 |
|
مآذن القاهرة |
دهشت
كثيرا لما جاء فى حوار الدكتور محمود حمدى
زقزوق وزير الأوقاف مع جريدة الأخبار الجمعة
10/9 حيث أكد فيه الدكتور زقزوق عزم الوزارة
على توحيد الأذان فى المساجد، والأسباب التى
دعت الوزير لهذه الفكرة هى: منع ضجيج مكبرات
الصوت فى المساجد.. وأن بيوت الله يجب أن تكون
مصدرا لإسعاد الناس، وليس لإزعاجهم
وإرهابهم فكريا! كما قال الوزير فى جريدة
نهضة مصر 10/9:أننا أصبحنا أمام متغيرات لا بد
أن نواكبها ونتطور معها حتى نستطيع أن ننهض
بالارتقاء إلى العالم الذى سبقنا فى كل
المجالات، ولهذا فمن الضرورى أن يواكب أئمة
المساجد هذه التطورات.
مدخل
القضية ثقافي
ومصدر
الدهشة فى تصريحات الدكتور زقزوق أن هذه
القضية لا ينبغى أن تتصدى لها وزارة الأوقاف
فقط باعتبارها الجهة التى تتبعها المساجد،
لأنها قضية ثقافية وفنية بالمقام الأول،
وتتعلق بوجدان الناس وذائقتهم، كما أنها تضع
قيودا على حرية الإبداع بغلق باب الاجتهاد
الفنى أمام المؤذن وتسييد نغمة واحدة لصوت
واحد فى الأذان، ولهذا يبدو مثيرا للقلق ما
قاله الشيخ المطعنى فى ذات العدد من الجريدة
المذكور، حيث قال إن هذا المشروع قديم وهناك
مشروع سابق تقدم به وزير الثقافة وفشل فى
تطبيقه. ومن ناحية أخرى تبدو الأسباب التى
ذكرها وزير الأوقاف أسبابا واهية وغير
مترابطة وتجعلنا نتشكك فى حقيقة ونيات الجهة
التى تريد ذلك ،لأن مشكلة الحد من الضجيج ليس
علاجها توحيد الأذان، كما أن الأذان لايمكن
أن يوصف بالإرهاب الفكرى! واختلاف توقيت
الأذان من مسجد لآخر هو أمر إدارى لأن
الوزارة تملك إداريا إلزام المؤذنين بتوقيت
موحد،..وتوحيد الأذان لا يمكن أن يكون علامة
تطور ونهضة لأنه إفقار وللخيال وللثراء
النغمى فى موسيقانا العربية، بتثبيت نغمة
واحدة وصوت واحد للأذان، مما يعد إساءة
بالغة للثقافة الغنائية، وإساءة للتقاليد
الفنية للأذان، التى أرساها طائفة من
المقرئين العظام فى مصر، وأعطوها الكثير من
فنون الأداء الغنائى . إنها حالة إبداعية
يصول ويجول فيها صوت المؤذن فيضفى مزيدا من
التنوع وجمال التصرف فى الأنغام، من حالة
الصفاء الروحى فى أذان الشيخ محمد رفعت، إلى
التوعية المغناة فى أذان الشيخ مصطفى
اسماعيل، ومن رقة وصرامة الشيخ عبد الباسط
عبد الصمد إلى بكارة صوت الشيخ نصر الدين
طوبار، ومن النبرات الصداحة فى صوت الشيخ
سيد النقشبندى، إلى جلال القرار المهيب فى
أذان الشيخ الحصرى، حتى أصبح كل قارئ من
هؤلاء قامة موسيقية تطاول كبار الموسيقيين،
ولكل واحد منهم بصمته الفنية بما وهبه الله
من علم بالأنغام وفن فى الأداء، فتبوأ كل
منهم مكانته التى تليق به فى أفئدة مستمعيهم
فى مصر والبلاد العربية والعالم الإسلامى.
هذا التلوين النغمى والمقامى جزء أصيل فى
الثقافة الغنائية لفن الأذان والتلاوة ومن
عباءته خرجت معظم قاماتنا الموسيقية
والغنائية، و هو فن ترعرع فى مصر، وانتشر
نجومه فى أرجاء المعمورة فكانوا خير سفراء
للفن المصرى فى المحافل الدولية، إنه فن
المصريين، وقد وصف الموسيقار الراحل محمد
عبد الوهاب الزعيم "القبطي" مكرم عبيد
بأنه كانت له أذن حساسة فى المقارنة بين كبار
المقرئين. وكثيرا ماكانت الإذاعة المصرية
قبل أن تذيع الأذان تبث تقاسيم على العود
للموسيقى وعازف العود الراحل جورج ميشيل،
تبعث فى المستمعين حالة من الخشوع قبل أن
يتأهبوا للصلاة.
وجه
آخر للتطرف
أما
الضجيج الذي يتحدث عنه وزير الأوقاف فعلاجه
يسير إذ أن القانون يعطى للوزير الحق فى
الإشراف على المساجد جميعها المساجد
الأهلية والتى تتبع وزارة الأوقاف وبوسع
الوزير منع استخدام مكبرات الصوت فى الزوايا
والمساجد الصغيرة على أن يصرح بذلك لمسجد
واحد فى كل منطقة مجرد اقتراح، الأمر الذى
ينبغى أن ننتبه لخطورته هى فكرة توحيد
الأذان، إنها أخطر من أن ينظر إليها فقط
باعتبار أنها مشكلة تخص 90 ألف مؤذن سوف
يصبحون بلا عمل، لأنها قضية صناعة وجدان
وصياغة ذائقة، ولن نصنع وجدانا سليما
بالنغمة الواحدة والطريقة الواحدة فى
الأداء وهذا من شأنه أن يخلق أحادية فى
التفكير. وكلنا نعرف التسجيلات القرآنية
بنغمة ثابتة لصوت أخنف قادم من إحدى الدول
العربية وانتشرت مع انتشار الجماعات
المتطرفة فى مصر، لقد كانت هذه الطريقة فى
الأداء هى وقود التطرف ومفرخة لمزيد من
المتطرفين، خلافا للأداء المصرى المتسم
برحابة الأنغام وسماحة التعدد النغمى، وما
يجرى الإعداد له فى وزارة الأوقاف الآن يشبه
إلى حد كبير ما أقدمت عليه تلك الجماعات
المتطرفة، إنه وجه آخر للتطرف، لأن جوهر
المشكلة فى الحالتين هو تثبيت نغمة واحدة،
وافقار المخيلة النغمية والتعسف فى تعميم
شيء يتصل بالوجدان .
الإرهاب
التنويرى!
 |
|
إحدى مآذن القاهرة القديمة |
فى
مطلع القرن العشرين كان الموسيقار الراحل
زكريا أحمد يهوى فيما هواه من ألوان
الموسيقى الأذان وقد حكى الموسيقار الكبير
لصبرى أبو المجد فى كتابه " زكريا أحمد"
فقال: " كان الأذان ولا سيما التسابيح
والاستغاثات التى تتلى قبل الفجر فى المسجد
الحسينى، مما يؤدى على نهج خاص فنغمة يوم
السبت عشاق.. ويوم الأحد حجاز، أما يوم
الاثنين فنغمته سيكا إذا كان أول اثنين فى
الشهر، وبياتى إذا كان فى ثانى اثنين وحجاز
إذا كان ثالث اثنين من الشهر، وشورى على
جركاه إذا كان رابع أو خامس أيام الاثنين.
ويوم الثلاثاء سيكا والأربعاء جركاه
والخميس راست والجمعة بياتى..". لقد كان
بمقدور الناس آنذاك معرفة اليوم بناء على ما
يسمعون من نغمات، هكذا كان حال المصريين قبل
تسعة عقود من الزمن، رغم أنه لم يكن هناك "مجلس
أعلى للثقافة" ، ولا طائفة كتاب "شركات
الكهرباء والثقافة" الذين أوشكوا أن
يفسدوا علينا حياتنا، حيث يحاول فريق "التنويرجية"
بجهل وغباء تصوير الأمر على أنها قضية
استنارة، ووصف الذين يعارضون توحيد الأذان
بالتطرف! والحقيقة أنه إذا جاز لنا أن
نعتبرها قضية استنارة، فليعلم هؤلاء
التنويرجية أنهم يقفون فى جانب القوى
الظلامية، لأنهم يؤيدون الخيال الفقير
وأحادية التفكير، أما التنوع فى الأداء
النغمى فهو فى جوهره إبداع، والإبداع فى
جوهره استنارة. لماذا يتصور بعض المثقفين أن
الاستنارة ومسايرة روح العصر هى بالضرورة
تعنى التخلى عن كل ما هو محلى؟.. بل لماذا
ترمينا الأقدار بمسئولين لا يعرفوننا ولا
يعرفون ثقافتنا، ويحتقرونها ويحتقروننا ؟!
كيف يتصور وزير الأوقاف أن توحيد الأذان
نهضة وارتقاء إلى العالم الذى سبقنا؟ ولماذا
يتصور أن الأذان هو أمر يستوجب الخجل منه
أمام أبناء الثقافات الأخرى؟ فى الحقيقة أنه
لا يوجد أجنبى زار مصر ولم يقف بإجلال أمام
لحظة إنطلاق الأذان، وإذا رجعنا للوراء وقبل
قرنين من الزمان نجد علماء الموسيقى
الفرنسيين الذين رافقوا الحملة الفرنسية
على مصر وقد بهرهم فن الأذان والتلاوة من
قارئ يدعى الشيخ الفيومى وفى كتاب وصف مصر فى
الفصل الخاص بالموسيقى والغناء عند
المصريين المحدثين أجرى العالم الموسيقى
الذى جاء مع قوة احتلال غازية المسيو فيوتو
أول محاولة فى التاريخ لتدوين الأذان
والتلاوة بالعلامات الموسيقية حيث يقول
المسيو فيوتو : "كان صوت الشيخ الفيومى عند
تلاوته لهذه الصلاة يبدو مسترشدا بما تلهمه
الحماسة أكثر مما يقوده فى ذلك التفكير،
وكانت نبرات صوته معبرة، يخرج لفظها بقوة
تنبض بالحياة، بالغة التأثير، حتى أن تتابع
اللفظ كان يشكل نوعا من ترتيل شجى مثير
للعاطفة بحيث لا يكون من العسير تقديره حق
قدره" ويتحدث الباحث الفرنسى عن خفاء
الإيقاع فيما سمعه من تلاوة الشيخ الفيومى،
فيعترف بأن من الشطط البحث عن إيقاع محسوس فى
هذه التلاوة، كما يعترف بأنه لا يمكن أداؤها
على آلة موسيقية لأن الآلات الموسيقية لا
تستوعب نبرات الرخامة فى هذه التلاوة.
وبكلمات قلائل يصف الباحث الفرنسى ما سمعه
بقوله :"إنه بالغ العذوبة، مثير للعاطفة
ولكل المشاعر الحية للغاية، والباعثة على
الشجن". ماذا نفعل إذا كان هذا هو حال
المستعمر، بينما يريد المسئولون عن أمورنا
إلغاء هذا الفن ؟ هل نطالب بحملة استعمارية
جديدة تحفظ لنا الأذان الذى نحبه، مادام
الزمان قد ضن علينا بحكام يحبون ثقافتنا ؟!
ثم لماذا لا نبحث فى الأسباب الحقيقية
لمشكلة الأصوات الرديئة؟
المسئولية
في رقبة من؟
فى
عشرينيات القرن الماضى أنشأ مجموعة من
الشباب على نفقتهم الشخصية معهد الموسيقى
العربية كجمعية أهلية، وكان من بين أهداف
المعهد تدريس علم القراءات على أصول نغمية،
وعهدوا بتلك المهمة للشيخ درويش الحريرى
القارئ والمبتهل والملحن المعروف، الذى
تخصص فى تدريس هذا الفن لسنوات طويلة، وبعد
رحيله تولى المهمة بعض تلاميذه، إلى أن
تدهور حال المعهد، ثم قامت وزارة الثقافة
بطردهم من المبنى، وأقامت متحفا للموسيقار
محمد عبد الوهاب وجددت المسرح القديم وألقوا
بالطلبة والدارسين إلى الشارع !، ولا أحد
يعترض على متحف عبد الوهاب وإنما وجه
الاعتراض هو لماذا هذا المكان بالذات، خصوصا
وأن عبد الوهاب ليس له تاريخ طويل مع هذا
المكان الذى أنشأه أصحابه لأجل رسالة فنية،
وما أريد أن أؤكد عليه هنا، أننا عندما
توقفنا عن تدريس هذا العلم بدأنا نشكو من
رداءة الأصوات، خصوصا أن المعهد العالى
للموسيقى العربية التابع لأكاديمية الفنون
لا يدرس هذا العلم. ما الذى يمنع وزير
الأوقاف بالاشتراك مع وزارة الثقافة فى
إقامة معهد للقراءات يتولى التدريس فيه نخبة
من الموسيقيين للعلم بالنغمات، وأساتذة علم
القراءات لضبط أصول القراءة ؟ وما فائدة
المعاهد ودور العلم إذا لم تقدم علما نافعا
للمجتمع؟ إننا لو فعلنا ذلك نكون قد أسدينا
خدمة جليلة للعلم، ونكون قد أعددنا جيلا من
القراء والمؤذنين على أسس نغمية مضبوطة، أما
من يعملون كمؤذنين فبوسع وزير الأوقاف أن
يشكل لجنة لاختبارهم على أن تحتوى فى
عضويتها موسيقيين وقراء لهم علم بالنغمات،
ومن الممكن أيضا إعطاء دورات تدريبية سريعة
لتأهيل مؤذنين لهم علم بالنغمات، بدلا من
الأموال الطائلة التى ينوى وزير الأوقاف
انفاقها على مشروع الأذان الذكى فى محاولة
خائبة لإقناعنا بأنها حكومة عصرية لكن
المشكلة الحقيقية أن من بيدهم مقاليد أمورنا
لا يرغبون فى أن تظهر ثقافتنا بصورة جيدة،
ونحن من جانبنا لا نأتمنهم على هذا الأمر!
أين نقابة الموسيقيين من هذه القضية، إنه
أمر مثير للدهشة ألا نجد تعليقا لأحد
الموسيقيين حول هذا الموضوع، أين كبار
الملحنين، وأين أساتذة المعهد العالى
للموسيقى العربية؟ ولا أقول المجلس الأعلى
للثقافة، لأن هؤلاء معلوماتهم عن جاك دريدا
وصمويل هنتنجتون أكبر بكثير من معلوماتهم عن
نغمة السيكا ،وخط الثلث، وشهادة لا إله إلا
الله ! .. بل أين نواب الشعب من هذه القضية ؟
ألا يستحق هذا الأمر استجوابا لوزير الأوقاف
حتى نعرف بدقة ماالذى يدبر بشأن أمر يخص
المصريين؟ هذه الجريمة لا يجب أن تمر، حتى لا
نفاجأ بأننا استبدلنا بالشعب المصرى شعبا
آخر، شعبا سقيم الوجدان معتل الذائقة
الموسيقية، أحادى التفكير، ولا يغنى إلا من
المقام الذى تريده وزارة الأوقاف!.
اقرأ
أيضًا:
الأذان
في تركيا.. مدارس ومقامات
المآذن..
عرائس السماء
توحيد
الأذان عبر شبكة الكترونية
هل
يجوز توحيد الأذان بالتحكم الآلي ؟
تجديد
الخطاب الديني في الزمن الأمريكي
*
نقلا صحيفة العربي المصرية عدد 927
بتصرف يسير والعنوان من قلم المحرر.
**
فنان
تشكيلي وكاتب مصري.
|