 |
|
قصور الحمراء.. ديوان العمارة والنقوش العربية |
تثير
قصور الحمراء في نفس كل من يشاهدها ذكريات
المجد والفخار، إذ تمثل الحمراء بروائعها
عهدًا من الأمجاد والبطولات، أمجاد حضارية
وبطولات عسكرية سجلها التاريخ في هذه القصور
الأسطورية التي أصبحت متحفا لا نظير له
للعمارة والفنون الإسلامية في الأندلس.
وكانت
قلة البحوث والدراسات الأجنبية الحديثة
وعدم وجود دراسات باللغة العربية دافعاً
أساسيًّا لدراسة جانب جديد من تلك النقوش
التي لم يتم دراستها من قبل الباحثين، وهو ما
نجده في كتاب "قصور الحمراء ديوان العمارة
والنقوش العربية" الصادر عن مركز الخطوط
في مكتبة الإسكندرية للدكتور محمد عبد
المنعم الجمل.
موضوعات
الكتاب
وقد
قسمت موضوعات الكتاب إلى ستة فصول قدمت لها
بمقدمة تضمنت عرضا عاما لموضوع البحث مع
دراسة نقدية لأهم المصادر والمراجع، وقد
تناول الفصل الأول الطراز المعماري
الأندلسي وتطوره حتى عصر بني نصر، ثم عرض
لمنشآت بني نصر بقصور الحمراء، وتاريخ إنشاء
كل مجموعة منها، مع ترجمة لسلاطين بني نصر،
ودراسة لمنشآتهم المعمارية منذ تشييد
النواة الأولى للحمراء في عصر محمد بن نصر
وخلفائه حتى بلغت مجموعة قصور الحمراء أوج
كمالها في عصر السلطان يوسف الأول وابنه
السلطان محمد الخامس الغني بالله الذي توج
عمارته بإنشاء مجموعة معمارية رائعة في بهو
الأسود. ثم شعراء بني نصر ومعظمهم من رجال
العلم والأدب الذين ترأسوا ديوان الإنشاء،
ووصلوا إلى منصب الوزارة في حمراء غرناطة،
وأبدعوا في وصف حدائق وقصور ونافورات
الحمراء، وأجمل قصائدهم تزين جدران القاعات
والنافورات.
وخُصص
الفصل الثاني لدراسة الخصائص الفنية للنقوش
الكتابية في الأندلس وتطورها حتى عصر بني
نصر. وفي الفصل الثالث دراسة وصفية للنقوش
الكتابية التي تزدان بها قاعات وأبهاء
وأبراج الحمراء. أما الفصل الرابع فقد أفرد
لدراسة الخصائص الفنية للنقوش الكوفية التي
تزين قصور الحمراء مع بيان ملامح تطورها
وأنواعها ومعظمها بالخط الكوفي المضفر أو
المترابط الذي تتميز حروفه بتشابكها
وتداخلها واتخاذها صورا زخرفية متنوعة، أما
الفصل الخامس فقد خُصص لدراسة الخصائص
الفنية للنقوش المسجلة بالخطوط اللينة
النسخ والثلث.
وأخيراً
خصص الفصل السادس لدراسة مضمون النقوش
الكتابية مع دراسة لشعار بني نصر (ولا غالب
إلا الله)، مشيرا إلى الدوافع السياسية التي
دعت إلى اتخاذ هذا الشعار والمعنى الرمزي له
ولحروفه.
وقد
زود الكتاب بمجموعة من اللوحات والصور
والأشكال التوضيحية معظمها ينشر لأول مرة في
هذا البحث.
قصور
الحمراء
ويذكر
الكتاب أن كلمة الحمراء وردت لأول مرة في
المصادر العربية باسم حصن الحمراء، وكان
يطلق على حصن صغير لجأ إليه الثائرون الذين
فروا أثناء الفتن التي شبت خلال حكم الأمير
عبد الله الأموي، ويبدو أن هذا الموقع قد
أصبح في نهاية القرن (الثالث هـ/التاسع م)
حصنا إسلاميا، وكان هذا الحصن قد شيد فيما
يغلب في نهاية القرن الثالث الهجري على
أطلال رومانية وقوطية قديمة كانت تتخذ من
هذا الموقع الإستراتيجي فوق تل السبيكة حصنا
ومركزا دفاعيا لها، وقد هجر فيما يبدو في
أيام الخلافة، حيث لم تذكره المصادر العربية
إلا في عصر بني زيري الذين اتخذوه حصنا
وموقعا عسكريا، ثم أضافوا إليه منشآت مدنية
للسكنى.
ويرجع
الفضل في إنشاء المجموعة الحالية لقصور
الحمراء إلى بعض سلاطين بني نصر أضاف كل منهم
قصراً، أو ابتنى مجلساً داخل برج من الأبراج
تتقدمه بركة صناعية، أو زود أحد القصور بصحن
تتوسطه نافورة.
والحمراء
مدينة ملكية تتخذ شكل الحصن الذي يقام في
موقع مرتفع منيع يتميز بحصانته بفضل الأبراج
والأسوار المحيطة به، ويبلغ ارتفاع الهضبة
التي شيدت عليها القصور 736 مترا، وتشغل نحو
خمسة وثلاثين فداناً، وهي في ذلك تشبه إلى حد
كبير قلعة الجبل في القاهرة، وقلعة حلب في
بلاد الشام، وهذا الطراز من المدن المحصنة
أصبح الطابع المميز للعديد من المدن
الإسلامية ابتداء من القرن الرابع الهجري.
وتضم
الحمراء عدداً من الوحدات المعمارية بعضها
قاعات ومجالس وبعضها أبهاء وبساتين تتخللها
الجداول والبرك الصناعية خطط لها فوق تل
السبيكة الذي عرف بهذا الاسم لتحوله إلى
اللون الذهبي عندما تسقط عليه أشعة الشمس.
وقد
اتسعت الحمراء بما أضيف من قصور وأبراج
وقاعات ومرافق مختلفة ومتعددة الأغراض، حتى
أصبحت بحق مدينة ملكية تضم القصور والحمامات
والمساجد السلطانية والمتنزهات وصهاريج
المياه، وتطوقها الأسوار والأبراج المحصنة.
الخط
العربي في الأندلس
ولأن
اللغة العربية سايرت الإسلام أينما حل
وحيثما انتشر فقد قُدر للخط العربي أن ينتشر
انتشارا واسعا وأن يواكب المد الإسلامي شرقا
وغربا. هذا وقد عرف العرب في القرن الأول
الهجري نوعين من الخط: نوعا شديد الجفاف،
ونوعا لينا يميل إلى الاستدارة، وكانت تؤدى
بكل نوع منهما أغراض مختلفة.
وقد
تقدمت صناعة الخط العربي وازدادت العناية
بتجويده في الأندلس لارتباطه بالقرآن
والدين، وكان للخطاطين مكانة عالية في
المجتمعات الإسلامية لاشتغالهم بنسخ
المصاحف بوجه خاص، وكتب الفقه والأدب والشعر
بوجه عام، وعلى هذا النحو ازدهر فن تحسين
الخط وتجويده، ولقي تشجيعا من كبار رجال
الدين والأمراء فأقلبوا على شراء المخطوطات
ونماذج من كتابة الخطاطين كانوا يجزلون لهم
العطاء وكثيرا ما تقلدوا بفضل اشتغالهم
بالخط مناصب هامة في الدولة.
وتعتبر
النقوش الكتابية على الآثار الإسلامية من
أهم المصادر بالنسبة للدراسات التاريخية
والحضارة الإسلامية؛ لأن أكثر ما وصلنا في
المصادر العربية المدونة في الفترة المبكرة
من العصور الإسلامية لا يعدو روايات يغلب
عليها الطابع الأسطوري.
وتتضمن
أيضا النقوش الكتابية في معظم الأحيان أسماء
العرفاء والمهندسين والمزوقين الذين أشرفوا
على إنشائها وتزيينها وهي أمور غفلت الوثائق
التاريخية عن ذكرها على هذا النحو من الدقة؛
لذلك تعتبر تلك النقوش مادة أساسية للكتابة
التاريخية والحضارية.
شعراء
ووزراء بني نصر
وقد
عرف عن أهل الأندلس ولعهم بالشعر وبلغوا في
نظمه وإنشاده وصياغته ما لم يدانيهم فيه شعب
آخر، وقد بلغوا في حبهم للشعر حد العشق، وقد
وصل إلى منصب الوزارة العديد من الشعراء
بسبب مواهبهم الفنية والأدبية، وأصبحت كلمة
وزير في الاستخدام الشائع تعني كاتباً أو
أديباً أو شاعراً؛ لأن الشعراء بثقافتهم
الأدبية نثراً وشعراً يستطيعون وحدهم شغل
هذا المنصب الذي يتطلب من صاحبه -بالإضافة
إلى الذكاء السياسي- القدرة على صياغة
الرسائل، وكتابة المعاهدات، وإرضاء
السلاطين بأشعارهم.
وأعظم
قصائد هؤلاء الشعراء قيلت في وصف حدائق
ومنتزهات ومباني تلك القصور، وزاد من قيمة
هذا الشعر وخلوده أنه سجل على جدران الحمراء
التي تمثل إحدى روائع الفن العالمي.
نقوش
الحمراء
ويستعرض
الكتاب نقوش قصور الحمراء التي تكشف جانبا
من عبقرية الفنان المسلم وابتكاراته في
الفنون الإسلامية من خلال المواد المستخدمة
في البناء والحليات الزخرفية، وعلى الرغم من
بساطة تلك المواد فإنه استطاع أن يجعل منها
ببساطتها تحفا فنية رائعة الجمال وليدة
إبداعه الفني وثمرة ملكاته الفكرية التي
سخرها لتزيين منشآته وتجميل تحفه بكل ضروب
النقش والتنميق والزخرفة.
وقد
استخدم الفنان الغرناطي في عصر بني نصر مواد
متعددة من الجص والرخام والخشب والزليج في
تنفيذ النقوش الكتابية بقصور الحمراء
متبعاً في تنفيذها طرقا متعددة من حفر بارز
وحفر غائر أو تلوين، وكان لتوفر مواد البناء
والزخرفة أثرها البالغ على إنتاج وحدات
معمارية وأساليب إنشائية خاصة ببعض المناطق
وأنواع التحف وأساليب صناعتها.
اقرأ
أيضًا:
|