|
التغيير
-لغة- يعني الإتيان في الشيء بما يعارضه أو
يضاده ويناقضه. وهو مصدر فعل "غيّر"
الذي يأتي بمعنى بدَّل وحوّل. وقد يكون من
حال حسنة إلى أخرى قبيحة، كما قـد يكون علـى
عكس ذلك مـن وضع سيئ إلى آخر أفضل.
وفي
سياق المعنى الأول الدال على تبديل النعمة
بالنّقمة وردت الآية الكريمة التي يقول فيها
الحق سبحانه: {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة
أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [ سورة
الأنفال: آية 53]. ومثلها التي يقول فيها عز
وجل: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما
بأنفسهم} [سورة الرعد: آية 11].
والتغيير
-اصطلاحاً- هو التبدل الذي تتعرض له مختلف
البنى الاجتماعية، والذي يمس جميع أنواع
الفاعليات وما يرتبط بها من التزامات تقتضي
إعادة النظر في الوسائل والإمكانات وكيفية
استعمالها وتوظيفها. ومن ثم فإنه لا يمكن أن
يكون جزئيًّا، بل لا بد أن يكون شموليًّا
وكليًّا حتى ولو بدون قصد إلى ذلك، لأن أي
تغيير يحدث في بنية ما من المجتمع، ينعكس
تلقائيا على بقية البنيات.
وقد
يقع بالتدريج، أو فجأة على نحو ما يحدث في
الثورات. كما قد يكون إراديًّا مستجيبًا
لشروط وأسباب وتطلعات داخلية، أو
لاإراديًّا غير نابع من النفس والكيان نتيجة
عوامل تفرض من الخارج، مما غالباً ما يحدث له
رد فعل من الداخل. وفي أحيان غير قليلة تكون
الدوافع إليه مشتركة بين الذات والآخر. ولعل
ذلك هو ما يُواجهه العرب والمسلمون اليوم.
ومع
هذا فإن التغيير ليس سلعة تستورد، ولا عملية
فورية وبنت لحظة معينة ينتهي بانقضائها،
ولكنه يخضع لاستمرارية قد تطول، ويتطلب
هضماً سليماً وصحيحاً للمعطيات المختلفة،
محلية وإقليمية ودوليّة، بكل ما يشكلها من
شعارات وأفكار ورؤى ومواقف تلزم بالانفتاح
عليها. ويحتاج قبل هذا وبعده إلى اعتباره
إحدى ظواهر سنة الوجود وطبيعة الحياة، وإلى
تجاوز الأهواء الخاصة والمصالح الذاتية في
اللجوء إليه أو مواجهته. والسبب أنه قد يصادف
من يقاومه، نظراً لما كان اعتاده وألفه في
خشية من التخلي عنه أو الخروج عليه. كما أنه
قد يقبل في غير هذه الحال، لا سيما إذا ظهرت
مصداقيته، أي مصداقية الداعين إليه
والعاملين على تحقيقه. وغالباً ما يزيد
الإقبال عليه والتحمس له حين تبدو بعض
نتائجه الإيجابية، مثلما يرفض إذا ما ظهر
عكس ذلك.
وبتأمل
واقع أقطارنا العربية والإسلامية يلاحظ أن
دوافع ضرورة التغيير والتطلع إليه عديدة
ومعقدة، لعل أبرزها عدم الرضى عن الواقع
المتخلف الأليم بكل مشكلاته وتحدياته
الداخلية والخارجية، والحاجة في الآن نفسه
إلى تبديل هذا الواقع، وإن في غير انزعاج
يائس منه، مع بعث الأمل في النفوس، من خلال
محاولة التوفيق بينه وبين التطلعات
العاطفية التي لا تخلو من صدق وإخلاص، أي من
خوف حقيقي على الذات والكيان من التفتت
والضياع، في سعي للحفاظ على ذلكم الأمل، ليس
فقط لكي يعيش ويبقى مهما يكن نوع هذا البقاء،
ولكن في نمو وتطور وتجدد.
