لماذا
تتحدث دائما أوربا بلغة الثقافة؟ ما هي غاية
الحوار بين الثقافات؟ من المستهدف من هذا
الحوار؟ هل المقصود تعاون وتفاعل أم استهلاك
للآخر؟ هل يصبح حوارا فعليا خاصة في ظل
الهيمنة الأمريكية ووقوف أوربا على خط
الدفاع الأمريكي، أم هي محاولة أوربية
لإثبات الوجود في مواجهة التفرد الأمريكي
بالساحة الدولية؟ وماذا سيستفيد العرب
والمسلمون من هذا كله؟.
لقد
ساد أوربا إحساس بأن الخطر قادم إليها من
منطقة البحر المتوسط خاصة بعد أحداث الحادي
عشر من سبتمبر وما يسمى بالحرب الدولية على
الإرهاب.. وبدأ يستشري فيها فوبيا خطر الزحف
الإسلامي على التركيبة السكانية للقارة ما
بين النمو الهائل لأبناء الجاليات المسلمة
وتصاعد زحف وفود الهجرات.
وفي
ظل النظام العالمي الجديد أصبحت الثقافة
الأداة الرئيسية لأوربا لمواجهة "السرطانات"
الفكرية التي تهدد أمنها خاصة القادمة من
مناطق جنوب وشرق المتوسط. وتعد الثقافة من
أبرز أدوات التفاعل الدولية خاصة في هذه
الحقبة من زمن العولمة بجدالاتها المختلفة.
وقد
دفع هذا بأوربا إلى دعم التعاون الثقافي مع
جنوب المتوسط، خاصة في مجال التعليم على
أساس أنه النواة الأولى لتشكيل التوجهات
الثقافية لدول البحر المتوسط، كما اهتمت
بقضايا المرأة وحقوق الإنسان، وبدأت في
تقنين منظومة القيم التي يجب على دول جنوب
المتوسط وشرقها مراجعتها، إضافة إلى
الاهتمام بقضية الهوية والاندماج داخل
المجتمع الأوربي.
وقد
بدأت أوربا تأخذ خطاها السريعة في بلورة
الحوار الثقافي بداية من مؤتمر برشلونة 1995 (بالرغم
من اقتصاره على مجالات التراث الثقافي
المشترك والترجمة)، وصولا إلى مشروع الشراكة
الذي طرح المسألة الثقافية بمفهومها الواسع
من خلال وثائقها التي تتراوح دلالاتها ما
بين الغموض والهيمنة الأوربية.
ثم
بدأت أوربا بعد ذلك عملية تفعيل الحوار
الثقافي بتكوين المؤسسة الأورومتوسطية
لحوار الثقافات بناء على قرار مؤتمر وزراء
الخارجية الأورومتوسطية في ديسمبر 2003،
والتأكيد على امتداد دورها ليتجاوز حدود
نطاقه فيصبح عنصر تقاطع وتداخل يربط يبن
جميع أوجه العلاقات الأورومتوسطية، ومن ثم
إنشاء شبكات وطنية في الدول المشاركة لتفعيل
عملية الحوار.
إذا
كان مؤتمر برشلونة قد جاء خاليا من توضيح
العلاقة بين الأبعاد السياسية والاقتصادية
والثقافية، فإن ثمة توجهات متباينة أثارت
النقاش حول هذه العلاقة، ما بين من يرى أن
الحوار الثقافي يعد مدخلا لتحقيق الهيمنة
السياسية والاقتصادية للطرف الأقوى أي
أوربا، ومن يؤكد أن الحوار مسار لحل القضايا
السياسية، وثالث يتوسط الطرفين ويحفظ لكل
ثقافة رؤيتها المتميزة عن الآخر، معتبرا أن
حوار الثقافات لا يعني الدفاع عن أنفسنا
ولكن الدفاع عن القضايا الإنسانية.
وقد
تبلورت هذه الآراء من خلال الندوة التي
عقدها برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد
والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حيث
تلاقت الأطراف العربية والأوربية؛ في
محاولة لدراسة فكرة الحوار والتعرف على مدى
فاعليته.
وكان
أبرز ملامح اللقاء قلق الجانب العربي وشكه
في أن يتحول هذا الحوار من ديالوج Dialogue إلى
مونولوج Monologue، إلا أنه أكد -في الوقت نفسه-
على أهمية الخوض في هذا الحوار والتفاعل مع
الآخر مع الحفاظ على الخصوصيات العربية، مع
التأكيد أيضا على أنه لا يمكن إتمام حوار
ثقافي بالمعنى الحقيقي دون وضع حلول للقضايا
السياسية والاقتصادية الرئيسية كالقضية
الفلسطينية والعراقية وغيرها، وإلا فسيصاب
الحوار الثقافي بالخلل كما أوضحت الدكتورة
نادية مصطفى رئيسة مركز الدراسات السياسية.