 |
|
غلاف كتاب دون جوان يتحدث عن نفسه
|
يحاول
الكتاب والمثقفون في أوربا والغرب عموما
النظر في الأوضاع التي وصل إليها المجتمع
بعد عقود من الحرية التي تخلصوا باسمها من
القيود الاجتماعية كالزواج وتكوين الأسرة
ورعاية الأبناء.
فإلى
جنب الدراسات والتحذيرات المختلفة التي
يصدرها علماء الاجتماع من حين لآخر،
والتنبه إلى أن ما وصلت إليه المجتمعات
الغربية لا يبشر بالخير، بدأ الأدباء أيضا
يستشعرون تلك المخاوف ويسطرونها في
رواياتهم التي تتحدث عن ضياع قيم التضامن
الاجتماعي، وترى في العودة إلى الروحانية
والبحث عن الإيمان ضرورة يجب أن يبدأ
التفكير فيها مليا.
دون
جوان يتحدث عن نفسه
ومن
بين تلك الروايات التي صدرت مؤخرا قصة
للمؤلف النمساوي الشهير بيتر هندكه،
والمقيم منذ فترة في فرنسا، تخيل فيها أن
دون جوان -أو دون خوان، حسب الاسم الأسباني
الأصلي- قد عاد الآن، وإذا كان الأدباء الذي
تناولوا شخصية دون جوان من قبل كانوا
ينقلون مغامراته؛ فقد تركه هندكه يحكي
ويتحدث عن نفسه للمرة الأولى.
يرتبط
دون جوان في أذهان الجميع ببطل المغامرات
العاطفية الذي يستهوي النساء بتأثيره
الغامض والساحر، كما وصفته الروايات
والقصص التي تحدثت عنه. يبحث عن المتعة
الجسدية بكافة الطرق، ولا يهمه إن أحب
المرأة أم لا، ولا يهتم بمشاعرها وعواطفها؛
بل يلقي بها بعد أن ينهل منها نشوته تحت
تأثير كلامه المعسول وشخصيته الجذابة، ولا
يختلف أسلوبه هذا عن الاغتصاب، لكنه بدلا
من أن يستعمل العنف يلجأ إلى العبث
بالمشاعر والأحاسيس التي سرعان ما تكتشف
المرأة أنها وهم، ولكن بعد أن يحصل منها على
ما يريد ويتركها نادمة آسفة على حبها
الوهمي الكاذب.
هكذا
كانت صورة هذا الفارس كما صاغته أقلام
مشاهير الكتاب والشعراء؛ مثل موليير أو
ألبير كامو وأيرنست بلوخ وبوشكين،
والفلاسفة مثلما فعل الدانماركي
كيركيغارد، أو في أوبرا موتسارت الشهيرة
"دون جيوفاني"، لكن بيتر هندكه
النمساوي المقيم قرب باريس يقدم للقراء دون
جوان في ثوب جديد.
فإذا
كان الجميع تحدثوا عن دون جوان أو نقلوا عن
خصومه أو عن لسان عشيقاته المخدوعات؛ فقد
سمح هندكه له أن يتحدث بنفسه عن نفسه في
مؤلفه الأخير: "دون خوان يتحدث عن نفسه"،
والذي مهد لذلك من أول جملة فيه، قائلا: "كان
دون خوان دائم البحث عمن ينصت إليه ويستمع
له"، فمنحه هندكه فرصة الحديث بنفسه،
ولكن ليس لدون خوان القرون الوسطى؛ بل دون
خوان القرن الحادي والعشرين.
دون
جوان الجديد
ثم
تأتي المفاجأة.. فدون جوان الذي تتهافت على
سيرته ورؤيته النساء ويتباهى بخطواته في
شوارع المدن وساحاتها يسير الآن متخفيا..
خائفا.. مرتبكا.. حائرا، تضيق به السبل؛ فلا
يجد إلا أطلال دير شبه مهجور ليتوارى فيه،
فيستقبله طباخ عجوز مقيم فيه، يحسبه أحد
طالبي اللجوء، فيشفق عليه، ويستضيفه
ويطعمه ويسقيه، ويستمع منه بإنصات
واهتمام؛ فهي المرة الأولى التي يتكلم فيها
دون جوان عن نفسه.
وتلك
الأطلال نفسها التي يحتمي بها الآن دون
جوان هي ما تبقى من دير "بور روايال دي
شامب" الذي كان في القرن السابع عشر
واحدا من أعرق بيوت الراهبات في فرنسا،
والآن وبعد أن تحول إلى أطلال يحتضن دون
جوان ليروي سبع قصص في سبعة أيام؛ هي الفترة
التي أقام فيها لدى هذا الطباخ الطيب.
في
الصباح يستمتع دون جوان بنهار مايو - آيار
الفرنسي الجميل، يراقب الفراشات وهي تطير
حوله، والزهور تتفتح، والكائنات الحية
تبدأ في ممارسة غريزتها، وهو يتأمل الحياة
في تلك الحديقة الهادئة الجميلة، وما حولها
من آثار كانت تحمل ذكريات مختلفة، وهناك
يشعر القارئ كأنه في العصور الوسطى
برومانسياتها وشاعريتها.
ولكن
عندما يخرج دون جوان مع مضيفه الطباخ
العجوز ينتقل القارئ على الفور إلى العصر
الحديث؛ فهما يذهبان بالحافلة إلى المدينة
القريبة منهما، يشاهدان محطة للطاقة
النووية على الطريق السريع، أو أعمدة
الكهرباء الثقيلة مزروعة وسط الطبيعة،
والسيارات بأنواعها المختلفة تطلق
لعوادمها العنان، وشباب يمرحون بدراجاتهم
النارية، وهو -أي دون جوان الفارس المقدام-
يمشي حذرا ومتخفيا؛ ليعود أدراجه إلى أطلال
ذلك الدير وأجوائه الهادئة؛ ليحكي على
العجوز ما رآه خلال الأيام السبعة.
الحب
في العصر الجديد
الخوف
والحذر اللذان ظهرا على دون جوان ليسا من
ثأر يخشاه، ولكن لأنه -على ما يبدو- مندهش
مما يراه من العلاقة الراهنة بين الرجل
والمرأة؛ ففي أولى المغامرات التي يحكيها
يروي كيف كان يراقب عاشقين في إحدى
الغابات، وكانا في البداية منسجمين يعيشان
لحظات من الحب وسط الطبيعة، ثم فجأة انقلبت
هذه الهارمونية إلى تنافر من الطرفين،
وكأنهما خصمان وعدوان! وقد برع هندكه في
وصفه لتسلسل هذا التحول من العشق إلى
النفور، وكأنه نوع من عذاب الحب في القرن
الحادي والعشرين، يسعد الإنسان في بدايته،
ولا يصبر على أزمته؛ فينتهي سريعا بزفرات
الندم والأسف على الفراق والانهيار.
لكن
دون جوان بتجاربه يرى أن عامل الوقت هو الذي
لا يمنح العاشقين الفرصة لتفادي هذا
الانهيار؛ فيغادران بحثا عن حب جديد، قد
يكون أكثر استقرارا لفترة أطول، وقد يتوتر
أيضا، وفي كلتا الحالتين تسير الأمور على
عجل، ودون تروٍّ، لا في اتخاذ قرار البداية
ولا في وضع نقطة النهاية.
ولا
يريد هندكه بذلك إثبات أن أسلوب دون جوان في
التعامل مع النساء بدم بارد هو الصحيح، أو
أن تحول الرجل إلى "زير نساء" هو
الصواب؛ بل على العكس، فقد حاول هندكه من
خلال الحكايات السبعة التي قصها دون جوان
على مستمعه الوحيد -ذلك الطباخ العجوز- أن
ينتقل بالقارئ بين بقاع الأرض، وفي أجواء
مختلفة أيضا من قلب الشرق إلى أقصى شمال
الغرب، فيها مزيج من الغموض المثير بحثا عن
الزمان والمكان، ولكنها عادة المؤلف
النمساوي بيتر هندكه في رواياته؛ أن ينتقل
بالقارئ إلى "زمان ما" و"مكان ما"،
وحدد أنت بمخيلتك كما يحلو لك أين هما.
بعيدا
عن عالم الحسان
ولذا
لم يسرف دون جوان كثيرا في الاسترسال حول
تفاصيل ما رآه من مغامرات؛ بل إنها جميعها
قصص غير مكتملة إلى النهاية، تبدأ بنظرات
العين، ثم يقف القارئ حائرا عند النهاية
التي هي دائما الفراق؛ إما بسبب الزحام أو
السرعة أو انتهاء الحدث؛ فالكتاب لا يزيد
عن 160 صفحة من القطع الصغير، ولم يصفه مؤلفه
لا بالرواية ولا بالقصة القصيرة وليس هو
بالسيرة الذاتية بالمعنى المفهوم، وترك
هندكه للقارئ هنا أن يصنف الكتاب بنفسه، كل
حسبما يتراءى له.
لم
يتكلم دون جوان القرن الحادي والعشرين عن
حسناوات أسبانيا وفاتنات باريس، بل حكى عما
رآه في القوقاز والشام وشمال أفريقيا
والنرويج وهولندا! ولم يكن البطل الذي يحطم
قلوب العذارى ويسرق أفئدة النساء، بل روى
ما رآه في تلك البلاد، ولا تعرف أين ذهب ذلك
السحر الذي دأب على استخدامه لمداعبة قلوب
بنات حواء، بقدر ما تعرف تأثره بالوسط الذي
يراهن فيه: في قرية في القوقاز، وبالقرب من
ساحة مسجد في دمشق حيث يمارس المتصوفون
رقصتهم المشهورة، ثم اختار من شمال أفريقيا
مدينة سبتة التابعة للتاج الأسباني، في
إشارة إلى حلقة الوصل بين أوربا والشرق،
ومنها انطلاقا إلى النرويج وهولندا، قبل أن
يصل إلى دير "بور روايال دي شامب"
بالقرب من باريس.
عالم
يحن إلى الروحانية
الانطباع
الذي يخرج به من يقرأ كتاب بيتر هندكه هو
أنه خليط فلسفي، جمع بين الحب والموت،
الربيع والأطلال، الماضي والحاضر. وربما
كانت رسالته تشير إلى غياب الروحانية في
حياة الغرب المعاصرة، والتشبث بالمادية
التي دمرت كل شيء، حتى العلاقات الإنسانية
والعاطفية؛ وهو ما قد يبرر لجوء دون جوان
إلى أحد الأديرة التي تحولت إلى أثر بعد
عين، في غياب البعد الروحاني والإيماني من
الحياة الغربية.
وكذلك
اختيار المؤلف لعودته في فترة بين مناسبتين
دينيتين كاثوليكيتين (عيد الصعود وعيد
العنصرة الذي يأتي بعد عيد الفصح بسبعة
أسابيع) واختياره للأيام السبعة التي قضاها
في الدير التي من المحتمل أن تكون مستوحاة
من قصة الخلق تبعا للإنجيل، ووصفه للهدوء
الشديد والطبيعية الخلابة التي تلف حدائق
هذا الدير؛ فهو يعطي صفاء الجو الديني
وحاجة النفس البشرية المضطربة إليه هربا من
خضم الحياة المدنية بما فيها من سلبيات
أثرت على المشاعر والعواطف، وجعلتها
مرهونة بإيقاع العصر السريع المتقلب
والمتغير.
ثم
قد يكون اختياره لدير راهبات رمزا للمكان
الذي كانت النساء تفر إليه هربا من الحياة
الدنيوية، وقد يكون اختياره لدير راهبات
عوضا عن دير للرهبان أيضا؛ دلالة على أنه
احتمى لدى المرأة التي تسعى إلى الطهر
والنقاء، وربما أيضا أراد لنفسه أن يتطهر
أو يتبرأ من تلك العلاقات غير السوية التي
ارتبط بها اسمه على مدى قرون.
الكتاب
بما فيه من بحث عن الروحانية وانتقاد مغلف
للعلاقة الراهنة بين الرجل والمرأة في
الغرب شهادة أخرى من كاتب له باع في الأدب
الناطق بالألمانية، ومعروف عنه البحث داخل
خبايا الأشياء والأحداث وخلف السطور، وهو
بنفسه عاش حياة حرة طليقة، ولكنه مثل غيره
من الفلاسفة والمفكرين الغربيين صار يرى أن
إطلاق العنان لشهوة الجسد ليس هو الحل،
وليس هو الهدف؛ بل لقد اقترب المجتمع
الأوربي بسببها من حافة الانقراض، وهي
نتيجة حتمية لانهيار القيم والمبادئ
والأفكار النبيلة.
اقرأ
أيضًا:
**
مراسل "إسلام
أون لاين.نت" في سويسرا
|