|

|
|
إستانيول
|
لطالما
أراد أن يعبر عن امتنانه الجزيل لي لأنني كما
كان يردد "عرّفته على إستانبول"، وأنا
لا أذكر إلا أنني كنت أصطحبه وهو التركي
القادم من الأناضول (الريف التركي الممتد)
إلى إستانبول المدينة الصاخبة المتوهجة وهو
الريفي المملوء دهشة وغربة.
كنت
أصطحبه نحو الشاطئ وهناك عند عم "هاكان"
بصحبة حشد النوارس الهائل وضجيجها العالي
كنا نأكل معا وقوفا سمكا طازجا مقليا في
القارب المحاذي لرصيف الميناء العتيق، ثم من
هناك نمشي معا حتى نصل مقهى "تحت الجسر"
نقوم بحشر أنفسنا هناك بجانب العشرات من
الطلاب مثلنا والمغامرين والسياح والثوريين
العاطلين والفاعلين والكتاب المشهورين
والمغمورين والشعراء والمجانين سواء بسواء،
كلنا ننادي "إلهان" النادل العتيد،
كلنا نعرفه، وهو يعرفنا كلنا من بين المئات،
نجلس هناك ونرتشف إستانبول على مهل.
وما
بين رشفة شاي ورشفة نغرق في الصخب اللذيذ
الذي يقطعه قدوم أصدقائنا المدمنين مثلنا
المقهى الحميم نحشرهم بجوارنا على كراسي
القش الواطئة الصغيرة ونكمل حديثنا دونما
انقطاع.
تمضي
الأيام تذوبها الأشياء ويختفي المقهى
وتختفي معه حميمية الأيام الخوالي، فراغ
البال، امتلاء الشباب، لكن صديقي ما زال يصر
على أن أصحبه لمطعم كباب بجوار "سلطان
أحمد" المسجد العظيم بمآذنه الست، "الكبابجي"
بكبابه الذي لا يشبهه كباب.
كانت
هذه أماكن صغيرة وحميمية لم تكن أماكن
فاخرة، ولكني كنت أعرف شخوصها، وزبائنها،
وطبّاخيها، كما لو كنت في بيتي المتناثر في
المدينة كلها، لا فرق بين ساحات مسجد الفاتح
بسكونها وخشوعها الأبديين، وغيرها من
الأماكن.
ثم
خلف السور تماما أصوات الباعة المتداخلة في
"بازار" الأربعاء المزدحم والممتد إلى
ما لا نهاية وسط الحواري والأزقة الضيقة،
كنت أصطحبه معي إلى كل هذه الزوايا، كنا نشرب
الشاي مطلّين على "البسفور" من أعالي
"مودا" و"بوغازيتشي"، كان يحس
بالمدينة تلامسه تبتسم له وهو معي.. لم ينس
هذا..
رحلت
أنا وبقي هو في إستانبول من بعدي يطوف
المدينة التي أعطتني حياة من حياتها.. لمستني
بجناحها المسحور.. ودون أن أكون معه هذه
المرة يطوف بالعابرين بالمدينة مثلي يتسلق
نحو "بيار لوتي" الشاعر الفرنسي
الممسوس بالمدينة هو الآخر والمطل من ضريحه
أعلى التل على الخليج "الذهبي" المرتفع
المهلك صعودا على الطريق الضيق وسط آلاف
القبور، مارا بالمقام الرابض لصيق الأسوار
مقام "أبي أيوب الأنصاري" الصحابي
العجوز العابر الكريم القادم من الصحراء
اللاهبة البعيدة جدا الذي قضى في حملة أحد
الخلفاء المسحورين بالمدينة منذ تلك
الأزمنة المديدة.
يقول
في رسائله الست الأول: إذن لست وحدك في هذا
العشق المقيم للمدينة وتفاصيلها وحياتها
الموّارة، يبعث لي عشرات الكتب... مذكرات من
مرّوا بالمدينة، أحلامهم، خيباتهم، صورهم
العتيقة، يحثني أن أكتب عنها أنا الآخر،
وكلما قرأت كتابا التصقت بي المدينة أكثر
وشعرت بأني أعيش المدينة ألصق من قدرتي على
الكتابة عنها، ولكنه لا يكل ولا يمل صديقي
الجميل التركي هذا، حتى وصلنا هذا الصيف
عندما جاءني إلى عقر داري حاملا معه كتابا
جديدا يتحدث عن إستانبول... "إستانبول
مدينة الشعر" كان اسم الكتاب، ويحه أمسكني
من يدي التي تؤلمني..
وفي
زاوية من زوايا البيت انزوينا نقرأ معا "أنصت
لإستانبول" لـ "أورهان والي"، و"إستانبول
بدونك" لـ "أميت يشار"، و"ملحمة
إستانبول" لـ"بدري رحمي أيوب أغلو"،
و"روحي إستانبول" لـ "نجيب فاضل"،
غيرة أهل البيت من انزوائنا المريب ووسوسته
المدهشة تلاطما ذلك المساء... كان يغريني
بالمدينة، كان يزينها في عيوني، كان يهديني
إياها مجبولة بالحلم المتوهج الذي ما زلت
أحمله هناك في دواخلي مشتعلا موّارا يزيده
صدى أصوات الشعراء الراحلين الموجوعين..
اقرأ
قصائد في عشق إستانبول
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب تركي