بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المقهى الثقافي   -    دردشة   -    دليل المواقع الثقافية    -    صوتيات ومرئيات 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين


ثقافة التظاهر وفنه!!

2005/07/11

د. عمار علي حسن**

مظاهرة كفاية

يولد الفرد محتجا بطبعه؛ إذ إنه يصرخ بحرقة وألم فور نزوله من رحم أمه، ثم يعلمه أهله الكلام في أول سنتين، حتى يكون قادرا على التفاعل مع الحياة والتكيف مع مختلف مساراتها، ويكون هذا التعلم في حد ذاته احتجاجا على الانسحاب والصمت والتوحد مع الذات.

وبعد هذا تتولاه مؤسسات القمع في الدول الاستبدادية بدءا من الأسرة نفسها وصولا إلى أجهزة الشرطة، مرورا بالمدرسة وجهاز البيروقراطية المتوحش والصحافة الموجهة والاقتصاد المخطط مركزيا والأوصياء على الدين ومثقفي السلاطين، لتعلمه الخرس والنفاق ومسايرة الأحوال الهابطة والظروف القاهرة، ربما حتى آخر عمره.

دارت في ذهني هذه المعاني القديمة المتجددة حين قرأت خبرا عن قيام أنصار الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" بتنظيم مظاهرة كل أربعاء في أحد أحياء القاهرة لتشجيع المصريين على التظاهر، بعد أن اقتنع الجميع أن طول صمت الكتلة الجماهيرية الكبيرة ليس في صالح الإصلاح والتغيير أبدا، خاصة أن السلطة تفسر هذا الصمت لمصلحتها، وتتخذ منه دليلا على رضا الناس عن سياستها.

ما جرى لهذا الشعب المناضل؟

مظاهرة كفاية في بورسعيد

وما تفعله "كفاية" وغيرها من قوى المعارضة يدعو للتساؤل عما جرى لشعب نزل إلى الشارع قبل أكثر من قرنين من الزمن ليتصدى بصدور عارية لمدافع نابليون، وقاتل بإخلاص إلى جانب عرابي، وجمع توقيعات بالملايين لسعد زغلول ورفاقه، ثم أسمع الدنيا صوت احتجاجه على الاحتلال الإنجليزي، وأجبر السادات على العودة عن قراراته في 17 و18 يناير من عام 1977، بل هتف ضد عبد الناصر نفسه عام 1968.

والإجابة الجلية السريعة على هذا التساؤل تكمن في القتل المنظم للسياسة خلال ربع القرن الأخير، عبر إبعاد الرموز الاجتماعية التي يمكن للناس أن يلتفوا حولها ويحلموا معها بالخلاص، وتحويل الأحزاب السياسية إلى "ديكور" من خلال اختيار السلطة لمن يعارضها.

كذلك العديد من وسائل العنف منها إصدار القوانين التي أممت العمل النقابي، بجانبيه المهني والعمالي، وإنهاء الحركة الطلابية بواسطة حزمة من الإجراءات التعليمية والأمنية والنصوص القانونية، والاعتماد على آلة إعلامية جبارة من حيث "الكم" في تزييف الوعي، وإكساب شرعية غير مستحقة للنظام، وإلهاء الناس في تدبير احتياجاتهم اليومية، وانحيازهم إلى الحلول الفردية لمشاكلهم مهما بلغت من التعقيد.

لكن الإجابة المنتظرة هنا تنصرف إلى سؤال مبدئي مفاده: هل التظاهر مسألة يمكن أن يتعلمها الناس؟ وسؤال آخر للمستقبل يدور حول إمكانية أن ينجح هؤلاء "المعلمون" في إخراج الجماهير الغفيرة عن صمتها، وانتشالها من انسحابها وسلبيتها، ودفعها دفعا إلى عمل جماعي، ينهي حالة الاستقطاب السياسي الحاد ذات الطابع النخبوي التي تعيشها مصر الآن؟.

التظاهر مسألة يمكن تعلمها!!

يحفل علم "الاجتماع السياسي" في حديثه عن "التنشئة" و"الرأي العام"، وكذلك "النظرية السياسية" في تناولها لمبحث "القيم" بتصورات، ثبت اختبارها ميدانيا، تبرهن على إمكانية أن يتعلم الناس فن التظاهر، إن توافرت أدوات التعلم وكانت الظروف التي يمرون بها تحفزهم على الاحتجاج.

فالفرد يختزن في ذاكرته معرفة سياسية، لا تلبث أن تمنحه منظومة من القيم، تتحول إلى اتجاهات وتوجهات أو سلوك ومواقف حيال السلطة والأحداث. وإذا كانت هذه المعارف سليمة وإيجابية فإنها تعزز القيم التي تحض على الانخراط والمشاركة، ومن هنا تدفع في اتجاه التغيير إلى الأفضل.

وهناك من الخبرات والمعطيات التاريخية في كل الأزمنة والأمكنة ما تزيد هذا التصور وثوقا، يصل به إلى درجة الحقيقة. وتجلى هذا الوضع في أعلى صوره إبان فترة الكفاح ضد الاستعمار، فمثلا ألهمت ثورة 1919 التي جرت في مصر بقية الشعوب العربية، بل تعلم زعيم الهند الكبير المهاتما غاندي من حركة النضال التي قادها سعد زغلول.

التاريخ شاهد على انتقال المظاهرات

مظاهرة كفاية في الإسكندرية

ويمكن أن نلتقط من بين أحداث التاريخ الثرية المشهد الأخير الذي جسدته حركة الاحتجاج في جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزستان، نزولا إلى لبنان ومصر وتوجو. فمع ثورة الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية صغيرة تعلم الناس في كل الدول المستبدة أو الشمولية مما جرى؛ إذ حصدوا العبر وأمعنوا النظر في النتائج الكبيرة التي تمخض عنها غضب الجماهير، ثم تشجعوا، واستجمعوا قواهم، وراحوا يعيدون إنتاج ما شاهدوا، مع اختلاف في الشكل والحجم يتماشى مع الظروف التي يمرون بها.

