 |
|
صورة غلاف إسلاميون وديمقراطيون
|
ربما
كانت أهمية كتاب "إسلاميون وديمقراطيون..
إشكاليات بناء تيار إسلامي ديمقراطي"
الصادر عن مركز الدراسات السياسية
والإستراتيجية بالأهرام أنه قدم إلى الساحة
الفكرية والأكاديمية كتابا حاول الإجابة عن
تساؤلات كبرى مرتبطة بالواقع السياسي
والثقافي المعيش، ومرتبطة بالجدل الدائر
حول مستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية،
وعلاقة حركات الإسلام السياسي بهذا الجدل.
والحقيقة
أننا أمام محاولة تتميز بالأصالة الفكرية
والسياسية، وجاءت استكمالا لهَمٍّ فكري
بدأه معظم الباحثين المشاركين في هذا العمل
منذ بداية العقد الماضي، وقبل أن تصبح دراسة
علاقة الحركة الإسلامية بالديمقراطية "موضة
فكرية" ارتبطت في بعض الأحيان بالأجندة
السياسية الأمريكية.
وقد
تضمن هذا الكتاب ثلاثة أقسام احتوت على ستة
فصول:
جاء
القسم الأول تحت عنوان "التحديات
الفكرية والسياسية"، وتضمن دراستين؛
إحداهما حول "نظرات في الخيال السياسي
للإسلاميين.. إشكاليات منهجية وسياسية"
للدكتورة هبة رءوف عزت مدرسة العلوم
السياسية بجامعة القاهرة، والثانية حول "الإسلاميون
وتحديات بناء مشروع ديمقراطي" للأستاذ
هشام جعفر رئيس تحرير موقع "إسلام أون
لاين.نت".
أما
القسم الثاني: "الحركة الإسلامية
وتحولات الواقع.. خبرات وتجارب" فتضمن ثلاث
دراسات؛ الأولى دراسة مقارنة حملت عنوان
"تجربتا الإخوان المسلمين في مصر وحزب
العدالة والتنمية في تركيا.. اختلاف في
الخطاب أم في السياق السياسي" للدكتور
عمرو الشوبكي، والثانية حول "الإسلام
السياسي وما بعد الإسلام السياسي"
للدكتور جان ماركو الخبير الفرنسي في الشئون
التركية، والثالثة عن "تطورات الخطاب
الديني الإيراني من الخميني إلى خاتمي"
للباحث المصري الدكتور مصطفى اللباد.
وأخيرا
جاء القسم الثالث تحت عنوان "مستقبل
الحركات الإسلامية في ظل العولمة"، وتضمن
دراسة للأستاذ نبيل عبد الفتاح الخبير ورئيس
وحدة البحوث الاجتماعية بمركز الدراسات
بالأهرام.
وقد
حرر الكتاب الدكتور عمرو الشوبكي الخبير
بمركز الدراسات السياسية بالأهرام، أحد
أبرز الباحثين في دراسة النظام السياسي
المصري، وعلاقة الحركة الإسلامية بعملية
التطور الديمقراطي، والذي كان له السبق في
رصد علاقة الحركات الإسلامية بعملية التطور
الديمقراطي في دراسته الأولى التي نشرها منذ
10 سنوات في التقرير الإستراتيجي العربي في
عام 1995 تحت عنوان: "الحركة الإسلامية بين
صعوبة الدمج واستحالة الاستئصال".
الإسلام
السياسي.. مداخل منهجية
والحقيقة
أن أهمية الكتاب تأتي من عدة زوايا؛ الأولى
تكمن في أنه قدم أفكارًا نظرية عميقة حول
التحديات المركبة التي تواجه عملية دمج
الحركة الإسلامية في عملية التطور
الديمقراطي، معتبرا أن "ظاهرة الإسلام
السياسي تمثل مدخلا خصبا لاستخدام العديد من
المداخل المنهجية والمعرفية في محاولة لفك
طلاسمها"؛ فقد نظر إليها إما باعتبارها
عالما ثقافيا خاصا ومغلقا، أو باعتبارها
خطرا ظلاميا هائلا يستلزم المواجهة
والاستئصال. وأخيرا أو نادرا من أجل فهمهما
كظاهرة سياسية اجتماعية يمكن استيعابها
ودمجها في قلب الحياة السياسية، وفي داخل
عملية التطور الديمقراطي التي يشهدها كثير
من المجتمعات العربية والإسلامية.
وقد
أشار الكتاب إلى تنوع المداخل التي قرأت
الظاهرة الإسلامية وحددها في ثلاثة أنواع:
الأول
جاء من خلفيات فكرية علمانية، سواء أخذ
طابعا يساريا أو ليبراليا. والثاني هو
كتابات إسلامية صبغت على الظاهرة صفات
التفرد والاستثنائية والسكون، واختلفت عن
القراءات العلمانية في المضمون وليس
المنهجية؛ فالأول -أي العلمانية- نظر في كثير
من الأحيان للظاهرة الإسلامية بصورة سلبية،
واعتبرها حالة شيطانية تستوجب الاستئصال.
والثاني اعتبرها ظاهرة ملائكية تجسد كل
القيم والمفاهيم الإيجابية في العالم
العربي. أما الثالث فنظر إلى الظاهرة
الإسلامية باعتبارها بالأساس ظاهرة
اجتماعية، وتحاول أن تدمج بين الدلالات
الثقافية التي تقف وراء وجود الظاهرة
الإسلامية، والدوافع والأسباب الاجتماعية
والسياسية التي تقف وراء انتشارها -أو
تراجعها- وتعمل على استخدام مداخل ثقافية
اجتماعية تساعد على دمج الحركة الإسلامية في
العملية السياسية والديمقراطية.
والحقيقة
أن الكتاب حاول أن يدحض وجهة النظر
العلمانية التقليدية أو ما سماها "العلمانية
الأصولية" التي تنظر إلى الحركة
الإسلامية باعتبارها خارج تأثير الزمن
والسياق الاجتماعي والسياسي، وعلى أنها
حركة معادية بحكم الطبيعة والتكوين الداخلي
للقيم الديمقراطية وغير قابلة للتطور
والتفاعل الإيجابي مع العملية الديمقراطية.
وقد
ركز الكتاب وخاصة المقدمة التي كتبها
الشوبكي على نقد الكتابات التي تعتبر أن
هناك أسبابا بنائية تقف حائلا في أي مكان
وزمان أمام تطور التيار الإسلامي وانفتاحه
ديمقراطيا، على اعتبار أنها حركة لا تاريخية،
تقرأ من خلال نصها المقدس والثابت أو من خلال
خطابها الأيديولوجي؛ باعتباره قدرا تاريخيا
خالدا لا يتأثر بالزمن ولا بالبيئة
الاجتماعية المحيطة.
وجاء
في مقدمة الكتاب أيضا أن هناك بعدا ثقافيا
يفسر وجود الظاهرة الإسلامية، وبعدا
اجتماعيا سياسيا يفسر انتشارها، ويفسر أيضا
تبني بعضها لخيار العنف، وتبني أغلبها
للخيار السلمي، وتبني بعضها الكامل
للديمقراطية كمفهوم وكممارسة، وتردد البعض
الآخر على القيام بذلك.
وتصبح
الأسباب الرئيسية التي تقف حائلا أمام دمج
الإسلاميين في عملية التطور الديمقراطي
تتمثل أساسا في الظروف الاجتماعية المحيطة
ودرجة ديمقراطية النظام القائم وقدرته على
بناء مؤسسات ديمقراطية وقواعد قانونية تنظم
العملية السياسية.
تحديات
وتجارب وتحولات
وقد
جاء القسم الأول من الكتاب ليناقش بصورة
رصينة التحديات الفكرية التي تقف أمام بناء
تيار إسلامي ديمقراطي؛ حيث أشارت د.هبة رءوف
إلى مجموعة من التحديات، أبرزها -على سبيل
المثال- ما أسمته بأسطورة مركزية الدولة
الإسلامية في مواجهة الدولة العلمانية،
وبصورة تقوض مفهوم الجماعة والأمة وتحجم من
خيال الإسلاميين.
كما
أشار هشام جعفر في دراسته المهمة عن "الإسلاميين
وتحديات بناء مشروع ديمقراطي" إلى
أطروحات خمس للعمل الإسلامي وعلاقاته
بقضايا الديمقراطية. أما في القسم الثاني من
دراسته فأشار إلى علاقة الإسلاميين ببناء
المجتمع الأهلي، ثم اختتم دراسته بالحديث عن
كيفية مساهمة الإسلاميين في عملية التطور
الديمقراطي.
أما
القسم الثاني من الكتاب فقد تضمن قراءة
في خبرات وتجارب ثلاث دول كبرى في العالم
الإسلامي، وهي تركيا ومصر وإيران، وجاءت
دراسة الدكتور عمرو الشوبكي لتقارن بين خبرة
الإخوان المسلمين في مصر وحزب العدالة
والتنمية في تركيا؛ لتبرز الفارق بين
التجربتين نتيجة أسباب يرجع بعضها إلى فكر
كل تيار، والبعض الآخر يرجع إلى الظرف
السياسي المختلف الذي عاشته الخبرتان.
وحدد
الباحث ثلاثة أسباب أدت إلى اكتمال بناء
تيار إسلامي ديمقراطي في تركيا وبقاء مصر في
منتصف الطريق؛ أولها تفاوت الواقع
السياسي بين مصر وتركيا واختلاف درجة التطور
الديمقراطي. والثاني استمرار التعايش
الجيلي داخل جماعة الإخوان المسلمين نتيجة
غياب أي أفق يسمح بظهور حزب سياسي إسلامي،
على عكس تركيا الذي سمح نظامها العلماني
المتشدد بقيام حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية،
بدأ بحزب الرفاه ومر بحزب الفضيلة، ثم انتهى
بحزبي العدالة والتنمية وحزب السعادة.
أما
الثالث فيرجع إلى نتيجة اختلاف طريقة
تعامل كل خبرة مع الغرب؛ فقد اعتبر الباحث أن
الإخوان المسلمين لديهم حيرة في تعاملهم مع
الغرب بين أسلمة خطاب التحرر الوطني
والتأكيد على قيم وثقافة المقاومة الجهادية
ضد الغرب، وبين التفاعل النقدي والسلمي معه
كما فعل الأتراك منذ عقود، وهذا على عكس
الخبرة التركية التي حسم التيار ذو الأصول
الإسلامية انتماءه لقيم الغرب في
الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وبدأ
يحاول أن يكيف النظام التركي على مبادئ
ومعايير الاتحاد الأوربي من أجل أن تصبح
تركيا عضوا فيه، دون أن يتنازل في الوقت نفسه
عن مفهوم "التفاعل النقدي" مع المنظومة
الغربية العالمية.
وقد
تعرض الكتاب في دراستين منفصلتين في هذا
القسم إلى التجربة التركية والإيرانية
بصورة مفصلة لمعرفة طبيعة التجربتين
والتحولات التي شهدتهما نحو بناء خطاب
ديمقراطي "ما بعد إسلامي" في تركيا
بتعبير جان ماركو، وخطاب ديني إصلاحي ذي
أبعاد ديمقراطية في إيران، كما أشار مصطفى
اللباد.
وجاءت
دراسة نبيل عبد الفتاح لتحمل عنوان "العولمة
والديمقراطية والإسلام السياسي"، وتضمنت
عدة نقاط؛ أولاها حول بيئة التغير العولمي
السريع، وأشار إلى طبيعة المنظومة العالمية
الجديدة وثورة الاتصالات وعولمة قيم
الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتأثير ذلك على
ما أسماه ثانيا بعولمة الأديان والجماعات
الإسلامية؛ حيث تحدث عن عولمة الإسلام
السلمي والدعوي وعولمة العنف الجهادي،
وأشار ثالثا إلى "الإسلام المصري بين
الضغوط الخارجية وإشكالياته الداخلية"،
مقدما عرضا متناغما بين أوضاع الحركات
الإسلامية في مصر وتأثير البيئة العالمية
على هذه الحركات.
الدمج
والمسئوليات المشتركة
من
المؤكد أن كتاب "إسلاميون وديمقراطيون"
انحاز لفكرة دمج الحركات الإسلامية في عملية
التطور الديمقراطي، واعتبر أن هناك مسئولية
مشتركة لنجاح خيار "الدمج"، تقع على
الحكومات والحركات الإسلامية؛ فالأولى
عليها أن تبدأ بصورة جدية عملية التحول
الديمقراطي دون أن تطلق بين الحين والآخر
"فزاعة" الإسلاميين لتعطيل عملية
التحول الديمقراطي، وعليها أيضا أن تضع
القواعد والقوانين الصارمة التي تضمن عدم
المساس بمدنية السلطة، وعدم التمييز بين
المواطنين على أساس الدين، وتجعل هناك
استحالة لانقلاب أي تيار على الديمقراطية في
حال وصوله بوسائل ديمقراطية إلى السلطة.
كما
أن هناك مسئولية أخرى -اعتبرها الكتاب أقل من
مسئولية الدولة؛ لأن السياق الذي تضعه
الأخيرة هو الذي يحدد شكل خطاب الفاعلين
السياسيين في المجتمع- على الإسلاميين
إنجازها، تتمثل في ضرورة احترام نتائج
الديمقراطية وقبول تداول السلطة مع القوى
المخالفة لهم من علمانية ويسارية وليبرالية،
واعتبار ما يقدمونه من تصورات هو مجرد رؤية
سياسية منزوع عنها أي صفة مقدسة، وأن من
يختلف معها يختلف مع برنامج سياسي قابل
للنقد وليس مع نص ديني مقدس.
اقرأ
أيضا: