 |
|
خطبة الجمعة بجنيف
|
في
ظل الأجواء العدوانية المتصاعدة في الغرب ضد
الإسلام، تبدو سويسرا جزيرة هادئة محمية من
رياح التوتر السياسي والأيديولوجي الذي خيم
على العالم بعد 11 سبتمبر، وفيها يعيش
المسلمون في سلام، ولا يشعرون بالعدوانية
تجاههم. وقد ارتبط هذا الاندماج في جانب كبير
منه بإعادة تشكيل القيم الإسلامية على أسس
المبادئ الغربية وعلى رأسها العلمانية؛ وهو
ما هدد أحيانا بتجاهل أحكام الشريعة والقيم
والمبادئ الحاكمة لحياة المسلمين، وهو ما
أظهرته بوضوح نتائج استطلاعات للرأي أجريت
مؤخرا في سويسرا.
انتشار
الإسلام في سويسرا
منذ
ثلاثين سنة تقريبا والإسلام ينتشر في سويسرا
بطريقة مستمرة وبنسبة كبيرة، فقد بلغ عدد
المسلمين حوالي 17 ألفا في سنة 1970 ثم 56 ألفا في
سنة 1980، و152 ألفا في سنة 1990، ويتجاوز عددهم
الآن 300 ألف مسلم طبقا للتعداد السكاني سنة
2000.
وتتكون
الجالية المسلمة في سويسرا من مهاجرين وفدوا
إليها بحثا عن العمل، وأول روافد هذه الهجرة
كانوا من الأتراك ثم تلاهم العرب، وهذا لا
يعني أن هذه الجالية من الأتراك والعرب فقط
بل تشمل أيضا مسلمي البوسنة وألبانيا... لذا
يجب الأخذ بعين الاعتبار التعدد الثقافي
لمسلمي سويسرا والأشكال المختلفة التي يمكن
أن تتم من خلالها ممارسة الإسلام من مجموعة
إلى أخرى بسبب اختلاف تقاليدها وانتمائها
الجغرافي.
وفي
أول استطلاع رأي نشرته جريدةSonntagsblick) )
الأسبوعية حول النظرة السويسرية للمسلمين
في سويسرا يوم 28 نوفمبر 2004 نجد أن 76% من
السكان السويسريين غير المسلمين لا يعتبرون
المسلمين خطرا، و53% ليسوا ضد ارتداء الحجاب
في ساحة العمل. وفى يوم 9 ديسمبر 2004 ردت
الجريدة الأسبوعية السويسرية (L’Hebdo)
باستطلاع رأي آخر شمل 607 مسلمين مقيمين في
شتى ضواحي سويسرا، يوضح لأول مرة في أوربا
بشكل علمي موقف المسلمين من المجتمعات
الغربية والاتجاهات العامة لتأثير
العلمانية على تدينهم.
يقول
ميشال بوري أحد المسئولين عن الملف الخاص
الذي أعدته جريدة ليبدو: "إن هدفنا هو
المشاركة في حوار اندماج الإسلام في الغرب
الذي يروج في أوربا كلها. وقد أسس ملفنا من
خلال سياقين: السياق الأول هو تداعيات قانون
منع الحجاب في فرنسا، والسياق الثاني هو
محلي: يخص تداعيات الاستفتاء الشعبي حول
تسهيل الحصول على الجنسية السويسرية".
ويضيف "اكتشفنا أن عدد المسلمين في البلد
تضاعف مرتين في السنوات العشر الماضية. وإلى
الآن كانت الصحف تحصر عملها فقط على رأي
السويسريين في الإسلام، وأثبتوا حذر
السويسريين من المسلمين وجهلهم بطبيعة
الدين الإسلامي، ونحن بدورنا أردنا أن نكون
مرآة عكسية ونبين إحصائيا أفكار المسلمين
حول دينهم وعلاقتهم مع المجتمع المحيط بهم".
قبول
الآخر.. واندماج قواعده
وأوضح
استطلاع "ليبدو" أن تدين المسلمين في
سويسرا تغير نتيجة وجودهم في الغرب مما أدى
إلى اهتزاز أسس الإسلام. كما اتضح أنه في ظل
الأجواء السياسية الساخنة حول وجود
المسلمين في الغرب، لم يشعر مسلمو سويسرا
بالعدوانية المتوقعة ضدهم، فنجد أن 85% منهم
يشعرون بالقبول اتجاههم، و80% منهم يقولون
بأنهم لم يتعرضوا لأي نوع من التفرقة بسبب
دينهم، و1.8% فقط يقولون بأنهم يشعرون بعنصرية
متواصلة.
وفيما
يخص شعور المسلمين بقبولهم من جانب الشعب
السويسري، نجد أن 38.7% من مسلمي سويسرا
يشعرون بأن السويسريين راضون بهم تماما، و45.6%
منهم يقولون إن المجتمع راضٍ بهم إلى حد ما،
و%12.6 يرون أنه راض قليلا ، و0.9% يرون أنه لا
يرضى بهم نهائيا. وفيما يتعلق بالعنصرية
اتجاه الدين، يوضح الاستطلاع أن 79.1% منهم
لا يشعرون بأي نوع من التفرقة تجاه الدين
الإسلامي، و%11.5 يتعرضون نادرا للتفرقة، و%7.5
يشعرون بها من حين لآخر، وأخيرا%1.8 يتعرضون
للتفرقة باستمرار.
وبالمقارنة
مع الأعوام السابقة يشير الاستطلاع إلى أن 45%
يرون تدهورا في موقف السويسريين من
المسلمين، في حين يرى 42% أن هذا الموقف
تحسن أو بقي على حاله.
كما
اكتشفت جريدة ليبدو من خلال هذا الاستطلاع
أن مسلمي سويسرا تأثروا بالعلمانية،
ولكن هذا التأثير لم يغير في الحس الديني
نفسه، فنلاحظ أن 17% فقط من العينة يعتبرون
أنفسهم مسلمين بلا ممارسة دينية، و 60% يصنفون
أنفسهم من بين المسلمين المتدينين.
التحلل
من أحكام الشريعة
 |
|
الجامع الكبير بجنيف
|
ولكن
الشيء الذي تغير هو المبادئ الإسلامية التي
تفككت نتيجة اندماج المسلم داخل المجتمع
السويسري. ومما لا شك فيه أن أغلبية العقلية
الصامتة المسلمة تتغير تدريجيا في اتجاه ريح
المجتمعات المادية. ومن أغرب المؤشرات التي
أوضحت لجريدة ليبدو مدى رغبة اندماج مسلمي
سويسرا داخل مجتمعهم هو استعداد الآباء
لتزويج بناتهن من غير المسلمين، فـ 77,3% من
العينة لا تجد مشكلة في زواج مسلمة بغير
مسلم؟! و 10.9% فقط يرفضون بشكل مطلق هذه الفكرة
التي تخالف بالفعل الفقه الإسلامي.
كما
أنه مع هذا الانفتاح الكبير على المجتمع
السويسري وجد أن 69,1% منهم ليس لديهم أدنى
مشكلة في دخول المرأة المسلمة بلا محرم مكان
رقص، و74,6% لا يرفضون فكرة حمام السباحة
المختلط و80,6% لا يعترضون على تواجد المرأة
المسلمة في المقهى، مقابل 4,3% من العينة
يرفضون هذه الفكرة. وفي نفس السياق تبين أن
65,2% من مسلمي سويسرا يعتبرون احترام القانون
السويسري أهم من احترام الشريعة الإسلامية.
وعلى صعيد الحجاب وجد أن 35% ضد ارتداء الحجاب
و20,5% من العينة فقط يقبلون ارتداءه في سويسرا.
وما
يثير الدهشة قبول الأغلبية الساحقة لمبدأ
الردة عن الإسلام، حيث وافق 68,8% من العينة
على فكرة الردة، وتبنى المبدأ العام لحقوق
الإنسان الخاص بالحرية الدينية. ويمتد الأمر
إلى أن 61,1% يقبلون طرد الأئمة الأجانب الذين
يقولون بحق الزوج في تأنيب زوجته (يعني الضرب)،
و51% مع فكرة طرد المدرسين الذين يحللون عقوبة
الرجم.
تفكيك
التقاليد الدينية وأزمة المؤسسات
يمكن
أن يترجم هذا التفكيك كإستراتيجية لمسلمي
سويسرا لتسهيل عملية الاندماج داخل المجتمع
المحيط بهم، أو نتيجة هيمنة مبادئ الثقافات
الغربية العلمانية على المسلمين. ولكن
نستطيع أيضا أن نعتبر هذا التفكيك نوعا من
تحديث مسلمي سويسرا لأساليب التدين
الإسلامي نحو الخطوط العامة للتدين المسيحي
الجديد في الغرب. ومعظم المسلمين الذين
يعيشون في الغرب، يعانون من تفكيك المؤسسات
الدينية، كما أن العلمانية لعبت دورا بارزا
في القضاء بشكل ما على الثقافات الدينية
للمسلمين خاصة أنهم أقلية. وتأكيدا على هذا
الاستطلاع يقول باتريك هني (باحث في مركز
التوثيق والدراسات الاقتصادية والقانونية
والاجتماعية في القاهرة): "نلاحظ مفارقة
في نموذج اندماج المسلمين في سويسرا، حيث لا
يتسم بالعدوانية أو بالعلمانية المتعصبة
ولا بديناميكية تهميش المسلمين في ضواحي
الفقر والبطالة. وعلى هذا الأساس فمسلمو
سويسرا ليسوا في حاجة إلى إعادة بناء هوية
تحت الحصار، فالأجواء السلمية لاندماجهم
تؤدي إلى تسهيل التفاعل الحضاري وتبادل
القيم، أي تعني إعادة بناء تدين جديد يرفض
التفرقة ومنطق نحن والآخر".
اقرأ
أيضا:
**
باحثة مغربية مقيمة في سويسرا.