هو
إعلام "أحادي الاتجاه" و"إعلام رديء"؛
إعلام يفتقر إلى التنوع في الأخبار، والتعدد
في الرأي، وينتهج سياسة تتمثل في الضغط على
الصحفيين وتهميشهم داخل المؤسسات الإعلامية
وخارجها، وهو يحتل مرتبة متأخرة جدا في
التصنيف العالمي لوسائل الإعلام حتى
بالمقارنة مع التصنيف الإعلامي العربي.
هذا
هو التوصيف الدقيق لحال الإعلام التونسي وفق
أول تقرير تصدره نقابة الصحفيين التونسيين
التي تأسست في مايو 2004، وهو التقرير الذي يعرض
الأوضاع المهنية والمادية للصحفيين، ويلخص
المشهد الإعلامي التونسي والآليات المحكمة
التي أدت به إلى حالته الراهنة.
وقد
حاولت النقابة في تقريرها الصادر قبل أيام
بعنوان "الصحفيون التونسيون.. الحقوق
المسلوبة" توخي الدقة والموضوعية من خلال
قيامها بتحقيقات ميدانية كشفت في صفحات
التقرير البالغة 58 صفحة معلومات مفزعة عن
الخروقات الكثيرة التي يتعرض لها الصحفي
التونسي.
في
قبضة السلطة
يعرض
التقرير بشكل مفصل لسياسة الحكومة التونسية
في السنوات الأخيرة تجاه وسائل الإعلام،
مؤكدا أنها "انتهجت طرقا فعالة لإبقاء
قبضتها المحكمة على الإعلام والإعلاميين".
ويذكر
فيما يتعلق بالإعلام المرئي والمسموع أن هناك
هيمنة مطلقة متمثلة في احتكار البث،
والتعيينات التي تتحكم فيها، والتدخل في جميع
البرامج.
كما
يؤكد التقرير أن الإعلان عن فتح "الفضاء
السمعي البصري" أمام الجهات الخاصة في عام
2003 والسماح ببث إذاعة "موزاييك" وقناة
"حنبعل" ما زال دون شروط أو تعليمات، في
حين أن طريقة منح التراخيص تعتبر غامضة
للغاية.
وفيما
يتعلق بالصحافة المكتوبة يلاحظ التقرير أنه
على الرغم من أن عدد الصحف الخاصة يفوق الصحف
الحكومية الرسمية؛ فإن "سلطة الإشراف"
تتدخل بطريقة مستمرة لإحكام الرقابة
المتعسفة على المضامين التي تنشرها.
ويتجسد
تدخل الحكومة المستمر بإصدار التعليمات
المستمرة لمديري الصحف والمجلات حول
الموضوعات التي يجب تجنبها، وتتعلق بقضايا
داخلية وأخرى خارجية، كما تفرض أجندة معينة،
وعلى الصحف التقيد بها.
بالإضافة
إلى توزيع الإعلانات الحكومية على الصحف
الموالية للسلطة مثل "الوكالة التونسية
للاتصال الخارجي" وحظرها على الصحف
والمجلات التي تتطرق لمواضيع غير مرغوب فيها.
كما يقتصر نشر الأخبار الرسمية على وكالة "تونس
إفريقيا للأنباء" (TAP)، التي تعد المصدر
الوحيد والمفروض على الجميع لتلقي الأخبار
الرسمية منه؛ وهو ما أصبحت معه التعليمات
التي تصدر إلى أصحاب المؤسسات الإعلامية أقوى
من القانون الذي لم يعد مصدرا للحكم بين سلطة
الإشراف (أجهزة الرقابة) والمؤسسات الإعلامية.
ويشير
التقرير في فصله الثاني إلى تعرض الصحفيين
الذين تمسكوا بميثاق الشرف أثناء أدائهم
لمهنتهم لضغوطات عديدة من أصحاب المؤسسات
الإعلامية الحكومية والخاصة، نتج عنها وقوع
حالات طرد كثيرة بإيعاز من السلطة، مشيرا إلى
عدم وجود هيئة مستقلة ذات نفوذ تسهر على
احترام ذلك الميثاق، وتحمي الصحفيين من
تجاوزات السلطة الكثيرة.
حصار
وتضييق متعمد
يذكر
التقرير أن عدد الصحفيين التونسيين
المحترفين يقارب ألف صحفي، وبالرغم من أن
قانون "مجلة الصحافة التونسية" يؤكد على
"أن كل دورية إخبارية عامة أو سياسية ينبغي
أن تثبت أنها تعين صحفيين حاملين للبطاقة
المهنية أو حاصلين على شهادات جامعية في
الصحافة وعلوم الأخبار، على ألا يقل عددهم عن
ثلث الطاقم التحريري الدائم الذي تشغله
الصحيفة"؛ فإن وكالة تونس إفريقيا للأنباء
(الوكالة الرسمية)، ومؤسسة الإذاعة والتلفزة
التونسية التي تشغل العدد الأكبر منهم تتبنى
سياسة تقليص متعمدة لأعداد الصحفيين بهما،
يرافقه تشغيل لغير المحترفين، أو كما يسميهم
التقرير "الدخلاء".
وضمن
سياسة التجاهل لحق المواطن في الإعلام لم يأت
القانون التونسي بذكر حق الصحفي في البحث عن
الأخبار، أو الوصول إلى مصادرها الرسمية، ولا
ينص على حقه في المحافظة على أسراره المهنية.
ورغم
تضمن القانون التونسي للكثير من المبادئ
المتعلقة بالصحفي المهني مثل "بند المضير"،
وبند "الصحفي المحترف"، وهي بمجملها
مأخوذة عن القانون الفرنسي لعام 1935؛ فإن
غالبية هذه البنود تبقى حبرا على ورق.