وإذا
ما تحقق هذا الأمل فإنه لا شك سيساعد على
الخروج من حال القلق والحيرة والتيه أمام
الأزمات المتراكمة وما تحدث من هزات وصدمات،
لا تلبث أن تحدث عُقَداً نفسية من شأنها إذا
لم تُحل أن تؤدي إلى يأس قاتل. وهو وضع مستبعد
بسبب التفاؤل الناجم عن ظهور وعي جديد بين
الأجيال المختلفة، نتيجة إدراك الحقائق
والشعور بمرارتها، وكذا بحكم الاتصال
الوثيق بالعالم المتقدم، والانتباه إلى
كثير من مظاهر الاغترار التي استبدت بنا،
وجعلتنا نغمض أعيننا عن جوانب ضعفنا، وما
نعانيه تجاه ذاتنا المريضة، وتجاه الآخر
الذي تفوق وغدا يتحكم.
وذلك
كله يدل على أن عوامل مادية ونفسية كثيرة
تكمن خلف الحاجة إلى التغيير، وأن هذه
العوامل أفرزت خللاً قد يصيب القيم
والمقومات، بما يحدث من تناقضات متعددة
المظاهر، وربما صراعات بين الفئات داخل
المجتمعات، وما ينتج عنها من فقدان التوازن
الذي لا بد منه لأي مجتمع سليم، والذي ينبغي
أن يتحقق بإشراك الجميع، وأن تبرز تجلياته
في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية
والثقافية، وهذه بالذات، لا سيما حين يكون
الجمود الفكري في عمق أسباب التخلف.
لذا،
وبغض النظر عن كل المفاهيم التي تعطى
للتغيير، انطلاقا من رؤى فكرية فلسفية
مختلفة، فإنه يمكننا القول بأن التغيير يحدث
أو تقع الحاجة إليه نتيجة ما يكون في المجتمع
من تناقضات، وتحت ضغط تحديات أو تطورات
داخلية أو خارجية تحث على إيجاد وضع جديد قد
يتسم بالواقعية أو المثالية، ولكنه في جميع
الأحوال يتوق إلى التقدم لا إلى التأخر، أي
يتوق إلى تغيير يكون وسيلة للإصلاح أو
الطريق إليه.
والإصلاح
ضد الإفساد، وهو مشتق من الصلاح الذي هو كل
ما فيه خير ونفع أو ما يؤدي إليهما. كما أن
الإفساد مشتق من الفساد الذي هو كل ما فيه شر
وضرر أو ما يفضي إليهما. والإصلاح بهذا هو رد
الشيء الفاسد صالحاً. ويكون إما بالتطوير،
أي تطوير عناصر الصلاح، وإما بالتغيير، أي
باقتلاع عناصر الفساد واجتثاثها من الجذور.
وهو أقوى من التطوير وأبعد أثراً منه. وتعتبر
الثورة على الفساد أعلـى درجات الإصلاح حين
لا يتسنى ذلك بأسلوب هادئ سليم. وقد تقدم أن
الحاجة إليه تظهر حين يتم الشعور بالفساد
ومعاناته، وحين توجد الرغبة في إزالته. أما
حين لا تكون الرغبة مع وجوده واستفحاله، إما
قصداً أو جهلاً، فتلكم لا شك أعلى درجات
الفساد وأخطرها، إذ تقترن إذ ذاك بالمكابرة
أو انعدام الوعي.
وينبغي
للإصلاح -حتى يتحقق على النحو الصحيح- أن يمس
جانب الذات بمراجعتها ومعالجة أدوائها وعدم
الإصرار على بقائها فاسدة، مع التركيز على
المجتمع عن طريق توعيته بالإصلاح ودعوته
إليه وإلى المساهمة فيه. ونقصد بالمجتمع كل
ما يشكله وجميع ما يتعلق به وبتسيير أحواله
وتدبير شئونه، سياسية واقتصادية واجتماعية
وثقافية، ودينية كذلك، في سعي إلى الوسطية
والاعتدال، وبُعد عن أي مظهر للغلو والتشدد.
ومحاولة
منا في هذا العرض الوجيز أن نقرب الصورة
الصحيحة للإصلاح، فإنا نرى إثارة جملة أسئلة
نعتبر الإجابة عنها أقرب السبل إلى تمثل هذه
الصورة.
ولعل
أول ما يثار في هذا المضمار سؤال عن مدى وجود
فكر إصلاحي، أي مدى توافر قدرات وإمكانات
لصياغة هذا الفكر؟ وإذا كان فأين هو؟ ولماذا
لم نوفق لحد الآن في تحقيق الإصلاح؟
نعم،
إنه لا أحد يجادل في أن لنا رصيداً هائلاً من
محاولات الإصلاح بدأت منذ القرن التاسع عشر،
وحتى قبله، لا سيما في مصر والشام والمغرب،
ولكنها أجهضت، مع اختلاف مستويات هذا
الإجهاض، فكان أن أفضت إلى الفشل.
من
هنا يمكن وضع السؤال الثاني عن كيفية
الإصلاح اللازم؟ ومن غير أي تمحن في الرد،
نبادر إلى القول بأنه لكي تكون هذه الكيفية
صحيحة وإيجابية، لا بد من أمور أهمها ثلاثة:
أولاً:
تحديد رؤية فكرية واضحة لهذا الإصلاح تبرز
منظوره وتخطط له.
ثانياً:
وجود إرادة سياسية قابلة للتغيير.
ثالثا:
تهيئة وسائل تنفيذ هذه الرؤية وما تخطط له.
هنا
يطرح سؤال ثالث عن الذين ينبغي أن يقوموا به؟
ولسنا نعني أن يسند الأمر إلى فئة معينة في
المجتمع، طالما أن كل أفراده مطالبون
بالإسهام فيه، ولكن نعني أنه لا يمكن بل لا
ينبغي أن يقوم به إلا الذين يهمهم أمره، أي
لا بد من أن ينطلق من الذات. ومن ثم لا يتصور
إصلاح يفرض أو يملى من الخارج.
والتحفز
من الذات يعني طرفين، أحدهما منوط به
التصور، والثاني مكلف بالتنفيذ. أما التصور -أي
الرؤية والتخطيط- فذلكم ما يجب أن ينهض به
المثقفون، في توفيق محكم بين الحلم والواقع،
وبإشراك جميع فئاتهم، بعد أن تعود الثقة
بينهم قبل أن تعود فيهم، على أن يكون المنظور
ساعيا إلى إقامة دعائم جديدة لإشاعة العدل
والمساواة والحق والحرية، والتأهل بذلك
لانفتاح سليم على العالم والتفاعل معه ومع
مستجداته.
وأما
التنفيذ فيقع على عاتق القائمين بالشأن
العام من مسئولين وحكام. وهو ما يستوجب إيجاد
مؤسسات متطورة وهياكل جديدة قادرة على
تسييرها، تكون متحلية بالجدية والشجاعة
والإقدام على الجديد، في غير تردد أمام
الصعوبات المحتملة، ولكن بعدم تهوينها أو
الاستهانة بها، وبمنأى عن أي تجريد أو
ارتجال، ولكن بموضوعية وتوسل بالأساليب
الحديثة، والحث على مواصلة العمل، وفي تجاوب
مع الهيئات السياسية، ومع مكونات المجتمع
المدني بمختلف أفراده حتى يتجاوبوا ويثقوا
ويُساندوا ويساهموا بحرية، ويخرجوا بذلك من
اليأس والإحباط واللامبالاة، ومن حالة
الاغتراب بعد أن يكونوا قد شعروا بقيمتهم
وبإمكان أداء دورهم، وبفتح المجال لهم كي
يصبحوا فاعلين مؤثرين بأعمالهم وأفكارهم
التي لا ينبغي أن تبقى عندهم حبيسة الحذر
والخوف. وإن من شأن ذلك أن يتيح فرص
الاستقرار الداخلي نفسيًّا وواقعيًّا
واجتماعيًّا، وأن يمكّن من تحقيق التنمية
والازدهار.
صحيح
أن ضغوطاً كثيرة تواجه الدول العربية
والإسلامية ينبغي اعتبارها، مع ما قد يكون
لها من جانب إيجابي يتمثل أو ينبغي أن يتمثل
في رد الفعل، أي في تحريك الوعي الداخلي،
ولكن هناك كذلك -وقبل ذلك- ضغوط أخرى عليها من
الشعوب التي أصبحت متعطشة للإصلاح الذي تراه
ضرورة ملحة أمام الإحباط العام الذي يستبد
بها، والذي يضخمه تحديان اثنان: أحدهما
داخلي يلح على هذه الضرورة في استعجال لقيام
الإصلاح، والثاني خارجي يريد أن يفرض منظوره
لهذا الإصلاح القائم على تعميق الفوارق
العرقية والطائفية والدينية والخصوصيات
الثقافية، وعلى محاولة تقسيم للأقطار
العربية والإسلامية وفق خارطة لها جديدة.
وبغض
النظر عن كون أي إصلاح لا ينطلق من مقومات
الذات وقيمها الفكرية والروحية يكون
محكوماً عليه بالفشل، فإنه سيكون من العار
أن يسجل التاريخ أنه وقع الانقياد للضغوط
الخارجية على حساب الطموحات الشعبية، وإن
كانت الموضوعية تلزم بالاعتراف بأنه ما كان
للغرب أن يقدم مشروعه الإصلاحي دون أن يشرك
من يعنيهم أمره، لولا عجز هؤلاء المعنيين عن
الإصلاح وكذا حذرهم وتخوفهم منه، ولولا تفشي
ظاهرة التطرف والإرهاب المنسوبة ظلماً
وعدواناً للإسلام والمسلمين.
وحتى
لا يقع المحظور وما لن تحمد عقباه فإنه لا
مندوحة من أن يسمع الصوت الثقافي، وأن تكون
له المبادرة الصحيحة، ليس فقط لإيجاد
التصور، وللإقناع الداخلي به، ولكن كذلك
لإشاعته والإقناع الخارجي به. وهو ما قد يخفف
الضغوط أو يزيلها. وذلكم حتى لا تبقى أنظمة
الدول وحدها في المواجهة، إذ ليس من مصلحتها
أن تنفرد بالقرار المفترض، وتتحمل معزولة
تبعاته.
وهذا
ما يستوجب استرجاع الثقة بين الأطراف
المعنية، وفتح باب الحوار بينها، بقصد
التعبئة والتحالف لتحقيق الإصلاح،
باعتبارها جميعاً مراكز قوة آن الأوان
لتجاوز الصراع المفتعل بينها، ولتحقيق
التصالح والتآزر، وقبل ذلك الإحساس بالحاجة
الماسة إلى إحداث هذا الإصلاح، وفق اتفاق
موضوعي ونزيه يكون بعيداً عن أي مؤثر كيفما
كان، سواء في سياق التحمس أو الرفض. والاتفاق
المنشود لا يعني أحادية قد تكون مفروضة في
الرأي، وإن كان تحقيقها غير مستبعد إذا ما
ذللت النزاعات وأزيلت الخلافات.
ومع
ذلك، وبغض النظر عما يمكن أن يقال عن سلطة
المثقفين أو استقلاليتهم عن الدولة، فإن
الذي ينبغي استحضاره والتذكير به، خاصة في
هذه اللحظات الحرجة التي نجتازها، هو أن
المثقف صاحب رسالة في مجتمعه، وأن له بذلك
دوراً رياديًّا ينبغي أن يعترف له به في
النقد والتصحيح، والتخطيط والتوجيه.
لكن
ماذا نقصد بالثقافة والمثقفين؟
قد
يبدو السؤال بسيطاً إلى تجاوز حد الإجابة
التي قد تعتبر بدهية عنه، إلا أن الأمر على
عكس ذلك، مما يقتضي بعض التوضيح لإزالة ما هو
واقع من اضطراب والتباس مردهما إلى المفهوم
الذي تعطيه مختلف الفئات التي لها صلة قريبة
أو بعيدة بالثقافة.
والحق
أن الثقافة منظومة متكاملة يتداخل فيها
الوعي مع المعرفة في مختلف أنماطها
وأشكالها، ومع عدد من القيم التنويرية
والأدوات المسعفة في الفعل الذي تكون له قوة
وتكون له مصداقية، ثم تكون له فعالية، أي
تأثير إيجابي، سواء على مستوى الفرد أو
المجتمع.
لذا
نرى أن الحاجة ماسة إلى توسيع دائرة الثقافة
والمثقفين، ليس فقط للابتعاد عن ضيق الأفق
المعرفي، ولكن كذلك بدون تحيزات وما تؤول
إليه من إقصاء للمخالفين في الفكـر أو الرأي
على العموم، وفي التوجـه السياسـي على
الخصوص.
وإذا
ما تحقق هذا المفهوم ووقع الاقتناع به بين من
يعنيهم الأمر، أصبح ممكنا إبداع ثقافة جديدة
متحررة من التناقضات مع الذات والآخر، ومن
سلبيات التراث، ومن الإغراق في الخصوصيات
المحلية، ومن شتى التشنجات التي تعتمل في
النفوس.
وإن
من شأن مثل هذه الثقافة المتخلصة من الرواسب
المتراكمة والمؤثرات المثبطة أن تصوغ
خطاباً هادئاً وموضوعيًّا ومقنعاً عن طريق
التنوير المشع، والتوعية الصحيحة بالتحديات
وبالخلل الذي يعانيه المجتمع، في غير ضغط أو
محاولة لاحتكار الرأي والقول.. ومقنعاً كذلك
بضرورة الإصلاح باعتباره مطلباً وطنيًّا
ملحا يهم الجميع، تحفزاً من النظر إلى
الواقع وإلى المستقبل، باعتدال لا يبالغ في
التشاؤم أو التفاؤل، وبانسجام يراعي ما هو
وطني، وما هو ممتزج به من روح قومي عربي
إسلامي.
وبهذا
يتاح للمثقف أن يَخرج هو ويُخرج غيره من
التيه الذي تعيش فيه الأنظمة والشعوب. كما
يتاح له أن يتحول من مشكل وعائق إلى أداة
ناجعة لحل جميع الأزمات ومواجهة مختلف
التحديات، وليس الاكتفاء بالوقوف أمامها
بتهويل وتباك وعجز. وسيتسنى إذ ذاك وضع مشروع
تحديثي يبدأ بالبحث عن أسباب إخفاق محاولات
الإصلاح السابقة، وتقديم قراءة جديدة لها
تعتمد النقد الموضوعي للفكر الإصلاحي
بمختلف توجهاته، ولا سيما ذي النزعة الدينية
التي يبدو أنها كانت في السابق أكثر
انفتاحاً وتوسطا وأقل تعصباً وتشدداً، مما
هو رائج في الساحة الحالية من أفكار ذات توجه
إسلامي، إذ كانت في بعضها متطلعة داخل
نزعتها الدينية إلى الاقتباس من الغرب،
والاستفادة من تقدمه الحضاري والثقافي وما
حققه في مختلف المجالات، وخاصة منها
السياسية والاقتصادية.
ولعل
ذلك أن يكون الخطوة الأولى للقيام بنقد ذاتي
يساعد على إدراك أخطائنا وعوامل فشلنا وظروف
تخلفنا، وعلى مراجعة ما هو رائج بيننا من
آراء ومواقف وممارسات سياسية وفكرية، في ضوء
التحولات الحضارية والثقافية المعاصرة، وما
أصبح النظام العالمي الجديد يفرضه بتجاوز
مرحلة الحداثة، في مراعاة للمعطيات
الذاتية، ومع توضيح المفاهيم ومراجعة ما
يتصل منها بالقيم والمقومات، سواء ما كان
منها مرتبطا بالدين أو التاريخ أو الموروث
الشعبي، أو التراث على العموم، للإبقاء على
الصالح منها والحقيقي، وإغنائه وتطويره
وإلغاء ما سواه.
وذلكم
ما يستوجب تحرير العقل، ثم تنظيم فعله
والتخطيط لعمل بنيوي أساسي، في إطار
المتطلبات الوطنية والتطلعات العربية
والإسلامية، وكذا الأهداف الإنسانية، مع
إدراك واعٍ لموقعنا في التاريخ وفي العصر،
وفي ما نتوق إليه في المستقبل القريب
والبعيد.
وبعد،
فإننا إذا كنا نسعى إلى صياغة ثقافة جديدة،
فلأننا نعاني على الصعيد الثقافي تخلفاً
يعوق المجتمع عن مواكبة التطورات والتغيرات
التي تعرفها أصعدة أخرى مادية، تقنية
وصناعية وما إليها، مما أصبحنا نعيشه الآن
متجليا في تطور المعلومات.
ولا
شك أن تجاوز التخلف يقتضي تغيير الرؤى
والأفكار، وما يرتبط بها من نظم اجتماعية
وغيرها، وتبديلها بأخرى تكون مبنية على رؤية
بعيدة للمجتمع كيف نريده وكيف ينبغي أن
يكون، دون أي تشويش أو خلط أو تمويه أو تزييف.
وإذا ما تحقق ذلك، فسيسهل استعادة الوعي
واستنهاض الهمم، وتدعيم روح المواطنة
والشعور بالانتماء الحق، سواء إلى الوطن أو
إلى ما هو أوسع وأرحب، بتسامح وتساكن
وتعايش، بعيداً عن أي تعصب أو تطرف. كما
سيسهل تفعيل الإرادة وامتلاك أدوات هذا
التفعيل، وفي طليعتها العلم والعقل والحرية.
وهي
أدوات ستمكن من فتح قنوات للحوار مع الذات
ومع الآخر، بمنظور جديد، ومنطلقات تحقق
الأهداف المرجوة، في غير رفض مسبق مطلق،
وكذا في غير تساهل أو استسلام، لكن مع
التمييز بين الأطراف المتعددة التي علينا أن
نجري معها هذا الحوار.
ولعل
هذا التوجه في جانبه الإيجابي أن يحثنا على
تقوية معرفتنا بالغرب وثقافته ووسائل
تقدمه، بغية فهمه على نحو صحيح، بعيداً عن
أية أحكام تعميمية تجعلنا نرفضه بإطلاق، أو
نرتمي بعشوائية في أحضانه.
إن
التغيير الذي ننشد به الإصلاح مشروع شامل،
بل هو فعل تاريخي يقتضي الإيمان به والإعداد
له والتعاون من أجل تحقيقه. وإن الثقافة التي
ندعو إلى إبداعها، باعتبارها مفتاح هذا
الإصلاح، هي ثقافة أصيلة ومتفتحة، وقادرة
على التصحيح والتوجيه والتأطير والتجديد.
ولا
شك أنها ستكون مؤهلة لذلك، إذا ما التأم
المثقفون كافة والتحموا، وأخذوا مبادرة
تبدأ بتخليهم عن موقع المتفرج اللامبالي أو
الساخط، وكذا عن موقع المنتظر بأمل كاذب أو
يأس مميت.
*
عرض قدم في الندوة التي عقدتها الإيسيسكو
يوم الخميس 19 شوال 1425هـ، الموافق لـ 2 ديسمبر
2004م، حول موضوع: "ثقافة التغيير بين
التأصيل والتجديد"، في إطار المؤتمر الذي
نظمته مؤسسة الفكر العربي، بمراكش خلال
الفترة من 1 إلى 4 دسمبر 2004م تحت عنوان: "العرب
بين ثقافة التغيير وتغيير الثقافة".
**
عضو أكاديمية
المملكة المغربية، مستشار الملك محمد
السادس.
|