بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المقهى الثقافي   -    دردشة   -    دليل المواقع الثقافية    -    صوتيات ومرئيات 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين


منير شفيق وتفكيك تقرير التنمية الإنسانية العربية

2005/04/06

منتصر حمادة **

غلاف الكتاب

نقد رصين وصارم وصريح ذلك الذي نطلع عليه في قراءة المفكر الفلسطيني منير شفيق لحيثيات تقرير "التنمية الإنسانية العربي" (لعامي 2002 و2003)، بحسب ما جاء في مؤلفه الأخير الموسوم "تنمية إنسانية أم عولمة؟".

ولعل الكلمات الأولى التي يفتتح بها شفيق كتابه "تنمية إنسانية أم عولمة؟" (عن دار الطليعة. بيروت. الطبعة الأولى 2004) توجز الخطوط العريضة لما قد نعتبره النقد الأبرز الصادر عن أقلام الساحة العربية، حيث تساءل في البدء عن سر "كل هذا الاهتمام الدولي الصهيوني بتقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003، وعن أسباب اعتبار التقرير داعمًا للرأي الأمريكي الذي يرى أن المجتمعات العربية هي وحدها المسئولة عن تفريخ الإرهاب!".

كيف تم توظيف التقرير؟

يذهب منير شفيق إلى حد وصف التقرير بأنه "أصبح مرجعًا في استهداف الأمة"، مستشهدًا على الخصوص بما قاله سعد الدين إبراهيم من أن "أحداث 11 سبتمبر 2001 أعطت أمريكا الحافز الإستراتيجي لحركة ضد الأنظمة العربية المستبدة، وأعطاها تقرير التنمية الإنسانية العربية المبرر المعنوي لهذا التحرك"، وما حرره توماس فريدمان الذي يدعو صناع القرار السياسي في البيت الأبيض، ومعهم العديد من الفاعلين السياسيين العرب إلى اعتبار أن الوجود الأمريكي في العراق سببه "واحد؛ هو مساعدة العراقيين لتطبيق تقارير التنمية الإنسانية العربية حتى يمكن أن تحدث حرب الأفكار من الداخل كما يسعى المفكرون العرب".

ويخلص شفيق إلى عدم "تبرئة التقريرين من المسئولية في استغلالهما من قبل القوى الخارجية المتدخلة في شئون الأمة إلى حد شن العدوان والاحتلال. فقد تم استغلال التقريرين ضد العرب ليس لأنهما قالا الحقيقة أو مارسا نقدًا ذاتيًّا وهميًّا، وإنما بالغا وضخما إلى حد الطغيان على الواقع العربي".

تقزيم دور العوامل الخارجية

يرى منير شفيق أن كل حديث عن الاقتصاد أو التنمية الاقتصادية أو "الإنسانية" لا يضع في حسابه النظام الدولي السائد من الناحيتين العسكرية والسياسية أساسًا، ولا يدرك الإستراتيجية العليا للدول الكبرى، وخصوصًا الولايات المتحدة، والدور الذي يلعبه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إزاء هذا البلد أو ذاك، أو هذه المنطقة أو تلك في العالم الثالث، يذهب شططًا. وهو ما وقع فيه التقرير وهو يقرأ "التنمية الإنسانية" في البلاد العربية وسائر بلدان العالم الثالث معزولة عن تلك المؤثرات.

ويزيد على ذلك أن تناول التقرير لموضوع الاحتلال الإسرائيلي جاء مسطحًا. فقد حصر كل المشاكل في الاحتلال فقط، ولم يره في الصهيونية والدولة الصهيونية وإستراتيجياتها وتهديدها للأمن القومي قطريًّا وعربيًّا، كما لم يلاحظ ما يعنيه التفوق الكاسح في التسليح التقليدي وفوق التقليدي، وقد نسي أن البلاد العربية خاضت مؤخرًا سبع سنوات من الصراع الحاد ضد "الشرق أوسطية" التي استهدفت وضعها تحت الهيمنة الإسرائيلية، وضمن تسوية تتم وفقًا للشروط الإسرائيلية. وهذا كله يتعدى إشكالية الاحتلال بأميال كثيرة، ويتعدى تأثيره في التنمية في مختلف مجالاتها تأثير الاحتلال بحد ذاته، ومن الغريب أن التقرير حين يتطرق إلى الاحتلال يستعير البعض عبارة "استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين" وليس جرائم حرب متعددة الأوجه، وهو تعبير نحت أمريكيًّا وأوربيًّا وتم تدويله.

وبكلمة يرى شفيق أن التقرير لا يهتم بالربط بين العولمة والإستراتيجيات الدولية، ولا بما عصف بها من متغيرات وإخفاقات خلال السنتين الماضيتين من اتجاه علني نحو عسكرة العالم أمريكيًّا وفضائح الشركات الأمريكية قائدة الشركات متعددة الجنسية والانهيارات في دول من العالم الثالث أدمجت نفسها في العولمة، إضافة إلى بروز نتائج وخيمة في البلدان الفقيرة التي أخذت تتهدد البورصات كما في أمريكا اللاتينية، فالتقرير لا يأخذ في موضوع العولمة بمواقف بلدان العالم الثالث وملحوظاتها، أما السبب فيعود إلى انحيازاته وتبنيه لكل المقولات "الرسمية" العالمية.

إدانة العرب بأقلام عربية..

إن طامة أدلجة التقرير تقود بشكل مباشر إلى السقوط في "استشراقية" جديدة على حد تعبير نشرة "ميريب ريبورت" حيث اعتبرت -وهي من المتعاطفين مع القضايا العربية- أن هذا التقرير "يؤسس لنظرة استشراقية جديدة للمنطقة العربية، ولكن هذه المرة بأقلام عربية". ولهذا دلالته في "تلقف بعض الأوساط الغربية المعروفة بعدائها للعرب والإسلام لبعض ما جاء في التقرير، واعتبار أن مقولاته واستنتاجاته تنطوي على جرأة نادرة وصراحة غير مسبوقة".

والمثير هو محاولة مسئولي التقرير والمدافعين عنه تصوير تلقف الأوساط الغربية للتقرير باعتباره "مفخرة" له وللعرب. أو أن ذلك يرجع لإعجاب هذه الأوساط بعلمية التقرير وموضوعيته وجرأته في النقد الذاتي! وبطبيعة الحال تم التطبيل لحيثيات التقرير عند أغلب المعلقين في الصحافة الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية، واستفاد منه ساستهم؛ حيث إن مؤداه أن مسئولية الفشل تقع على العرب وحدهم. وسواء غضب مؤلفو التقرير من هذه النتيجة أم لم يغضبوا، فإن التقرير الأول ما كان من الممكن إلا أن يقود إلى تلك النتيجة. وتظل المسئولية في عنق التقرير لما احتواه من خلل متعدد الأوجه في منهجه، مهما قيل خبث مستغليه.

وحسب منير شفيق فإن هذا الخلل متعدد الأوجه هو الذي أدى إلى ذلك الفهم، أو سمح بالترويج للفكرة التي التقطها المعلقون والساسة المغرضون منه، وهو ما يؤكده تعليق فريدمان سالف الذكر، أو حديث جريدة "جارديان" البريطانية من أن "التهديد الأساسي الذي يواجه المجتمعات العربية لا يأتي من الغرب"، وأن "العدو في الداخل" (عدد 5/7/2002)، أو ما ذكرته "الإندبندنت" من التقرير يشير إلى "بيئة اجتماعية أقل تسامحًا؛ لذلك تتجنب مناقشة الإسلام وثوابت المؤمنين به" (عدد 3/7/2002)، وكذا تقرير مجلة "الإيكونومست" الذي كان عنوانه: "ساروا بأنفسهم إلى الفشل" (عدد 12/7/2002)، وهو ما دفع بجريدة "هاآرتس" الإسرائيلية إلى التعليق: "لو لم يكن المؤلفون مثقفين مرموقين من العرب لاتهموا بالعنصرية بسبب التقرير" (عدد 24/9/2002).

وإجمالا.. فإن الأعين الحاقدة على العرب، وخاصة الأمريكية والصهيونية، وجدت في التقرير "ضالتها"؛ لأنه أثبت "حقيقتين": الأولى أن المشكل العربي داخلي صرف، وأن الغرب والدولة الإسرائيلية لا يتحملان أية مسئولية في ما آلت إليه الأوضاع العربية من سوء، والثانية، أن المجتمعات والأنظمة العربية بحاجة إلى تغيير يتأسس على الحرية والمعرفة وتمكين المرأة، كما أكد التقرير وأثبته، برأيهم، بـ"البيانات والمعلومات الدقيقة الموثقة".

في نقد زلات التقرير الثاني

ينبه منير شفيق إلى أن التقرير الثاني (لسنة 2003) بدا وكأنه يستدرك الأخطاء الفادحة التي وقع فيها سابقه (تقرير 2002)، وخاصة تلك التي تتعلق بعدم الإشارة إلى العوامل الخارجية التي أهملها وتجاهلها بشكل غير علمي ولا معقول التقرير الأول (ومن أهمها العامل الإسرائيلي، والسياسات الأمريكية إزاء المنطقة، والعولمة والملكية الفكرية والنظام الدولي السائد، فضلاً عن إشكالية التمزق العربي)، إلا أن هذا الاستدراك بدا وكأنه محاولة لمصادرة أي نقد للتقرير؛ لأنه لم يدخل الاستدراكات في صلب متنه ونظريته، وذلك ليستبقي "نظرية النواقص الثلاثة": الحكم الصالح والمعرفة وتمكين المرأة. وهي ثلاثية يرجحها على كل النواقص الأخرى بلا إثبات وبرهان، رغم إمكانية أن تكون هناك شراكة تجعلها رباعية أو خماسية! خاصة في ظل نواقص أخرى قد تكون أكثر إلحاحًا.

يتهم شفيق مؤلفي التقرير بالانصياع لعالم المثال واليوتوبيا وهم يتحدثون عن مضمون "الحكم الصالح". فماذا يقولون لو جاءهم دعاة الحكم الإسلامي وقالوا لهم إن كل ما قلتموه عن الشفافية والمساءلة والتمثيل الشعبي وتحقيق التوافق العام يدخل ضمن شروط أولية فيما عرف من حكم إسلامي راشد، لكن تضاف ثلاث مزايا تفتقدها مرحلة الحكم الإسلامي الراشد؟.

وبالإضافة إلى كل تلك الضمانات الآتية من المجتمع/ الناس لتكريس "الحكم الصالح"، هنالك العدالة على المستوى الفردي والاجتماعي والناس كافة وبمعانيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، وهنالك الدافع الديني الذي يدفع الفرد والجماعة إلى العطاء بلا مقابل مادي أو معنوي من المجتمع أو الناس، وثمة الوازع الديني الضميري الإيماني الذي يسهم بالردع إلى جانب القوانين والشفافية والمساءلة وحكم القانون. ثم هنالك الهدف المتعالي (أي مرضاة الله) الذي يفترض به أن يعلو على صراع المصالح، وهو من شروط التوفيق في ما بينها.

الترويج لمنظومة "الحكم الصالح"

ويلاحظ المؤلف أن لغة البنك الدولي انتقلت من مقولات: القروض والتنمية والعائد والجدوى، إلى مرحلة سميت إعادة تصنيف المصطلحات والمشاريع فأصبحت المفاهيم إياها "مطعمة بالجندر (أي النوع) والبيئة والمجتمع المدني والحكم الصالح". وكان البنك الدولي لعام 1994 قد راح يستخدم هذه الإضافات شرطًا للتنمية، أو لإعطاء القروض والمساعدات لتأمين الضمانة ضد الفساد، ثم أضاف "المشاركة والشفافية والمساءلة وتنمية المجتمع المدني". وينبه إلى أن البنك الدولي ومن يقوده قد دعما الأنظمة الاستبدادية في الثمانينيات من القرن الماضي من أجل تمرير "إعادة الهيكلة" و"رفع الدعم عن السلع الأساسية"؛ الأمر الذي كان يقتضي قبضة حديدية لكبت احتجاجات الفقراء، والناس عمومًا. أما الآن فقد بدأت مرحلة جديدة تحت عنوان "الحكم الصالح" لتمارس الضغوط الدولية على الدولة نفسها.

ويلفت النظر إلى احتجاج التقرير الخطير والمستمر بغياب "الحكم الصالح" عند كل انهيار أو فشل داخلي في ظل العولمة وتنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي واتفاقيات التجارة العالمية و"حقوق الملكية الفكرية"، ويراه ستارًا لإبعاد المسئولية عن العولمة وعن تلك التوصيات والاتفاقيات لإلصاقها بالداخل: "غياب الحكم الصالح" والذي هو غائب كليًّا أو جزئيًّا بتفاوت في كل بلد. وهو صالح جدًّا لإعفاء الخارج من مسئوليته، واستخدامه للتدخل في الشئون الداخلية والحصار. وهو ما لا تستطيعه إلا قوى الهيمنة العالمية، خاصة في تعاملها مع بلدان العالم الثالث، مع تركيز خاص على البلاد العربية والإسلامية.

استشراق "الأسرة الأبوية"

وحسب شفيق ليست العائلة العربية بالتأكيد على الصورة التي يقدمها التقرير مستندًا على نظرية "الأسرة الأبوية" و"المجتمع الأبوي". فتنشئة هذه العائلة للفرد العربي لا تقوم على المواقف المنافية للعقل، ولا على معارضة التغيير. ولعل هذا المعطى يفسر تلك الحماسة التي استقبلت بها الموضوعات الاستشراقية الخاصة بـ"الأسرة الأبوية" و"الجوهر الثابت الراكد" لمجتمعاتنا و"الاستبداد الشرقي"، لمعرفة أسباب هبوطنا إلى "أدنى سلم التقدم بالمقارنة مع المجتمعات الأخرى بمقاييس التنمية والتقدم". ولا حاجة إلى أن تكون هنالك مقارنات علمية وجادة، وإنما تكفي مقارنات منتقاة بطريقة مقتصدة.

ويضرب شفيق مثالا بالأسرة الفلسطينية فالذين يشاهدون أبناء وبنات "الأب الطاغية الرهيب" الذي يربيهم على الخضوع والاستسلام -كما يصور التقرير- وكيف يتصرفون هم وأمهاتهم وآباؤهم في الانتفاضة الفلسطينية: في المواجهات وألوان الظروف القاسية، يعرف أنه ليس أمام أسر تقوم على الاستبداد، وإنما أمام مكونات أخرى للأسرة، من بينها المساكنة والتراحم والتكافل والتضحية المتبادلة، ومن دون أن يؤول احترام الأب والأم وسماع كلمتها وعدم إغضابها إلى استبداد وقمع، أو إلى عدم المساءلة، وحتى التمرد إذا اقتضى الأمر. وهو ما يمكن أن ينطبق على الأسرة العربية عمومًا.

وهو يخلص إلى تجاهل محرري التقرير لكون الأسرة العربية ذات سمات متعددة، ولا يمكن اختزالهما بسمة واحدة إطلاقية وتعميمية بصورة مخلِّة. مثلما تعمم صورة "السيد عبد الجواد"، في ثلاثية نجيب محفوظ، على كل الآباء في الأسر العربية.

ختامه نيران نقدية

نختتم بذكر لائحة من المؤاخذات النقدية التي يعرج عليها منير شفيق في قراءته القيمة للتقرير، ومنها أنه يعاني من الضعف في بياناته ومعلوماته الموثقة والدقيقة وهو ما يعترف به في عشرات المواقع. وخاصة ما شابه من عيوب في مؤشراته لقياس التنمية الإنسانية، وقد وصلت الانتقائية به إلى خلل منهجي فاضح علميًّا ومنطقيًّا وواقعيًّا حتى صارت قضيته هنا ليست إثبات التخلف العربي في مجالات التنمية الإنسانية، وإنما وضعه في أدنى مراتب العالم أو ليظهره صارخًا.

ويضرب مثالا بمجال التعليم الذي أبى التقرير إلا أن تقع المرتبة العربية في الحضيض. ولهذا لم يقارن في قضية "إقامة مجتمع المعرفة" بين دول العالم العربي ومجموعات دول، وإنما جعل دول المقارنة: إسرائيل وتايوان وهونج كونج وكوريا الجنوبية والهند والصين كلا على حدة. وهي مقارنة مقصودة رغم أنها لا تستقيم.

فعدد سكان هونج كونج أقل من سبعة ملايين نسمة، وتشكلت عبر خصوصية حتمتها إستراتيجيات الحرب الباردة بين الصين والغرب وجنوب شرق آسيا. والحال نفسه بالنسبة إلى تايوان وكوريا الجنوبية باعتبارهما نتاج معادلات الحرب الباردة، حيث صبت فيهما الاستثمارات الخارجية التي حركت مفاعيلهما الداخلية. أما موضوع إسرائيل كدولة مقارنة، فلا يقل فضيحة، وذلك من أوجه عدة، في مقدمتها أنها حالة مصطنعة اصطناعًا، وتتلقى من الدعم العالمي في كل المجالات ما لا يتوافر لأي بلد آخر في العالم نوعًا وكمًّا. هذا من دون الحاجة إلى إثارة البعد السياسي في استخدامها كدولة مقارنة "طبيعية".

ومؤاخذات أخرى كثيرة يضيق عنها المقام، ولا بد فيها للرجوع إلى نص التفكيك المهم الذي قدمه شفيق لتقرير التنمية العربية.

اقرأ أيضًا:


** كاتب من المغرب


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع