إذا
تناقشت مع أي شاب مثقف من شباب الحركة
الإسلامية؛ فسيبهرك بكلام منمق موزون عن
الفن الإسلامي، وإذا ما طرحت عليه أسئلة
حول السينما الإسلامية أو المسرح الإسلامي
الذي يبشر به فسيبتسم بهدوء، ويخرج لك من
بين أرفف مكتبته كتبا للشيخ القرضاوي
والأستاذ محمد قطب، ويعتبر أن هؤلاء قد
عالجوا في كتبهم كل ما تسأل عنه.
ثم
إذا دخلت معه في التفاصيل (حول العنصر
النسائي أو التوسع في استخدام الآلات
الموسيقية...) فسيبدأ في التراجع الهادئ،
ويدخل معك في نقاش لا يلبث أن ينتهي منه إلى
القول بأن الأمر ما زال محل البحث!!
التقوقع
داخل فن الإنشاد
ومع
إقراري بحق الحركة الإسلامية في أن تدعو
لفن بمواصفات ورؤية خاصة، ومع كل الاحترام
لجهودها من أجل صياغة فن "إسلامي"
بديل؛ فإن عالم الواقع يختلف تماما عن عالم
التنظير، وربما الأحلام التي استغرقت فيها
الحركة عقودا من الزمن لم تنجز أي عمل فني
واسع الجماهيرية، أو بلغ حد النضج، واستكمل
المواصفات اللازمة لصفة الفن.
فجاءت
تجربة الحركة الإسلامية مع الفن في مجملها
انعزالية عاجزة عن التواصل مع الجمهور،
فضلا عن كونها ضعيفة فنيا إلى حد الركاكة
والتهافت.
فالفن
عند الحركة هو فن الإنشاد كأنما لا يوجد أثر
لعالم السينما أو المسرح مثلا، وانحصر دور
الحركة الإسلامية في الهجوم على الأفلام
والمسلسلات "الماجنة التي تفسد أخلاق
الشباب"، ولعْن الظلام بدلا من أن توقد
شمعة، فتعمل جديا من أجل صياغة فن تمثيلي
قريب من المجتمع الإسلامي.
واللافت
أن هذا الغياب عن الفن التمثيلي ليس نابعا
من رفض مبدئي أو حتى استهانة بدوره؛ بدليل
أن فيلمي "الرسالة" و"عمر المختار"
يكاد يكون معترفا بهما رسميا عندهم كآلية
لتربية النشء الإسلامي.
عالم
مسرح الرجال!!
وبالرغم
من تطور اجتهادات الفكر الإسلامي في الفن؛
فإن الحركة عجزت عن ترجمة هذا التطور لواقع
عملي؛ فلم يجرؤ المسرح الإسلامي على إشراك
العنصر النسائي بالرغم من أن القضية محسومة
بضوابطها الشرعية باجتهادات معروفة
للقرضاوي والغزالي وعلماء الحركة منذ عقود.لذا
يضطر أصحاب هذه الحركة إلى اللجوء لعمليات
التفاف ساذجة تثير الرثاء والشفقة تجنبا
لظهور النساء.
ومن
يرى مسرحية "شقلبة" أو غيرها مما قدمه
شباب التيار الإسلامي في الجامعات فسيفجع
بعالم غريب عن عالم كوكب الأرض لا وجود
للنساء فيه.
وأعتقد
أن أمرا كهذا يحتاج لوقفة من جانب القائمين
على الفن الإسلامي للتساؤل عما إذا كانوا
مهتمين حقا بتقديم فن حقيقي له قدرة
تنافسية أمام الحالة الفنية القائمة بما
عليها من تحفظات شرعية، أم أن الأمر مجرد
تنفيس عن طاقات الشباب الإبداعية، ولعب
عيال إيثارا للسلامة من نقد التيار السلفي.
غياب
الإعلام الإسلامي
كان
غياب الإعلام الإسلامي مبررا ومحل تفهم حين
كانت الدولة تسيطر على الإعلام، غير أنه
أصبح شديد الغرابة الآن؛ فما أسهل إطلاق
القنوات الفضائية؛ فالتيار الإسلامي
الشيعي وحده يملك الآن 4 فضائيات (العالم،
وسحر، والفرات، والمنار). واللافت أن
الحركة الإسلامية السنية في دول مثل لبنان
والعراق هي الوحيدة التي لا تملك فضائية
تعبر عنها.
وأظن
أن هذا الإهمال يثير العديد من علامات
الاستفهام، لا سيما أن الحركة الإسلامية
السنية في العالم العربي ينتمي أغلبها لنفس
التنظيم (الإخوان المسلمون).
كما
أنه لا مجال للمقارنة بين حجم شركة روتانا
مثلا وحجم أي شركة إسلامية؛ فالشركات
الموجودة على الساحة في أغلبها شركات
صغيرة، وكلها مؤسسات قُطرية عاجزة عن إنتاج
أعمال كبرى؛ فغاية طموحها شريط كاسيت توزعه
في معرض الكتاب.
لذا
يجب أن يكون على رأس أولويات الحركة دعم
مؤسسة إسلامية فنية كبرى تملك القدرة على
الاستفادة من الكوادر البشرية المميزة في
الدول الإسلامية ومن ثراء الحركة
الإسلامية المتواجدة في أوربا؛ لصهر كل هذا
في مشروع إسلامي فني ضخم قادر على خوض غمار
منافسة حقيقية في عالم لا يعترف بمجرد
النوايا الطيبة.
ومما
يؤدي إلى تفاقم الأزمة جهل أصحاب هذه
الحركة بعلم صناعة النجم أو فريق معين عبر
الدعاية؛ بل إن الأمر يصل لحد هزلي عندما
يتجاهل الشريط الغنائي ذكر الملحن أو
المؤلف -وأحيانا المطرب ذاته- وكأنما يفترض
أن يسارع الجمهور بشراء عمل فني لمجرد أن
اسمه جهادي أو ثوري، أو لمجرد أن البعض يردد
كلماته في الجامعة والمهرجانات الإسلامية.
ولك
أن تقارن بين سامي يوسف بلحيته المهذبة
وابتسامته الشهيرة وقدرته المذهلة على
الوصول للجمهور وأي منشد إسلامي لا يعرفه
أشد المعجبين به والمتابعين لفنه إذا مروا
بجواره.
الانعزال
عن الوسط الفني
كانت
بداية ظهور الفن الإسلامي بداية مرضية؛
باعتبار أن شباب الصحوة كانوا بحاجة لغناء
بديل يعبر عن نضالهم ويردد في أفراحهم
ومناسبتهم، إلى أن ظهرت المشكلة عندما عجز
هذا الفن عن تطوير ذاته ليخاطب الجمهور
العام بدلا من مجرد مخاطبة شباب الصحوة،
ولينتج فنا "منها" للناس وليس "عنها"
للناس.
وقد
ظهر هذا الإصرار على مخاطبة النفس لا
الجمهور من خلال طبيعة الموضوعات التي
انحصرت في الجهاد والرقائق، وانعزلت في نفس
الوقت عن كافة الاهتمامات الاجتماعية
والحياتية والعاطفية للمتلقي العادي،
وكذلك من خلال لغة الخطاب ذاتها التي
استخدمت مفردات غريبة عن أذن الجمهور؛
فنشيد "لبيك" مثلا هو الأروع لمخاطبة
الشباب الإسلامي، لكن كلمات مثل "جماجم"
و"الحمى" و"دماء" لا شك أنها غير
مألوفة ولا مستساغة لفتاة أو فتى عادي.