وحين راحت دول أوربا الشرقية تتساقط واحدة تلو الأخرى أمام عاصفة التغيير التي اجتاحتها بعد ترنح الاتحاد السوفيتي المنهار، حفلت الصحف العربية بكتابات مطولة عن التحول الديمقراطي، بعضها عميق إلى حد الإحاطة وأغلبها سطحي وعابر إلى مستوى الاكتفاء بالعرض والتلميح، لكنها جميعا كانت تريد أن تجيب على تساؤل جوهري مفاده: هل تهب ريح التغيير على جنوب المتوسط؟.

وراح المتفائلون يؤكدون أن الريح لن تعبر العالم العربي من دون أن تهز فيه أركان الجمود والاستبداد، ومال الباحثون الثقات إلى ترجيح قدرة النظم العربية الحاكمة على الاستمرار سنوات أخرى متماسكة وقابضة على زمام الأمور، أما المتشائمون فتصوروا أن الاستبداد العربي سيعيش نصف قرن من الزمن على الأقل، وأفرط هؤلاء في التحسر على مرور ريح التغيير بسماوات العرب سريعا، لتدور في جنبات دول أفريقيا جنوب الصحراء، فتقبل تباعا على تطوير نظمها السياسية باتجاه الديمقراطية، وتعرف اللقب العزيز على كل العرب وهو "رئيس جمهورية سابق"، الذي لا يحمله سوى لبنان.

اليوم تعاود العواصف هبوبها الهادر، فتنزاح الأنظمة المستبدة في آسيا الوسطى والقوقاز وشرق أوربا وأفريقيا، في وقت تسير فيه الكثير من النظم العربية بمعدلات أبطأ كثيرا عما هو مطلوب من إصلاح شامل، وكأن القائمين عليها يتوقعون أن تتفاداهم ريح التغيير هذه المرة أيضا، أو أن يتفادوها بحزمة من الإجراءات الشكلية، أو الطلاءات الخارجية، أو بحملة علاقات عامة لإيهام الخارج بأن هناك اتجاها للإصلاح، أو بامتصاص غضب الداخل، من خلال تعبئته حول اعتقاد زائف في أن الأمور تتحسن، والعجلة تدور.

لكن الجديد أن النخب السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية المعارضة، أو الراغبة في التغيير، هضمت ما جرى خلال الخمسة عشر عاما التي أعقبت سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي، وما أعقب إسقاط نظام صدام حسين، وهاهي تحوّل ما هضمته إلى عصارة من الاحتجاج السلمي، يتصاعد تدريجيا في مصر، وينتقل منها إلى مختلف العالم العربي.

ويكفي هنا أن نقول إن حركة "كفاية" ألهمت يمنيين فشكلوا حركة "ارحلوا" وفلسطينيين فنظموا حركة "كفى"، وأثارت مخاوف السلطات السورية من أن يتجرأ الناس على رموز النظام الحاكم، كما حدث في مصر، وكانت من بين العوامل التي شجعت المعارضة الليبية على التحرك، بعد طول صمت... والبقية ستأتي حتما.

حركة كفاية وفن التظاهر

وإذا كان ما تقدم يدل على أنه من الممكن أن تكتسب الجماهير الغفيرة ثقافة التظاهر، فإن لهذه الثقافة، جانبا حرفيا أو فنيا، شأنها في ذلك شأن أي منتج ذهني، مهما بلغ من التجريد، وأي منتج سلوكي مهما هبط إلى درجة واضحة من السكون.

ويكفي أن نقارن بين مظاهرات المعارضة وتلك التي ينظمها الحزب الوطني الحاكم في مصر لنعرف أنه ليس كل من هتف وصاح يكون قد امتلك فن التظاهر وحاز وعيا بأهميته. فالمظاهرات المدفوعة أو "المؤجرة" التي نظمها الحزب، افتقدت القدرة إلى إنتاج الشعارات الصادقة، ونظم الهتافات الحماسية المعبرة بدقة عن واقع الحال.

على النقيض من ذلك امتاز متظاهرو المعارضة بقدرة فائقة على نظم جمل قصيرة مكيرة جسدت مطالب الحركة الوطنية المصرية كافة، ونجحت في لفت انتباه الإعلام الدولي لها، فراح ينصصها في تغطياته مختلفة الأنواع والأحجام لوقائع الاحتجاج السياسي في مصر.

وقد كسبت "كفاية" ومن والاها تعاطف الناس في أحياء السيدة زينب وشبرا وحدائق الزيتون التي اختارتها لتنظيم تظاهرات محفزة للمصريين على الاحتجاج السلمي؛ الأمر الذي تمت ترجمته رمزيا في قيام الأسر المتابعة للمظاهرات من النوافذ والشرفات بإلقاء زجاجات المياه الباردة إلى المتظاهرين ليواصلوا ترويض الحرارة الشديدة وترطيب الحناجر المجهدة من الهتاف المدوي الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء التي كانت مرسومة من قبل...

وانهيار هذه الخطوط سيكون، من دون شك، المحفز الأول لانخراط الصامتين فيما يجري، بعد أن تعلموا تدريجيا كيفية قتل الخوف اليقظ في قلوبهم وعقولهم منذ أكثر من نصف قرن.

اقرأ أيضا:


** كاتب صحفي وباحث في العلوم السياسية


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع