ويمكن
أن نلتقط من بين أحداث التاريخ الثرية
المشهد الأخير الذي جسدته حركة الاحتجاج في
جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزستان، نزولا إلى
لبنان ومصر وتوجو. فمع ثورة الاتصالات التي
حولت العالم إلى قرية صغيرة تعلم الناس في كل
الدول المستبدة أو الشمولية مما جرى؛ إذ
حصدوا العبر وأمعنوا النظر في النتائج
الكبيرة التي تمخض عنها غضب الجماهير، ثم
تشجعوا، واستجمعوا قواهم، وراحوا يعيدون
إنتاج ما شاهدوا، مع اختلاف في الشكل والحجم
يتماشى مع الظروف التي يمرون بها.
وحين
راحت دول أوربا الشرقية تتساقط واحدة تلو
الأخرى أمام عاصفة التغيير التي اجتاحتها
بعد ترنح الاتحاد السوفيتي المنهار، حفلت
الصحف العربية بكتابات مطولة عن التحول
الديمقراطي، بعضها عميق إلى حد الإحاطة
وأغلبها سطحي وعابر إلى مستوى الاكتفاء
بالعرض والتلميح، لكنها جميعا كانت تريد أن
تجيب على تساؤل جوهري مفاده: هل تهب ريح
التغيير على جنوب المتوسط؟.
وراح
المتفائلون يؤكدون أن الريح لن تعبر العالم
العربي من دون أن تهز فيه أركان الجمود
والاستبداد، ومال الباحثون الثقات إلى
ترجيح قدرة النظم العربية الحاكمة على
الاستمرار سنوات أخرى متماسكة وقابضة على
زمام الأمور، أما المتشائمون فتصوروا أن
الاستبداد العربي سيعيش نصف قرن من الزمن
على الأقل، وأفرط هؤلاء في التحسر على مرور
ريح التغيير بسماوات العرب سريعا، لتدور في
جنبات دول أفريقيا جنوب الصحراء، فتقبل
تباعا على تطوير نظمها السياسية باتجاه
الديمقراطية، وتعرف اللقب العزيز على كل
العرب وهو "رئيس جمهورية سابق"، الذي لا
يحمله سوى لبنان.
اليوم
تعاود العواصف هبوبها الهادر، فتنزاح
الأنظمة المستبدة في آسيا الوسطى والقوقاز
وشرق أوربا وأفريقيا، في وقت تسير فيه
الكثير من النظم العربية بمعدلات أبطأ كثيرا
عما هو مطلوب من إصلاح شامل، وكأن القائمين
عليها يتوقعون أن تتفاداهم ريح التغيير هذه
المرة أيضا، أو أن يتفادوها بحزمة من
الإجراءات الشكلية، أو الطلاءات الخارجية،
أو بحملة علاقات عامة لإيهام الخارج بأن
هناك اتجاها للإصلاح، أو بامتصاص غضب الداخل،
من خلال تعبئته حول اعتقاد زائف في أن الأمور
تتحسن، والعجلة تدور.
لكن
الجديد أن النخب السياسية والثقافية
والاجتماعية والاقتصادية المعارضة، أو
الراغبة في التغيير، هضمت ما جرى خلال
الخمسة عشر عاما التي أعقبت سقوط حائط برلين
وانهيار الاتحاد السوفيتي، وما أعقب إسقاط
نظام صدام حسين، وهاهي تحوّل ما هضمته إلى
عصارة من الاحتجاج السلمي، يتصاعد تدريجيا
في مصر، وينتقل منها إلى مختلف العالم
العربي.
ويكفي
هنا أن نقول إن حركة "كفاية" ألهمت
يمنيين فشكلوا حركة "ارحلوا"
وفلسطينيين فنظموا حركة "كفى"، وأثارت
مخاوف السلطات السورية من أن يتجرأ الناس
على رموز النظام الحاكم، كما حدث في مصر،
وكانت من بين العوامل التي شجعت المعارضة
الليبية على التحرك، بعد طول صمت... والبقية
ستأتي حتما.
وإذا
كان ما تقدم يدل على أنه من الممكن أن تكتسب
الجماهير الغفيرة ثقافة التظاهر، فإن لهذه
الثقافة، جانبا حرفيا أو فنيا، شأنها في ذلك
شأن أي منتج ذهني، مهما بلغ من التجريد، وأي
منتج سلوكي مهما هبط إلى درجة واضحة من
السكون.
ويكفي
أن نقارن بين مظاهرات المعارضة وتلك التي
ينظمها الحزب الوطني الحاكم في مصر لنعرف
أنه ليس كل من هتف وصاح يكون قد امتلك فن
التظاهر وحاز وعيا بأهميته. فالمظاهرات
المدفوعة أو "المؤجرة" التي نظمها
الحزب، افتقدت القدرة إلى إنتاج الشعارات
الصادقة، ونظم الهتافات الحماسية المعبرة
بدقة عن واقع الحال.
على
النقيض من ذلك امتاز متظاهرو المعارضة بقدرة
فائقة على نظم جمل قصيرة مكيرة جسدت مطالب
الحركة الوطنية المصرية كافة، ونجحت في لفت
انتباه الإعلام الدولي لها، فراح ينصصها في
تغطياته مختلفة الأنواع والأحجام لوقائع
الاحتجاج السياسي في مصر.
وقد
كسبت "كفاية" ومن والاها تعاطف الناس في
أحياء السيدة زينب وشبرا وحدائق الزيتون
التي اختارتها لتنظيم تظاهرات محفزة
للمصريين على الاحتجاج السلمي؛ الأمر الذي
تمت ترجمته رمزيا في قيام الأسر المتابعة
للمظاهرات من النوافذ والشرفات بإلقاء
زجاجات المياه الباردة إلى المتظاهرين
ليواصلوا ترويض الحرارة الشديدة وترطيب
الحناجر المجهدة من الهتاف المدوي الذي
تجاوز كل الخطوط الحمراء التي كانت مرسومة
من قبل...
وانهيار
هذه الخطوط سيكون، من دون شك، المحفز الأول
لانخراط الصامتين فيما يجري، بعد أن تعلموا
تدريجيا كيفية قتل الخوف اليقظ في قلوبهم
وعقولهم منذ أكثر من نصف قرن.