أشار كاتبه الأستاذ عمرو
عبد الكريم إلى بعض "الملاحظات المنهجية
والشكلية" حول التقرير، ووصفها بأنها "هنات
تنغمر في بحر حسنات التقرير". هذه
الملاحظات يمكن تلخيصها في خمس:
1-
عدم الحفاظ على انتظام فترة إصدار التقرير (سنة).
2-
عدم اندراج الموضوعات تحت محاورها بوضوح
كافٍ، دون أن يخدم كل موضوع على جزئية معينة
من المحور (العالم).
3-
عدم إحكام الصياغات وضبط العبارات؛ الأمر
الذي جعل التقرير يقف عند حد المواد نصف
المصنعة، ولا يصل إلى مستوى "المادة
الجاهزة".
4-
إنشائية لغة الصياغة أو التحرير في بعضها
والصياغات الخطابية في بعضها الآخر، وهو ما
يعود إلى محرري التقرير والمشرفين عليه.
5-
سوء الإخراج الفني والتصميم كعمل من أعمال
الهواة لا المحترفين.
هذه
"الملاحظات" المشكورة هي في مجملها
موجهة إلى التحرير وإلى الإشراف، وبصرف
النظر عن "أمتي في العالم" مؤقتا؛
فإن هذا يدفعنا إلى السؤال عن المنهجية
العامة الحاكمة، أو التي ينبغي أن تحكم
أعمال "التحرير" و"الإشراف"
للأعمال البحثية الجماعية، والتي انطلق
منها الكاتب، غير أنه لم يُكمل جملته
النقدية، فاقتصر على الجانب "الفني" من
المسألة، وهو لا شك مهم جدا، دون أن يراعي
الأمرين الباقيين: الجانب الأخلاقي في
"التحرير"، ثم العلاقة الوازنة
الواصلة المؤلفة بين ما هو "فني" وما
هو "أخلاقي".
الوعي
والتأصيل.. المعادلة الصعبة
لقد
أضحى التأصيل اليوم من الأهمية بمكان، خاصة
في ظل انهماك قطاعات عديدة من أمتنا في "تأليف"
أعمال جماعية إعلامية، وبحثية، واجتماعية
عملية، وتربوية، وسياسية.. تشترك كلها في
الاستجابة لنداء "أمتي" أن تعاونوا
على البر والتقوى، وأن اعملوا معا وعيا
وسعيا، وإرادة ومعرفة وسلوكا.
وفي
هذا المقام لا يسعنا سوى تقديم إشارات
لدواعي هذا التأصيل وضرورات الوعي بخطوطه
العريضة، وبمعادلاته الأساسية، خاصة
المعادلة بين "القوة" و"الأمانة"
كما عبر عنها قرآننا ثم تراثنا، أو كما
أُسميت هنا: الفنيات الضرورية والأخلاقيات
الحاكمة.
وكمثال
على هذه الإشكالية ينطرح أمام المحرر لأي
عمل بحثي جماعي والمشرف عليه سؤال "الصياغة"
الذي لاحظ الكاتب عليه ملاحظتيه الثالثة
والرابعة، وهما:
أولا:
هل يجوز -أخلاقيا- للمحرر أن يعيد إنتاج
صياغات لباحثٍ أو أكثر من المشتركين في
العمل الجماعي؟ وإذا جاز فإلى أي حد؟
ثانيا:
كيف يفعل المحرر ذلك دون أن يؤثر ذلك في روح
البحث وبصمته الخاصة بكاتبه؟ وعلى الجانب
الآخر: إذا لم يجُز ذلك فهل يسوغ إخراج عمل
جماعي شريف المقصد بهي الطلعة وبه أعمال
بحثية معيبة الصياغة (إنشائية اللغة أو
خطابية الصياغة)؟.
الميزان
المفقود في النقد
ودون
جدل حول معايير الإجادة والعيب ومعايير
التجويد والإعابة وأصنافها؛ فإن الأمر
يستلزم ميزانا يزن المعادلة، ويحقق أكبر قدر
من أهداف العمل الجماعي، على أن تكون الغاية
النهائية المحددة هي رمانة هذا الميزان،
وبقدر وعي المشرفين والمحررين بها وبقدر
تمثلهم وحرصهم وحسن فهمهم لهذه الغاية تتوفر
لديهم مكنات وزن المعادلة دون "شوائب"
أو "هنات" كثيرة، والله الموفق على كل
حال.
وتأسيسا
على ذلك نجد أن الأستاذ صاحب العَرض -وهو
مساهم بارز في الإصدارتين الأخيرتين من "أمتي
في العالم"- ورغم حرصه على تضمين عرضه
صورة لغلاف التقرير، وأخرى لخلفيته؛ فإن
العَجَلة لم تمكنه من ملاحظة أمرين أو
التركيز فيهما:
الأول-
أن العنوان الفرعي للتقرير على الغلاف هو:
"كتاب غير دوري يهتم بقضايا العالم
الإسلامي"؛ وهو ما يعني أن التقرير لم يعد
"حولية" (أي تقريرا سنويا أو حتى دوريا)،
وتم تأكيد ذلك بوضوح مرارا وتكرارا في مقدمة
"أمتي" التي اقتطع منها الكاتب جل عرضه.
الثاني-
في خلفية الكتاب غير الدوري تم إدراج
الأهداف المنشودة من التقرير واضحة، ومنها:
"مد
جسور التعاون والتفاعل مع مفكرينا وعلمائنا
في كافة التخصصات، كما يسعى إلى تعبئة
الجهود البحثية لجيل الشباب من الباحثين،
واستكتابهم في موضوعات تتعلق بقضايا عالم
المسلمين، مع إتاحة الفرصة لهم للاستفادة من
تجربة كبار الأساتذة والخبراء".
ومن
هنا يفهم أن "أمتي في العالم" ليس
نتاج عمل الخبراء وحدهم، بل هو عن قصد يجمعُ
بين محاولات الشباب وتحليلات الكبار.. ومن
هنا ظهر "أمتي في العالم" فريدا في
مفهومه لـ"العمل الجماعي"، وفي توقعه
لـ"المخرَج النهائي".. إن "أمتي في
العالم" حين تتابعه في أعداده تجده
تجربة حية للتفاعل الجماعي، والتضافر بين
أجيال الأمة.. إنه يمثل ترابط السلسلة
الزمنية، كما تشير إلى ترابط البقع المكانية
عبر الأمة وعبر علاقاتها بالعالم، فهل لاحظ
القارئ أو العارض ذلك؟!.
مقام
الأزمة ولغة البحث
ومع
ذلك فإن مسألة "اللغة الخطابية" التي
يلاحظها الكاتب في بعض أبحاث التقرير ليست
على النحو الزائغ عن الإطار، على نحو ما يوحي
النقد وتعميماته.. فالبحث العلمي له
مستوياته وأشكاله، وله مقاماته ومواقعه،
ولكل مقام ذوقه كما أن له مقاله أيضا.
إن
مقام الأزمة، ومقام الهزيمة، ومقام
الانحدار والتداعي يفرز نمطين من البحث،
كلاهما يتسم بـ"التفاعل الوجداني":
مقام
الانفعالية الذي
يغلب عليه لغة رومانسية تتسم بالعجب أو
الذهول أو أمارات الحيرة والضيق، وربما فاحت
برائحة اليأس، وطرحت أسئلة العدم والمابعد
العدم، وكشفت عن عناوين النهايات وما بعد
النهايات.
ومقام
الفاعلية التي لا
يمكن أن تبقى حية إذا أصرت على الشكلية
الأكاديمية ونزْع الروح والتفاعل، وساوت -باسم
الموضوعية والعلمية- بين اليأس والأمل، وبين
التجميد والتحريك، وبين العدم والانعدام من
جهة، والوجود والتواجد من جهة أخرى...
وهكذا
يمكن القول بأن للواقع -خاصة واقع المحن-
آثاره على لغة البحث العلمي؛ على روحه وعلى
جسده، على غاياته وعلى منهجيته ومقترباته،
وعلى قضاياه وموضوعاته.
ومن
هنا فما بين التدريب والتأهيل للباحثين
الشباب، وما بين مقتضيات التفاعل والفاعلية
يمكن أن تقرأ "أمتي في العالم"
قراءة أخرى لا تعمم العبارة الناقدة التي لم
تجد في الأبحاث ولغتها إلا التراوح بين
الإنشائية والخطابية.
إن
هذا لا ينفي حقيقة أن التحرير قام بمراجعة
الباحثين، وأن ثمة إشرافا علميا اكتنف
الباحثين الشباب، ومارس معهم خبرة سجلتها د.باكينام
الشرقاوي في مقدمة ملف التقرير (المواقف
الدولية والإقليمية من الملف العراقي..
خطابات متباينة وسياسات متشابهة).
أما
"المواد نصف المصنعة" التي أشار
إليها الكاتب هي -في ذاتها- ضمن غاية الرصد
وتقييد سجل الأمة مهمة ومقصودة، خاصة في ملف العراق
الذي قامت عليه ثماني باحثات متخصصات في
العلوم السياسية، وقد قمن على ما طلب منهن
على نحو ما أشارت د.باكينام؛ حيث "تقدم
أوراقُ هذا الملف للباحثين والأكاديميين
البيانات الأولية اللازمة للانطلاق في
تحليل أعمق وربط أوثق للمتغيرات التي حكمت
هذه الأزمة الخطيرة والمؤثرة على مسار
وتفاعلات أمتنا الإسلامية؛ فهي بمثابة خطوة
أولى مهمة توفر قدرا من الجهود للقيام
بخطوات أخرى لاحقة ضرورية ومنتظرة" (277).
أما
ما ذكره أ.عمرو من "سوء
الإخراج الفني والتصميم وأشياء كثيرة في هذا
الشأن مما يدرج القائمين عليه في مضمار
الهواة" فهذا عجيب منه؛ حيث شارك في
العددين الأخيرين من التقرير، وشارك بآرائه
فيهما دون أن يبدي هذه الملاحظة، فضلا عن أن
التقرير رغم ضآلة الإمكانيات حاز في إخراجه
إعجاب الكثيرين ممن يرتبون جيدا "أولويات"
العمل العلمي الجاد.
النخبة
وأسر الزمن الأمريكي
وأخيرا:
هل وقعنا كأمة ونخبة -وبالأخص تقرير "أمتي
في العالم"- في أسر "الزمن الأمريكي
وضبطنا توقيتاتنا عليه"، كما قال الأستاذ
العارض؟.
إنه
لما كانت أزمات الأمة ومحنها لا تلتزم بدورة
أحادية السنوات أو ثنائيتها أو غير ذلك؛ فقد
اقتُرح في لجنة الإشراف على "أمتي في
العالم" أن تكون الدورة موضوعية؛ فترتبط
بالقضية الأم وتجددات تجلياتها في الأمة،
سواء قصرت عن العام أو ربت عن ذلك، مع
الالتزام بساعة موضوعية غير مفرِطة ولا
مفرطة.. فهل في ذلك عيب؟.
لكن
الأخطر أن شبابنا -في ظل الأزمة العاصفة- صار
يكشف عن ميول نقد مائلة عن الجادة. إن "أمتي
في العالم" تمثل عند كثيرين نموذجا شبه
متفرد للوعي بالذات والانطلاق من عندها، وقد
كانت مبكرة جدا في التحذير من "أسر الزمن
الأمريكي" من خلال الملاحظة الحكيمة
للمستشار طارق البشري التي حكمت رؤية "أمتي
في العالم" للحادي عشر من سبتمبر
وتداعياته على أمة الإسلام؛ فهو اليوم
الأمريكي المعولم قصرا، ونحن نحتفظ بوعينا
بأيامنا: أيام الإسلام، يقول المستشار
البشري في مقدمة العدد الخامس (حول تداعيات 11
سبتمبر 2001): "ونحن لا بد أن نتمسك بحقنا في
استقلال إدراكنا التاريخي، وحقنا في أن يكون
لنا تاريخنا وأحداثنا مما كان يسمى قديما:
أيام العرب، وأيام المسلمين". وفي السنة
الأخيرة فإن من أيامنا 7 أكتوبر عام 2001 عند
غزو الأمريكيين لأفغانستان وليس 11 سبتمبر.
ومن أخطر أيامنا في السنتين الأخيرتين
انتفاضة فلسطين 28 سبتمبر عام 2000، ثم ما يجري
من يومها وحتى اليوم وحتى الغد القريب والغد
البعيد.. إن ما يعنينا من 11 سبتمبر 2001 هو
أثره؛ أي أثر السياسة الأمريكية التي أفصحت
عن نفسها بعده؛ أثر ذلك في أيامنا العربية
المعيشة، ومن أهمها الآن 28 سبتمبر 2000".
إنني
رغم شكري وتقديري للعرض لـ"أمتي في العالم"
المنشور على إسلام أون لاين.نت أجد أنني في
حيرة: هل ضغط الأزمة على المخلصين من شباب
الأمة يدفعهم إلى تعميمات بلا احتراس،
وتقولات بلا استدلال؟ هل ضاق الفضاء وضاقت
الأنفاس إلى هذا لحد؟ أسال الله أن يفرج عنا
جميعا.