ويشخص
التقرير حالة الصحفي القانونية والمهنية
بأنها لا ترتقي إلى مطالبهم، في الوقت الذي
تشهد فيه مهنة الصحافة في زمن الثورة
الاتصالية العارمة تغييرات عميقة تجعل من
تغيير التشريع الحالي مطلبا ملحا؛ لأن
الضمانات المهنية التي أقرها "قانون العمل"
المعمول به تجاوزها تطور التشريع الاجتماعي
أشواطا عديدة.
كما
طرحت مسألة بالغة الأهمية تتمثل في "الاتفاقية
المشتركة الوطنية للمؤسسات الصحفية"، وهي
تختص بتنظيم حقوق الصحفي التونسي ونظام عمله
وواجباته، وصدق عليها منذ عام 1975، غير أن
العديد من المؤسسات الإعلامية، رغم قدمها
وعدم مجاراتها للتطورات في عالم الاتصالات،
وتحديدا الخاصة منها، لا تحترمها؛ فأجور
العديد من الصحفيين وحقوقهم الاجتماعية أقل
بكثير مما ورد في تلك الاتفاقية.
حقوق
مهدرة بالجملة
وفي
فصل بعنوان "المؤسسات الإعلامية وحقوق
الصحفي" يسرد التقرير صورة غاية في البؤس
لوضع وسائل الإعلام التونسية ومظالم
العاملين بها.
ويتعرض
الصحفيون التونسيون لمظالم وانتهاكات، تبدأ
بالحرمان من التغطية الاجتماعية التي ينص
عليها القانون، وتشمل خرقا واضحا للقانون في
سلم الأجور ونظام الترقيات والمنح والحوافز،
كما تتكرر سياسة الطرد التعسفي في المؤسسات
التي تعاني أيضا من ظاهرة خطيرة تتمثل "بعائلية
المؤسسة" التي يتقاسم مناصبها الأبناء
والأقارب. وتنتهج بعض الصحف سياسة تعدد
المقالات غير الموقعة؛ فلا يحترم حق الصحفي
بالتوقيع على المقالات التي يكتبها.
وتعاني
وسائل الإعلام التونسية من غياب الحد الأدنى
من التجهيزات المادية التي تعين الصحفيين على
القيام بمهمتهم، ويتم حرمان بعضهم من مقابل
الساعات الإضافية. كما تعتمد بعض الصحف على
المراسلين المتعاونين وليس المنتدبين للتهرب
من حقوقهم التي تكفلها بنود القانون، وتحاول
الكثير منها منع قيام أي تكتل بين الصحفيين
للقيام بتحرك نقابي يحقق مكاسب لهم.
يرافق
ذلك حالة الفوضى في مستوى التحرير، في ضوء
هيمنة مجموعة محدودة على دواليبه، في ظل غياب
اجتماعاته الدورية، كما يتم تهميش بعض
الصحفيين بطرق غير مباشرة وتقييد حركاتهم من
خلال حرمانهم من الدعوات الاسمية التي تصلهم
للمشاركة في مؤتمرات دولية، ودورات تدريبية.
واقع
مهني بائس
وضمن
السياسة التعسفية التي تتبعها السلطات
التونسية -التي يكشفها التقرير- تستخدم
السلطة أساليب محكمة وأجهزة منظمة وفعالة "لهرسلة"
الصحفي التونسي (التضييق عليه)، وملاحقته،
ومنعه من القيام بدوره الطبيعي من خلال ما
يعرف "بمأسسة الوشاية"، ودفع أغلبهم
ليكونوا "العين الساهرة" للسلطة،
ولكتابة مقالات موالية للحكومة، ويستعمل في
ذلك جميع وسائل الترهيب والترغيب من التهديد
بالطرد إلى النقل.
ويتعرض
التقرير لسياسة خطة "الملحق الصحفي"
الذي من المفترض أن يسهل مهمة الصحفيين،
ويمدهم بما يحتاجونه من أخبار ومعلومات، إلا
أنه تحول ضمن النظام الإعلامي إلى وسيلة
فعالة لتوجيه الصحفيين وملاحقتهم.
وإضافة
إلى ما يعتري الوضع القانوني للملحقين
الصحفيين من خروقات جوهرية منها تعيينهم حسب
مقاييس سياسية وإدارية لا تخضع للمهنة؛ فإن
أدوارهم تتمثل في المتابعة المستمرة
للصحفيين والمحاسبة، واللوم، وإنجاز
المقالات الجاهزة التي تنشر في الصحف
التونسية من حين لآخر، إضافة إلى الملاحقة
الفردية.
ويعتبر
التقرير "الوكالة التونسية للاتصال
الخارجي" من أهم العوائق أمام تطوير المشهد
الإعلامي؛ فهي تلجأ إلى أساليب محكمة لحرمان
الصحفيين التونسيين من القيام بعملهم
وملاحقتهم، كما بإمكانها طرد أي صحفي أجنبي
أنجز عملا لم يرُق للسلطات.
وهي
لا تتوانى عن انتهاج سياسة هتك أخلاقيات
المهنة من خلال المقالات الجاهزة التي تعدها
الوكالة وتسلمها حسب الطلب للصحفيين الأجانب
المتعاملين معها، وعبر إرسالها لردود آلية عن
كل ما ينشر عن تونس في أي مكان في العالم.
ويختتم
التقرير بالحديث عن "جمعية الصحفيين
التونسيين" التي تعاني من هيمنة "لوبي"
موالٍ للسلطة منذ 15 سنة في تدجينها وإبعادها
عن دورها عبر اتباع أسلوب التخويف، والتشويه
والتحطيم، والاحتكار التنظيمي.
اقرأ
أيضا: