هناك
فارق كبير بين الحرية والانفلات الذي يعني
الإفراط في التحرر من كافة القيود، ولا يوجد
مجتمع أيًّا كانت درجة ديمقراطيته يسمح
بحرية مطلقة، فعلى الأقل تنتهي حرية الفرد
حين تبدأ حرية غيره. وهناك بون شاسع بين
الإبداع الحقيقي والفوضى الفكرية، يتأسس
على مبدأ "القدرة على التغيير".
فالإبداع يعمل على تغيير الواقع المعاش،
والفوضى الفكرية تقف عاجزة عن إتيان هذا
الفعل المهم. وهناك تمييز بين البحث العلمي
المنهجي وبعض الكتابات الارتجالية التي
يتوسل أصحابها بالتابوهات المحرمة في
حياتنا مثل الدين والجنس والسياسية طلبًا
لشهرة غير مستحقة، ورغبة في إحداث جعجعة من
دون أن يكون هناك أي طحين.
وفي
ظل تمسك المؤسسات الدينية والمبدعين كل بما
يراه، من دون حوار أو انفتاح وتسامح مع الطرف
الآخر، لن ينقشع الضباب الذي يخيم على
حياتنا الفكرية والإبداعية. فالذين يقيسون
كل منتج فكري على ما لديهم من تصورات دينية
سيجدون دائمًا ما يبرر بعض مواقفهم المتشددة
حيال ما يستجد من أفكار. والذين يكرسون
حياتهم للإبداع والتفكير سيعتقدون دائمًا
أنهم أحرار في تصوراتهم وآرائهم، وأن هذه هي
الطريق الوحيدة نحو التقدم.
وللخروج
من هذا المأزق لا بد أن يعرف كل طرف حدوده،
فلا يتحجر المتدينون بما يؤدي إلى تكلس وشلل
التفكير وموته، ولا يتفلت المفكرون
والمبدعون بأشكال من التجاوز والاعتداء على
العقيدة بما يجرح مشاعر الملايين من
المتدينين. وهذا الأمر يتحقق حين نفهم
جميعًا المقاصد العامة للدين، وفي أولها أن
الله سبحانه وتعالى قد أوجده لمصلحة الناس،
وليس العكس، وحين ندرك السياق الأوسع
للإبداع، وفي مستهله أنه عملية لا تدور في
فراغ، إنما تنبع من ظروف معينة، وتسعى إلى
تحقيق أهداف محددة، حتى لو لم يكن منتجها
يقصد ذلك صراحة. وفي كل الأحوال من المهم أن
يدرك الطرفان أن الفكر لا يواجه إلا بفكر
مثله، وليس بدوائر قضائية أو إشهار السلاح،
ناهيك عن المصادرة والمطاردة والنبذ.
ولأن
أغلب المشكلات التي تثيرها المؤسسات
الدينية حول حرية التعبير تتعلق
بالإنتاج الفني عمومًا والأدبي خصوصًا،
سنتناول في هذا المقام، في صيغة ملاحظات
عامة، إمكانية أن تكون هناك ضوابط للكتابة
الأدبية، تحت لافتة عريضة مفادها أن الحرية
مسألة نسبية وليست مطلقة في أي مجتمع، وأن
حرية أي مبدع تنتهي حين تبدأ حريات الآخرين
في الاعتقاد والفهم والسلوك.
مراعاة
طبيعة المجتمع
وأولى
هذه الملاحظات ما يؤكده نقاد الأدب حول
ميلاد فن الكتابة القصصية في المجتمع
العربي، من أن الرعيل الأول من الأدباء
كانوا يتخوفون أن يضعوا أسماءهم على أغلفة
الكتب التي تحوي أعمالهم القصصية؛ لأن هذا
من شأنه أن يلحق بهم استهجانًا في مجتمع لم
يكن يعرف هذا النوع من الكتابة، وكان لا يحظى
باحترام لديه، شأنه في ذلك شأن العديد من
المهن في ذلك الوقت ومنها التمثيل والصحافة
وغيرها، علاوة على ما يقال في هذا الشأن من
أن الثقافة الإسلامية تنزع أكثر نحو الحقيقة
والواقع، وتنفر من الخيال نفورها من الكذب،
ولأن الأعمال القصصية تقوم في جانب منها على
التخيل، خاصة في البداية حين كانت الكتابة
الإبداعية ذات طابع رومانسي، فإنها قد تكون
ضربًا من الكذب، أو تعرية لأحوال أناس لا
يقبلون أن يفعل بهم هذا. ومن هنا نجد أن محمد
حسنين هيكل كتب روايته "زينب" التي
تُعَدّ في نظر البعض أول رواية عربية،
بإمضاء "فلاح مصري". وبينما كانت
الرواية والقصة قد رسخت أقدامها بقوة في
المجتمع العربي، فإن لونًا آخر من الكتابة
كان لا يزال يتلمس خطاه الأولى، ألا وهو "كتابة
السيرة الذاتية" التي سلكت دربًا شبيهًا
بالأولى من زاوية انحدارها من التعمق في
التجربة الاجتماعية للكاتب، وهو ما تقابله
الواقعية الاشتراكية في الرواية، والتخلي
تدريجيًّا عن الأحلام الكبرى، وهو ما يناظره
النزعة الرومانسية في الرواية أيضًا، إلى
التركيز على مسائل غارقة في الذاتية، كما هو
الحال بالنسبة لرواية الحداثة التي بلور
ملامحها الفرنسي ألان روب جرييه.
ورغم
أن الفن القصصي رسخ أقدامه في مجتمعاتنا،
وانتزع أصحابه اعترافا قويا، فإن النظرة
القديمة لا تزال مسيطرة على أذهان البعض،
خاصة من ينتمون إلى المؤسسات الدينية
التقليدية. وإذا كانت هذه النظرة لا تنادي
أبدًا بوأد هذا الفن، باعتبار أن القرآن
الكريم نفسه اتخذ القصة وسيلة للتعلم، فإنها
تفرز تشددها حيال تفسير نص أدبي معين. فهنا
لا تتعامل تلك المؤسسات، في أغلب الأحوال،
مع هذا النص على أنه يقبل، شأن كافة النصوص
الفنية والبلاغية، تأويلات عدة، أو أنه يأتي
في بعض الأحيان تعبيرًا عن أفكار وتصورات
شخصيات القصة في مختلف انتماءاتهم السياسية
والأيديولوجية، بل تتعامل معه على أنه رأي
بحت للكاتب، وتحاكمه على هذا الأساس.
لمن
يكتب مبدعونا؟
وتتعلق
الملاحظة الثانية بفريق من الأدباء والكتاب
زاد عدده في الوقت الراهن، يضم أولئك الذين
يغازلون الغرب في نصوصهم؛ لأن هذا من شأنه أن
يفتح الطريق أمام ترجمة أعمالهم للغات
الأجنبية. وهنا تصبح التجارب الجنسية،
الغارقة أحيانًا في الابتذال والسوقية،
وقضايا مثل اضطهاد المرأة وتدني حقوق
الأقليات والحريات الدينية، هي المحاور
الأساسية التي تدور حولها بعض الأعمال
الروائية والقصصية، وبعض السير الذاتية،
على حساب القضايا المصيرية بالنسبة للدول
العربية مثل الحريات السياسية والإصلاح
الديني ومحاربة العوز والتخلف الاقتصادي
والتمسك بالجوانب الإيجابية في الخصوصية
الحضارية. وبالطبع فإن المسائل المتعلقة
بالمرأة والأقليات مهمة أيضًا، لكن النصوص
المراد الحديث عنها في هذا المقام تبالغ في
رسم السلبيات، بما يجعلها تشذ تمامًا على
الواقع وتبتعد كثيرًا عن الحقيقة؛ لأن هذه
المبالغة تروق للعقل الغربي، وتخدم مصالح
قوى معينة، ومن ثَم ترحب دور النشر والهيئات
والسفارات الأجنبية بترجمتها. ويقع هؤلاء،
المتهمون بالانتهازية وعدم الأصالة، في فخ
أوهام عديدة، منها أن هذا النوع من الكتابة
ينزع نحو العالمية، ويتناسون أن البناء
الأكبر نجيب محفوظ حصد نوبل من الحارة
المصرية الضيقة.
النزوع
للتحرر
وهناك
ملاحظة ثالثة تمثل ردًّا من قبل من تروق لهم
كتابة نصوص أدبية يرى كثيرون أنها عارية أو
فجة، وتُعَدّ في نظر هؤلاء الكتاب حجة قوية
على ما يذهبون إليه، ألا وهي "النزعة إلى
الحرية". فهناك موجة تسري في الوسط الأدبي
العربي تسمى "التحرر من القيود" في لحظة
إبداع النص، سواء تلك المرتبطة بالضوابط
التي يفرضها الدين أو الأعراف التي يتمسك
بها المجتمع أو الكوابح السياسية العديدة.
وهذه الموجة، إن كانت في جانب منها تمثل
تقليدًا أعمى للآخر، فإن هناك أعذارًا كثيرة
قد تبيح سريانها واستمرارها. فالأجواء
الخانقة للكتابة في العالم العربي جعلت
الطلب على الحرية يزداد، ولأن هناك قوة
ملموسة بيدها أدوات البطش مثل السلطة
السياسية فإن هذا الطلب تتم إزاحته من مجاله
الرئيسي وهو السياسية إلى مجال الأخلاق
والقيم الذي يرتبط بقوة غيبية أو مُثل لا
يجلب تحديها أو الخروج عليها ضررًا يماثل أو
يكافئ ذلك الذي يترتب على النزعة إلى الحرية
السياسية.
هنا
يحضرني تعليق لأحد القراء على قاص مصري شاب
امتلأت روايته بالابتذال الجنسي والتطاول
على الذات الإلهية، حيث تساءل: هل كان بمقدور
هذا الروائي أن يوجه الكلمات التي تضمنها
نصه بحق الله سبحانه وتعالى إلى وزير
الداخلية مثلاً؟. الإجابة: بالطبع لا.
وهذا
النوع من الكتابة يظلم الحرية حين ينزلق بها
إلى تفلت، ويظلم من يناضلون من أجل تحقق هذه
القيمة الإنسانية العظيمة في واقعنا
المعاصر، حين يحصرها في مشكلات جنسية ذاتية،
تصل إلى حد الشذوذ. وهذا النوع المتفلت من
الكتابة لا يعدو كونه سهامًا تقذف ليس في
معركة الحرية بل ضدها؛ لأن هناك مبدأ
أساسيًّا في الحرية، كما ذكرنا سابقًا، وهو
أن "حرية الشخص تنتهي حين تبدأ حرية
الآخرين"، ومن ثَم يصبح إيذاء الناس في
معتقداتهم، بالتهكم عليها، أو في قيمهم
الخلقية، بالإسهاب في الحديث عن الشذوذ
الجنسي، هو من قبيل الاعتداء على الحريات
العامة. فالاعتراف بمشكلات اجتماعية، حتى
تلك التي تحاط بعشرات الخطوط الحمراء، يمكن
أن يتم بصورة لائقة لا تؤذي مشاعر ولا تجرح
ذائقة. وهنا يتحدث النقاد عن الفرق بين
الكتابة الجنسية المقصودة لذاتها والتي لا
تخرج عن دائرة الأدب الرخيص، والعلاقات
الجنسية الموظفة في سياقات أكبر من أجل
تحصيل رؤية أو معرفة أو عظة ما، أو لفت
الانتباه مثلاً من خلال النص الروائي إلى
علاقة الفقر بانتشار العلاقات الجنسية
المحرمة، كما فعل يوسف إدريس، أو على العكس
من ذلك تمامًا، كما فعل إحسان عبد القدوس في
فضحه للطبقة الأرستقراطية.
الجنس
كتابة وصورة
وهذه
النقطة تقود إلى الملاحظة الرابعة في هذا
المقام، وتتعلق بالمقارنة بين الأثر الذي
تتركه اللغة المكتوبة في النفس، وذلك الذي
تخلفه مجرد المشاهدة، وذلك على خلفية دفاع
الأدباء الشباب الذين اتهموا بكتابة
العلاقات الجنسية بابتذال شديد، عن أنفسهم
بالقول إن الأفلام تحوي ما هو أكثر. وباقتراب
أكثر من الموضوع الذي نحن بصدده الآن، يمكن
أن نطرح التساؤل التالي: ما هي النتيجة التي
تترتب على قراءة نص روائي يتحدث بابتذال عن
علاقة جنسية مقارنة بمتابعة مشهد ساخن في
أحد الأفلام؟. هنا قد يجد كثيرون أن القراءة
أكثر وقعًا في النفس؛ لأنها تطلق العنان
للخيال، وتغازل قدرة العقل على التفكير في
الأمر كثيرًا، فإذا كان الكاتب يقصد أن يذهب
بتصويره لحالة جنسية ما عند حد معين، فإن
القارئ يتعدى هذا الحد كثيرًا، ويفهم النص
حسب خلفيته وحالته هو وليس بعقل مؤلفه أو
إرادته. وهذه مسألة تناولتها كثيرا نظريات
النقد الأدبي "المتجهة إلى القارئ" أو
التي تتناول النص الأدبي بوصفه رسالة
اتصالية يصدرها الأديب ويستقبلها القارئ.
وهذا لا يتوفر في المشهد السينمائي، الذي
يعطى لمن يتابعه كل شيء، ويقلص مساحة التخيل
حول تفاصيل المشهد إلى أبعد حد. وهذه أيضًا
مسألة باتت معروفة في علم النفس، حين يتحدث
عن الأثر السلبي الذي تتركه متابعة البرامج
التلفزيونية على عقول الأطفال، حيث تجعلها
تتقبل العالم في حالة جاهزة ولا تجهد نفسها
في صنعه وفهمه والتعمق في
تفاصيله والمشاركة في رسم ملامحه.
وقد
جسد المثل الصيني هذه الرؤية باقتدار حين
قال "أخبرني سأنسى. أرني قد أتذكر. أشركني
سأعي وأفهم". ومن ثَم فإن الحجة التي
يسوقها البعض حين توجه اتهامات لنصوصهم
بأنها تحوي ابتذالاً جنسيًّا وهي أن السينما
بها ما هو أكثر تحتاج إلى مراجعة.
غياب
المثقف القدوة
والملاحظة
الخامسة تتعلق بتدني "القدوة" في
حياتنا العربية المعاصرة، فبعد أن كان قطاع
عريض من المجتمع يعتبر المثقف البارز
والروائي أو الشاعر الموهوب وعالم الدين
المتبحر في العلم وعالم الطبيعيات المكلل
باختراعاته المفيدة هم المثل الأعلى لأي
شخص، تبدلت الصورة، حين ضعفت مكانة هؤلاء
وتأثيرهم في مجتمعاتهم بما دعا كثيرين إلى
الحديث عن موت المثقف أو نهايته، وألقت
وسائل الإعلام في حياة شبابنا "قدوات"
جديدة، قد تكون لاعب كرة قدم أو مطرب أو ممثل.
وهذه المسألة أثرت مثلاً على فن كتابة السير
الذاتية من زاويتين: الأولى- أن بعض كتاب هذه
السير لأنهم يشعرون بضآلتهم الاجتماعية
وضعفهم أمام السلطة، ركزوا على تجاربهم
الذاتية البحتة. والثانية- أن إحساس هؤلاء
بأنهم لم يعودوا يمثلون الكثير بالنسبة
للناس ربما أعطاهم حرية في أن يبوحوا
بأسرار، تجد الشخصيات العامة والمرموقة
فيها محرمات يجب عدم الاقتراب منها؛ لأنها
تشوِّه صورهم لدى من يعجبون بهم أو يقتفون
أثرهم. وبطريقة غير مباشرة ينعكس هذا الوضع
بدرجات متفاوتة على الكتابة القصصية
والروائية والشعرية.
وبمفهوم
المخالفة فإن بعض الكتاب قد يجدون في "الكتابة
العارية" ما يلفت الانتباه إليهم، وسط
رواج هذا النوع من الثقافة والفن في مجتمعات
حديثة ماديًّا، بما جعلها نهمة إلى استهلاك
كل شيء، بما في ذلك النصوص التي تدغدغ
الغريزة الجنسية، أو تفضح العلاقات
المحرمة، أو تلك التي تسب الجميع، وتقلل من
شأن قامات فكرية وسياسية لا يختلف عليها
الناس، على غرار السيرة الذاتية للفيلسوف
المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي التي جاءت
حافلة بالشتائم، مدفوعة برغبة في الانتقام
من الجميع وتصفية حسابات شخصية وأحقاد لم
يدفنها الزمن.
بين
السيرة والفضيحة
وهناك
ملاحظة سادسة تتعلق بفن كتابة السيرة
الذاتية الذي راج في السنوات الأخيرة، وهي
أن كتّاب هذه السير ربما نسوا أو تناسوا أن
الناس لا يعرفونهم ويقدرونهم لأشخاصهم
وإنما لإنجازهم في الحياة، ومن ثَم فما يهم
الجميع هو التعرف على البيئة الاجتماعية
والنفسية المحيطة بالأعمال المنجزة ربما
أكثر من التطلع إلى معرفة الأحوال الذاتية
لصاحبها. فالناس يقرءون السير الذاتية
للعظماء لا ليتعرفوا على علاقاتهم الجنسية
ونزوات ذويهم -كما ذهب سهيل إدريس مثلاً في
سيرته الذاتية التي تحدث فيها عن "شذوذ
والده"- بل للاستفادة من تجاربهم والتعلم
من خبرتهم في مواجهة المشكلات المشابهة التي
تعترض طريق العوام.
فالروائي
الشاب مثلاً، يريد من سيرة ذاتية لروائي
بارز أن يتعرف على العناصر التي ساهمت في
تكوينه الإبداعي، والعقبات التي صادفته في
بداية طريقه، وكيف تغلب عليها، وطريقته
ومذهبه في الكتابة، والكتب التي قرأها،
وتقييمه لما أنتجته قريحته، والسياق
السياسي- الاجتماعي الذي أحاط بتجربته
الإبداعية ومدى تأثيره فيها، أكثر من رغبته
في معرفة أي نوع من الطعام يأكل وأي لون من
الملابس يفضل.
وإذا
كان بعض كتاب السير الذاتية لدينا يتذرعون
بأن الغربيين يكتبون سيرًا ذاتية مكشوفة،
فإن هؤلاء يتجاهلون وجود سير ذاتية لبعض
الغربيين تنأى بنفسها تمامًا عن هذا الأمر،
وذلك على غرار السيرة التي كتبها الطبيب
الألماني ألبرت شيفتزر وضمنها كتابا أعطاه
عنوان "كلنا إخوة" وهي عن تجربته في
مكافحة المرض بأفريقيا في بداية القرن
المنصرم، حيث امتلأت بالمعاني الإنسانية
العظيمة، وركزت على تلك الفترة الثرية من
حياة هذا الطبيب الذي بات ما فعله علامة
فارقة في تاريخ الأوربيين، خاصة أولئك الذين
يتطهرون من جرائم الاستعمار ويرفضون
الإصابة بالنزعة المركزية الأوربية التي
تسيطر على أذهان الكثيرين من مفكري الغرب في
الوقت الحالي.
ويبقى
الأدب لا الدعاية
لكن
الملاحظات السابقة لا تعني أننا يجب أن نقبل
أدبًا وعظيًّا، فهذه ليست وظيفة الفن بأي
حال، كما يبدو من غير المستساغ أن يلبس من
يسطر سيرته الذاتية ثوب خطيب المنبر أو
الكاهن، لكن المطلوب منه هو تقديم ما يهم من
تجربته بأفراحها وأتراحها، دون التعريض
بأحد أو الاعتداء على الحريات العامة.
وبالقدر نفسه يجب ألا تجعلنا هذه الملاحظات
ننساق وراء من يتربصون بالأدب، سواء كانوا
أفرادًا أم مؤسسات دينية، بحيث إذا ما أثيرت
قضية حول عبارة جنسية وردت في أحد النصوص أو
جملة قابلة لمئات التأويلات حول العقيدة
الدينية، انتهزوا الفرصة للانقضاض على
الأدب برمته. كما أنها لا تعني تجاهل حالة
اختناق حرية التعبير في العالم العربي والتي
ترشح على جوانب عديدة من الكتابة، ولا تقتصر
على الكتابة السياسية كما يعتقد البعض؛ إذ
إن هذا الاختناق ليس بفعل السلطات الحاكمة
وحدها، بل تمارس المجتمعات بتقاليدها
وأعرافها ضبطًا قد يمتد في بعض الحالات
ليعيق أي تطور، ويشد عربة الكتابة إلى
الوراء، إذا اعتبرنا أن الكتابة هي حالة من
ممارسة الحرية.
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب وباحث في
العلوم السياسية