيث إن كل إنسان
ليس مظهرا بلا معنى؛ فالذي يرتدي القميص
الأبيض ورابطة العنق والبدلة التي لا تسمح
له بحرية الحركة ولا تسمح له بحمل أثقال ولا
الركض، فهو يكاد يهتف قائلا: "أنا متميز،
أنا محترم".
وهؤلاء
الذين يرتدون المجوهرات فضمير حالهم يقول
انظروا أنا أمتلك مالا وفيرا، بل وفيرا
جدا، حتى إنني استطعت الحصول على هذه
المجوهرات أو الذهب؛ فأنا محترم، أنا متميز.
والمرأة التي تُطيل أظافرها وتطليها "بالمانكير"؛
فهي تريد أن تقول أنا لا أعمل بيدي، فعندي
من يعملون بدلا مني، أنا محترمة أنا مميزة.
وحتى
من يقومون باقتناء الكلاب والقطط غالية
الثمن، يصدرون رسالة مفادها، انظروا.. نحن
نمتلك مالا وفيرا لإطعام تلك الحيوانات،
نحن محترمون ومميزون!.
علامة
النصر
 |
|
علامة النصر |
وفي
صفحته "لنرسم علامة النصر!" يحدثنا
اللباد عن حكاية علامة النصر التي رُسمت
على الحوائط في فلسطين المحتلة؛ ففي تلك
الحكاية الطريفة يقول: إن سلطات الاحتلال
كانت تمنع رفع العلم الفلسطيني، فقام
الفنان الفلسطيني "تمارى" المقيم في
اليابان بعمل تصميم جميل لعلامة النصر
مستخدما في رسمه ألوان العلم الفلسطيني
الأربعة -الممنوع- وخطوات رسم العلامة التي
راعى فيها أن تكون شديدة البساطة ليسهل على
الجميع رسمها، وأرسل الرسم وخطوات العمل
إلى ذويه بالأرض المحتلة، فقاموا باستبدال
تلك الرسمة الرمزية التي انتشرت على جميع
الحوائط بالعلم.
والكتاب
مليء بالعديد من الموضوعات الجميلة
الجديرة بالملاحظة عن الطباعة، والإضاءة
حين تُظهر أو تُخفي العيوب، القص واللصق
الفوتوغرافي، وعن اللغة الصينية ومعنى
حروفها، وعن الإشارات المختصرة، والحكي
بالصور، وعن العين حينما تحس بملمس
الأشياء، وعن رسم الوجوه ومعناه، والرسم
السريالي، والتجريدي، وعن فن البوب،
والأوب، وعن سمائنا وسمائهم في اللوحات
التشكيلية، وعن الحيوانات والطيور
والأسماك العربية، والأوربية الطابع
واختلافها، عما نراه وما نعرفه، وعن
الحرب وكيف يرسمها الأطفال...
اقرأ أيضا:
عمارة
المساجد.. خشوع وجمال
الطرز
الإسلامية.. الفـن في خـدمة الحـياة
**
كاتبة وصحفية