|
|
|
غلاف
الديوان
|
ينبغي
لهذا الديوان أن يقرأ مرتين؛ قراءة للديوان
نفسه ثم قراءة ثانية له بعد معرفة صاحبه،
وسيبدو لك -للوهلة الأولى- أن قراءة واحدة
كافية، لكنك حين تتعرف على الشاعر نفسه ستجد
نفسك محتاجًا لأن تعيد قراءة الديوان مرة
ثانية.
الديوان
هو "في صحة الوطن"، وهو الديوان السياسي
الأول للشاعر عبد الرحمن يوسف، وإن سبقته
ثلاثة أخرى: "على المكشوف"، و"نزف
الحروف"، و"أمام المرآة". والديوان
الذي نقرؤه الآن ثماني قصائد أطولها قصيدة
"في صحة الوطن" التي تصور مواطنًا
عربيًّا يسكر، وكلما شرب ازدادت شجونه،
وتجاوز الخطوط الحمراء. والقصيدة عشرون
كأسًا، كل كأس عبارة عن مقطوعة شعرية موصولة
بما قبلها وما بعدها. والقصيدة من وحي سقوط
بغداد.
أما
بقية قصائد الديوان فهي "رؤية سياسية -في
قالب فني- لأوضاع الأمة العربية على مستوى
الشعوب والحكام، تثبت أن الخلل في القيادة"،
بحسب تقديم الشاعر لديوانه على موقعه
الإلكتروني.
وقد
صاحب نشر القصائد مجموعة رسومات تعبيرية
يمكن أن توحي بالكثير مما قد لا يوحي به
الكلام. وربما يكفي الإشارة إلى رسم القصيدة
الأولى "قانون الدولة"، ويتضح فيه
بجلاء صورة حاكم يجلس على كرسي يحمله مجموعة
من الأفراد منهم العسكري ومنهم المدني على
أكتافهم بطريقة تظهر أنهم مجبرون على ذلك،
ولا يستطيعون منه فكاكًا. أما صورة الحاكم
فتنم عن بطش واستبداد، تدل عليه الجماجم
التي يمسك بها في يديه، والصورة المرسومة
على جانب الكرسي، وكذلك ملامح وجهه، وهيئة
رجليه التي جاءت على صورة مدببات ثلاثة في كل
رجل!.
قانون
الدولة
|
أدِّ
السـلام لحضرة الضباط
|
يتجـملون
بسـائر الأنواط
|
|
ألقِ
السلام وقل تقدس سركم
|
فقتم
جميع الرسل والأسباط!
|
هذا
هو مطلع القصيدة الذي لا يخفى فيه التهكم
والسخرية من هذا النظام البوليسي الحاكم
الذي لا يقبل إلا بالموافقة على كل ما يريده
هو ويقره.
وعلى
مر القصيدة يحكي شاعر الديوان المآسي
المتنوعة الناشئة عن هذا الحكم البوليسي..
حتى يصل إلى قناعته:
|
نمطٌ
عقيمٌ، مستبدٌ، أرعنٌ
|
ويقول:
"إن النهج ديمقراطي"!
|
...
|
قانون
ليل الظلم: يُذبح بلبل
|
كي
يستريح جلالةُ الوطواط!
|
إلى
الأبد
يغذي
عنوان القصيدة الثانية (إلى الأبد) الفكرة
العامة للديوان ويعزف على الوتر ذاته الذي
بدأت نغماته في القصيدة الأولى. فهي تتناول
قضية الخلود في الحكم إلى الأبد، وعدم تداول
السلطات بالطريقة السلمية، لكن بالانقلاب
أو الاغتيال أو الموت!.
|
يحيا
الرئيس للأبد
|
يحيا
هو الفرد الصمد
|
|
لـه
صفـات ربنا
|
لكـنه
لـه ولــد!
|
ويناوب
الشاعر في هذه القصيدة بين أسلوب التقرير،
والسخرية اللاذعة، وذكر المعاني المضادة
لما يقصده في الحقيقة، مذيلاً إياها بعلامات
التعجب:
|
مكتمل
وكـامل
|
لذاك
ليـس يُنتقـد!
|
|
الصالحون
حوله
|
وليس
فيهم من فسد!
|
|
دومًا
يصون مالنا
|
وصـادق
إذا وعد!
|
زمن
الخصيان..!
|
قـسوة
اليوم ألجأتنا لأمـس
|
فتفاخرنا..
رغم ذل وبؤس
|
|
بذرة
الخوف أينعت في ربانا
|
ونسينا
من أمسنا ألف درس
|
|
كـسـلالات
جيفة قد غدونا
|
وانقرضنا..
كفكرة دون رأس
|
|
وقـرعنا
الكـلام طبل خواء
|
وزرعنا
الظلام فوق الشمس
|
هذا
فصل جديد من الديوان يأتي تحت عنوان "زمن
الخصيان"، ويسوق فيه الشاعر مجموعة من
القصائد القصيرة التي لا تلبث أن تبدأ حتى
تنتهي، وتسير على أوزان وقواف مختلفة، لكن
فكرتها تدور حول وصف أحوالنا الذليلة
وشعوبنا الحبيسة ومن يحكمهم من حكام متجبرين.
|
أنا
شعب في حاضري صرت عـبدا |
وخـيالي
نحو التحـرر يمضي |
|
صرت
من جوعي في السجون نحيلا |
وتغني
الأبواق طولي وعَرضي! |
|
أنا
مـا كـنت عـاهـرا ذات يـوم |
كي
يبيع القواد في الليل عِرضي |
وفي
القصيدة التالية يقول:
|
جـائع
شعبي والطعام كثيـر
|
والقيادات
تستجم بكَرش
|
|
أمة
الشمس استسلمت لظلام
|
وزعامات
تسـتبد بجيش
|
وفيما
يبدو أنه مزاوجة بين رثاء حال الشعب والسخط
عليه بسبب قبوله الذل والهوان يقول عبد
الرحمن:
|
وأنا
مـهر أصـطلي بلجـامي |
كـيقين
معــذب بالشـك! |
|
قد
نسيت الصهيل من طول كبتي |
وتعلمت
إن تكلـمت أبكـي! |
|
تعـب
القـيد من تذمـر شـعبي |
يلعن
السجن في الظلام ويشكي |
وكنت
قد تشككت في صحة كلمة يشكي، لكني وجدت
القاموس المحيط أشار إلى أنها لغة من (يشكو)،
فأنقذ الشاعر هنا من خطأ في التصريف من أجل
القافية.
وفي
قصيدته الرابعة والأخيرة في هذا الفصل -زمن
الخصيان- يبلغ الغضب منه مداه، ويظهر ذلك في
نوعية بعض الألفاظ، ومنها حين قال:
|
قد
توحدتُ في الشدائد شعبا |
بيد
أني ملِلت مليون "عرص" |
|
قلـة
باعت في الأزقة عزي |
يرخص
التاج بين كفي لص |
وهنا
وقفتان: الأولى: أن الشاعر عبد الرحمن وُفق
في صياغة بيته الثاني على غرار ما كان يفعله
الشعراء الأفذاذ -القدامى منهم والمحدثون-
أمثال المتنبي وابن الرومي والبارودي، حين
سلك طريق التشبيه الضمني (وهو ما لم يصرح فيه
بأركان التشبيه على الطريقة المعلومة، بل
يُفهم من معنى الكلام)، كما في قوله: "يرخص
التاج بين كفي لص".
وكان
ذلك على غرار قول المتنبي:
|
من
يهن يسهل الهوان عليه
|
ما
لجرح بميت إيلام
|
وقول
ابن الرومي:
|
ويلاه
إنْ نظرتْ وإنْ هي أعرضتْ |
وقْعُ
السهام ونزعهنّ أليمُ |
لكنها
ليس ظاهرة في ديوانه، مع أنها تعطي ثقلاً
للشعراء، ولا يستطيعها كل أحد.
الوقفة
الأخرى: تساؤل موجه للشاعر عبد الرحمن: هل
يسوغ للشاعر الثائر أن يقرع آذان المستمعين
أو يؤذي أعين القراء بمثل هذه الألفاظ التي
اختلطت بها أبيات قصائده؟!
فنحن
نتفق مع الشاعر فيما يذهب إليه من فداحة
الخطب وعظم المصاب، وتكاد عقولنا تذهل لما
نعيشه ونراه، لكننا نخالفه فيما أقحمه من
ألفاظ لا تليق. إن في اللغة متسعًا -سواء في
الألفاظ أو التعبيرات- لما يريد. ويبدو أن
الشاعر تأثر فيما يبدو بمذهب أحمد مطر ونزار
قباني الشعري، مع احتفاظه لنفسه بالفارق.
لكنا كنا نرجو ألا ينجر إلى ألفاظ كهذه!.
في
نهاية هذا الفصل يستنهض الشاعر المخلصين من
زعامات الأمة ليدركوها:
|
يا
زعامات أمة أدركوها
|
وامنحوا
ليل شعبكم أي بص
|
|
كـيف
نرقى بقيادة جبناء
|
كلهم
في نهاية الأمر مخصي؟!
|
سائق
الأظعان
يقول
شاعر هذا الديوان: "هذه القصيدة معارضة
لقصيدة ابن الفارض الشهيرة، ومطلعها:
|
سَائِقَ
الأظعانِ يَطوي البيدَ طيْ
|
مُنعِماً
عَرِّجْ عَلى كثبانِ طيْ
|
وهي
قصيدة لا نظير لها في الشعر العربي، ولعلي
أول من نسج على هذا المنوال بعد ابن الفارض،
وهذا نظرًا للصعوبة الشديدة للقافية.
وقصيدتي
بنفس المطلع وإن لم تكن في نفس الموضوع، حيث
إن الأولى عن الحب الإلهي، وهذه تعتبر
تعليقًا على مقتل عديّ وقصيّ ابني صدام حسين".
|
سائق
الأظعان يطوي البيد طي
|
كم
لدينا من "عُدَيٍّ" و"قُصَيْ"!
|
|
سائق
الأظعان يطوي البيد طي
|
مات
كلبان فكم قد بات حيْ؟
|
ويصب
الشاعر جام غضبه على النظام الديكتاتوري
العراقي السابق فيقول:
|
محنتي
في حاكمي، لا من غزاني |
هو
في الأوطان أخزى محنتَيْ |
|
قصـره
لي قبلـة بالرغـم مني |
حين
فرضي صار أولى كعبتيْ! |
|
كـم
دمـاء قد أسال الوغـد مني |
سـيفه
مـا كان لي، لا بل عليّ |
ويتمنى
أن لو كان خلاص شعب العراق بيد الشعب نفسه
بدلاً من هذا الجيش الدخيل:
|
ذاق
ذل القهر من جيش دخيل
|
منيتي
لو ذاق قتـلاً بيديْ!
|
|
لحظة
التحرير؟ أم لحظة ذلي؟
|
مرهق
إني هنا في لحظتيْ!
|
|
أنا
لا أشـمت، لكن نهـوضي
|
كان
مرهـونا بتقتيل أخي!
|
لكنه
يؤكد بعد ذلك أن الاحتلال سيزال سريعًا من
هذه الأرض، حتى وإن حقق نصرًا عسكريًّا
وقتيًّا:
|
ذلك
المحتل مطرود سريعا
|
ما
له من شمس إصراريَ فَيْ
|
|
هذه
الأوطان للتحرير تمضي
|
تخنق
الأغـراب فيها قبضتيْ
|
صلوات
ملحد..!!
هي
ست صلوات، في ست مجموعات شعرية، صورت حالة من
النزاع والصراع الداخلي بين المصلي "الملحد"!!
وبين نفسه، يدور هذا الصراع الداخلي نتيجة
الازدواجية أو الانفصال بين الواقع المرير
والكارثي المتمثل في ضياع الوطن والأعراض
والكرامة من ناحية، وبين ما يمارسه هذا
المصلي من طقوس ظاهرية يقنع نفسه بأدائها
أنه يؤدي ما عليه فرائض وكفى.
يقول
في الصلاة الأولى:
|
أمسكت
مسبحة كانت بكف أبي |
تمتد
في الطول من "وهران" "لليمنِ" |
|
أسـبح
الله والشـيطان يملكني |
أكرر
الورد في صحو وفي وسن! |
|
وبعد
إنهـاء ورد لسـت أفهمه |
صليت
لحنًا على قيثارة الوطـن! |
ويقول
في الصلاة الثانية وهو يلح على نفس المعنى:
|
أمارس
الكفر أشكالاً من الحرف |
وأنحت
الدين آيات على الخزف |
فهل
ينفع الدين صاحبه إذا كان منحوتًا على الخزف
بينما يعيش صاحبه حياته كلها أشكالاً من
الكفر؟! ويؤكد هذا المعنى في "الصلاة
الثالثة" حيث يقول:
|
أنى
سجدنا نرى من فوقنا صنما |
ونذكر
الله في أحضان راقصة! |
ويجلو
في "الصلاة الرابعة" سببًا جوهريًّا
فيما آل إليه هذا الحال، يقول:
|
أغلقت
من سطوة السلطان صومعتي |
أنا
المشرد بين الروح والحس! |
ونتيجة
لـ"سطوة السلطان" وكبته لشعبه لم يصمد
عند الشدائد والمعارك والمحن فانهار كل شيء:
|
ما
ثبَّت الله جيشي حين معركتي |
وليس
لي دونه والله من بأس! |
وفي
"الصلاة الخامسة" يشخص حالة الشك، أو
التشكيك والقدح في الهوية والتراث والحضارة،
وذلك في حوار ساخر بين هذا "الملحد"
وبين نفسه، وكانت خلاصة الحوار أن التراث
الحضاري الذي ورثه هذا المصلي عن أجداده -والذي
رمز له الشاعر هنا بـ"التفاسير"- باطل
لا أصل له.
|
هذي
التفاسير لو دققت باطلة |
وجذوة
الشك في جنبيك تتقد! |
ويدلل
على ما توصل إليه من نتائج بالأسباب التالية:
|
نقول:
"أرواحنا لله خالصة" |
وأغلب
الناس للزنديق قد سجدوا! |
|
نقول:
"يا ربنا ثبت عزائمنا" |
لكـنْ
فرائصُـنا للوغـد ترتعدُ! |
ولا
يخفى على القارئ هنا أن الشاعر ما زال يلح
على "مصيبة" الازدواجية والانفصام بين
النظرية والتطبيق التي أصيبت بها أمتنا
اليوم. فهذا التراث الذي ورثناه عن آبائنا
وأجدادنا، وتلك الحضارة الرائعة التي عمروا
بها الدنيا، لم تجد لها بين جوانحنا
مستقرًّا ولا مكانًا، لكنها صارت بأفعالنا
المنافية لمبادئها مجرد كلام تم إفراغه عن
مضمونه.
ويبدو
أن الشاعر لم يشأ أن يجعل صلوات الملحد هذه
خمسة حتى لا تتشابه من حيث العدد مع صلوات
المسلمين، فزادها إلى ست صلوات، وجاء دور
"الصلاة السادسة" والأخيرة والتي يوجز
فيها مجمل القضية التي بسطها على مدى
الصلوات السابقة، يقول:
|
الله
أكبر أعطى القلب إيمانا |
واستبدل
القلبُ بالكفران إيمانا |
وكتب
في الهامش معلقا يقول: التركيب اللغوي هنا
صحيح والمعنى أننا رضينا بالكفر بعد الإيمان.
انتهى تعليقه.(!!!)
والواقع
أن عبد الرحمن لو لم يشر في هامشه إلى ما أشار
إليه لانقلب لديَّ المفهوم الذي يقصده. لقد
أخطأ عبد الرحمن في تركيبه اللغوي، مع أنه
يقول: "التركيب اللغوي هنا صحيح"! لأنه
قال بعد ذلك: "والمعنى أننا رضينا بالكفر
بعد الإيمان". في حين أن المعنى الذي ينشده
لا يستقيم بهذه الصيغة، فالمعلوم أن باء
الاستبدال تدخل على المتروك كما تقول
المعاجم، وكما جاء في الآية القرآنية: "أَتَسْتَبْدِلُونَ
الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ".
وكان
باستطاعة الشاعر أن يقول: "واستبدل القلب
بالإيمان كفرانا" ولو فعل لاستقام له
المعنى الذي أراد.
ويختم
في هذه الصلاة بالخلاصة التي يريد إقرارها:
|
لو
كان ينفع إيماني لما هربت |
جيوشنا
كي يسوس الأرض أعدانا |
|
لو
أن إيماننـا بـالله مكـتمل |
لما
تركنا على الكرسـي خـوانا! |
ويُظهر
التوقيع في نهاية هذه المجموعة الشعرية (صلوات
ملحد) التوقيت والمكان الذي كتبت فيه (بيروت
5-5-2003م الساعة الواحدة صباحًا) ولا يخفي أن
هذا التاريخ جاء عقب سقوط بغداد بأيدي قوات
الاحتلال الأنجلو أمريكية.
قبل
الشرب..!!
هذه
قصيدة ذات لون مختلف عما سبق، لكنها متسقة مع
بقية قصائد الديوان، حيث الخيط المتصل بينها
واحد.
فقد
ذكر الشاعر أنه في يوم ميلاده تذكر هموم وطنه
وأمته وأخذت تتوارد عليه الأحزان، يعددها
على طول القصيدة، حيث أنظمة الحكم التي
ارتاحت، بينما "كل الناس تعبانة"..
|
ومعضلةٌ
بلا حل
|
وعودٌ
ملّ ألحـانه!
|
|
وأصفادٌ
لها ألـمٌ
|
وشعبٌ
ذاق خذلانه
|
وهو
يقصد: ذاق توابع الخذلان أو آثاره.. إلى أن
قال:
|
أرى
في القصر بطلانا
|
وصار
الحق قـربانه
|
|
لذلك..
يـوم مـيلادي
|
أنا
والكأس في الحانة!
|
والآن
إلى قصيدة الختام التي بعنوان: في صحة الوطن..!
وواضح
من عنوانها -كما هو عنوان الديوان أيضًا-
أنها ستتحدث عن شرب وخمر.. ولماذا هذا الشرب
والخمر الذي هو من نوع مختلف عن الشرب والخمر
الحسي المعروف، وإن كانت آثارهما متقاربة
ومتشابهة إلى حد كبير؟! لقد أجاب شاعر
الديوان عن هذا السؤال في القصيدة التي سبقت
هذه والتي كان عنوانها: "قبل الشرب"
وبرّر تواجده في الحانة مع كأسه الملأى
بالهموم والأحزان بقوله:
|
أرى
في القصر بطلانا
|
وصار
الحق قـربانه
|
|
لذلك..
يـوم مـيلادي
|
أنا
والكأس في الحانة!
|
ويسارع
شاعر الديوان قبل أن يشرع في قصيدته الأخيرة
"في صحة الوطن" فيوضح للقارئ أن "هذه
القصيدة ليست مذهبي أو وجهة نظري في المهازل
التي تحدث في أوطاننا وأغلب ما فيها مجرد رصد
لما يحدث، وانعكاساته على الإنسان البسيط؛
لذلك لا مجال لاتهامي بالعمالة للأجنبي أو
الفسق فضلاً عن الإلحاد! وكل ما في القصيدة
من تعبيرات مقصودة متعمدة، حتى الأخطاء
اللغوية التي هي نتيجة لتأثير الخمر على
الشارب المسكين!".
لقد
صفَّ الشاعر قصيدته هذه عشرين كأسًا من
الخمر على منضدة الحانة التي ذهب إليها يوم
ميلاده، ومع كل كأس يتناولها يغني ويشكو،
ويبكي ويضحك، يذم ويمدح، يعرِّض ويصرح،
ويحكي ويسخر، ويلعن ويسكر، وينطق بما هو كفر!!،
إلى أن يصل في النهاية لأن يهذي بما لا يدري!!
وتكون النهاية المؤلمة القاسية.. أنه يلعن كل
شيء، كل من يعرف ومن لا يعرف!!، والوطن!، "ثم
قيء أخير.. ونوم..!"
وهذه
نماذج مما ورد في هذه القصيدة:
|
رداء
الحكومة نعـم الـرداء |
ومـن
يتعـر يذوق الشـقاء |
|
وطني
إن شغلت بالخمر عنه |
نازعتني
إليه في "الباء" نفسي!! |
ولا
يخفى هنا معارضته لقول شوقي:
|
وطني
إن شُغلت بالخلد عنه
|
نازعتني
إليه في الخلد نفسي
|
***
|
أريد
أن أصلح في أرضي مفاسدها |
لكـن
سـطوة سـيف الأمن تمنعني |
|
لكـنهم
سـمحوا بالخـمر أجرعها |
لذالك
أجرعها.. في صحة الوطن!!.. |
|
وبطني
-برغم النفط والزرع- فارغ |
يعيش
شهور العمر في قبر مخمصهْ.. |
|
خـمسـون
عـامـًا كان كل ما بها |
يعـلو،
وكـل همكـم أن تسـفلوا!.. |
موسيقى
الديوان ولغته
استطاع
"عبد الرحمن" أن يسبح في العديد من بحور
الشعر، وكان منها هادئ الموج، وهادره أيضًا،
فنوّع بين بحر الكامل (في قانون الدولة
والأمة والدولة)، ومجزوء الرمل (قصيدة إلى
الأبد)، والخفيف (زمن الخصيان)، والرمل (سائق
الأظعان)، والبسيط (صلوات ملحد)، والهزج (قبل
الشرب)، بل ونراه ينوع في الوزن داخل القصيدة
الواحدة كما في قصيدته (في صحة الوطن) التي
بدأها بالمتقارب ولكن لم يثبت عليه.
أما
لغة الديوان فقد جاءت في مجملها قريبة جدًّا
إلى كلمات الواقع، لكنها انزلقت أحيانًا إلى
ما يعاب سماعه، ويصدم شعور المتلقي.
وأحيانًا تشعر أن الأسلوب يحتاج إلى إعادة
نظر من قبل الشاعر. فالجزالة والرصانة
ومتانة التركيب والبناء مفتقدة في كثير من
شعر هذا الديوان، مع كون ذلك لم يؤثر على
المعنى الذي أراد.
ويبدو
الديوان أشبه بقصيدة واحدة طويلة، وإن تنوعت
أوزانها وقوافيها، وقد مزج شاعرنا بين
الشكوى من الواقع المرير والسخرية اللاذعة،
ونوَّع من وسائله وأدواته في ذلك، وتشابهت
هذه الوسائل والأدوات إلى حد كبير مع مدرسة
أحمد مطر ونزار قباني وغيرهما من شعراء
الشكوى والسخرية.
اقرأ
مختارات من ديوان الشاعر:
مواقع
ذات صلة:
**
كاتب وباحث في
الدراسات الأدبية