|
|
المسلمون بالدانمارك
|
شاركت
في حوار شبابي مصري - دانماركي منذ أيام في
إحدى ضواحي كوبنهاجن. كان الحوار مثيرا
بقدر ما كان غريبا، يحمل كل طرف فيه همومه
ومشكلاته التي قد لا يكون لها حضور أو صدى
بنفس الثقل لدى الطرف الآخر. الحوار جاء
بدعوة من الهيئة القبطية الإنجيلية
للخدمات الاجتماعية بمصر بالتشارك مع
الكنيسة اللوثرية في الدانمارك. جاء الوفد
المصري معبرا عن تنوع حقيقي: المشاركون
مسلمون ومسيحيون، رجال ونساء يجسدون ألوان
الطيف الفكري والسياسي والاجتماعي... إلخ.
إحدى
المشكلات التي استحوذت على اهتمام الجانب
الدانماركي -الذي كان يضم بين جنباته أعضاء
في الكنيسة بالإضافة إلى نشطاء في الجالية
الإسلامية- مسألة الهوية، والهموم التي
يعاني منها المسلمون، وكيف يمكن التصالح
بين هوية دانماركية شديدة التجانس تستند في
جانب منها إلى وحدة الدين وهوية أخرى دينية
مغايرة لوافدين ومقيمين ومواطنين. في
الدانمارك يبلغ تعداد السكان ما يقرب من
خمسة ملايين نسمة، من بينهم مائتا ألف مسلم
-حسب ما ذكر لي ممثلو الجالية الإسلامية-
سبعون ألفا من أصل عربي، وستون ألفا من أصل
تركي، وثلاثون ألفا من أصل باكستاني،
والباقي من أصول وعرقيات متنوعة، تحتل
الجالية الصومالية مكانة بارزة فيها، ولا
سيما أن المجتمع يميل إلى فصل الصوماليين
عن عموم العرب عند حصر أعداد المسلمين.
المسلمون
يعانون من غياب التنظيم والتنافس على
الزعامة بين العرقيات المختلفة،
والدانماركيون يرفعون شعار الذوبان في
المجتمع بوصفه السبيل الوحيد لقبول مواطنة
حقيقية للمسلمين. الموضوع معقد ومتداخل
وبخاصة أن المجتمع هناك ظل مغلقا لعقود على
نفسه، لم يجابه الآخر أو يتعاطى معه مثلما
الحال في مجتمعات أوربية أخرى. في استطلاع
للرأي أجري منذ سنوات وجد أن 80% من الشعب
الدانماركي لم يتحدث مع مسلم من قبل. يعني
هذا أن ما يتوافر لديهم من معلومات عن
الإسلام والمسلمين مصدره الرئيسي الإعلام
والصور النمطية المأخوذة عن الآخر. واستغل
حزب الشعب الدانماركي موجة الخوف الكوني من
الإسلام والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر في
كسب مزيد من الأصوات، وسارت بقية الأحزاب
في ركابه، ولم يعد المثقفون الذين كانوا
يتحدثون في السابق عن ضرورة فهم الآخر
الديني يستطيعون المضي قدما في هذا الطرح.
وجاء اشتراك الدانمارك في التحالف الدولي
الذي تقوده الولايات المتحدة في الحرب ضد
العراق، ثم سعيها للمشاركة فيما يسمى
بمشروعات إصلاح الشرق الأوسط تعبيرا عن
رغبة إسكندنافية في لعب دور متأخر بعض
الشيء، وتعبير عن إحساس داخلي بالقلق على
الهوية الدانماركية ذاتها.
حوار
مع ناشطة باكستانية
"منى
شيخ" واحدة من أبرز أبناء الجالية
الإسلامية، شابة واعدة مثقفة، متصادمة مع
المجتمع، تحمل ملامح والديها الباكستانيين.
ولدت وعاشت وتعلمت في المجتمع الدانماركي.
تحمل هاجس المواطنة بما تعنيه من حقوق
وواجبات وأيضا هموم.
التقيت
بها على هامش اللقاء، وتحاورت معها، ولا
سيما أن لها تجربة سياسية مثيرة في هذا
المجتمع، وهي عضوة في العديد من الهيئات
لمناهضة التمييز ضد الأقليات العرقية،
وتكتب بانتظام في عدد من الصحف. ولا أخفي أن
هذا الحوار يمثل بالنسبة لي تحديا شخصيا
لأنني باحث في مجال المواطنة، وحريص طيلة
الفترة الماضية على الدفاع عن حقوق
المواطنة الكاملة لكل المصريين ومن بينهم
الأقباط، ولكني أظن أن الدفاع عن الحرية
والمساواة والحقوق لا يتجزأ، فالاتساق مع
النفس يلزم المرء بأن يقف إلى جوار كل شخص
يبحث عن حقوق المواطنة كاملة غير منقوصة
مهما اختلف معه في الدين أو المعتقد أو
الثقافة.
*
متي
بدأتِ رحلة دفاعك عن حقوق المسلمين في
الدانمارك؟
-
في
عام 2001 جرى ترشيحي من قبل الحزب الاشتراكي
الليبرالي لخوض الانتخابات العامة. جاء هذا
الترشيح ديمقراطيا بمعنى أنه جرى اختياري
بعد عدة جلسات حزبية قدمت خلالها طرحا
علنيا، وقمت بالرد على الأسئلة التي وجهت
إلي. ولكن بعد أن قام الحزب بترشيحي شنت ضدي
حملة في الصحف، وأصبح الموضوع مثارا بقوة
في الحياة العامة. واجهت اتهاما بأنني
مسلمة وأسعى إلى اختراق الحزب وإضفاء طابع
إسلامي على السياسة. على إثر ذلك دعا الحزب
إلى جمعية عمومية قرر خلالها استبعادي من
قائمة مرشحيه.
*
هل
يوجد في البرلمان الدانماركي نواب مسلمون؟
-
نعم
هناك نائبان أحدهما من أصل لبناني والآخر
من أصل باكستاني.
*
إذن
فلماذا ضاق المجتمع السياسي عن ترشيحك؟
-
هذان
النائبان يقدمان نفسيهما في الحياة
السياسية بوصفهما علمانيين، أما أنا فقد
قلت إنني مسلمة، وتشكل القيم الإسلامية
إطارا مرجعيا بالنسبة لي.
*
هل
هذه الحادثة أشعرتك بالخوف والرغبة في
الانسحاب من المشهد السياسي برمته؟
-
لم
أشعر بالخوف، ولكن تملكني شعور بالاستغراب.
فمن يتطلع إلى النظام الحزبي من الخارج يصل
إلى نتيجة مفادها أن هذا النظام ديمقراطي
يقوم على الاختيار الحر، ولكني فوجئت بأن
هناك آليات داخلية للاستبعاد. والمشكلة
ليست في كوني مسلمة ولكن في كوني مسلمة تود
أن تكون القيم الدينية إطارا مرجعيا لها.
وإذا ردد مرشح مسيحي نفس الخطاب فسيواجه
نفس المصير. في مجتمع علماني القول بمرجعية
القيم الدينية يعتبر تهمة. ففي رأي
العلمانيين أن القيم الدينية لا يجب أن
يكون لها وزن أو ثقل في المجتمع العام،
ويرون أن الدين لعب دورا سلبيا في المجتمع
في عصر ما قبل التنوير. ويصبح المجال الوحيد
المتروك للدين هو الحياة الخاصة. وفي هذه
الأيام هناك خطاب عالمي يجعل الدين يرتبط
بالعنف، وهو في تقديري خطاب مغلوط؛ لأن
الدين يجلب المصالحة إلى المجتمعات
الممزقة.
*
هل
وجدتِ دعما من المجتمع المسيحي؟
-
نعم..
ساندني العديد من المسيحيين. واعتبروا ما
أنادي به وجهة نظر ينبغي احترامها ولا سيما
أنني شرحت لهم رأيي في صعوبة الفصل بين
القيم الدينية والسياسية. فمثلا العدالة
الاجتماعية تُعد من المبادئ السياسية
المتعارف عليها في المجتمع، لكنها أيضا
قيمة دينية بالنسبة لي.
هموم
ومشاكل
*
أنتِ
تعيشين في مجتمع علماني يحرص على علمانيته -كما
يبدو- فكيف يتسنى لكِ تحدي الأسس التي يستند
إليها هذا المجتمع؟
-
أرى
أن هناك فرقا بين السلطة السياسية والسلطة
الدينية. فأنا لا أنادي بدولة دينية أو بحكم
ديني انطلاقا من أن المؤسسة الدينية لا يجب
أن تحتل موقعا سياسيا. هذا على المستوى
العام. أما على المستوى الفردي فمن حق كل
شخص أن يعود إلى ما يشاء من قيم أخلاقية،
ويكون لديه حق المجاهرة بذلك. ولكنني وجدت
عدم تسامح في المجتمع، وهو ما سبب حساسية
وامتعاضا ليس فقط للمسلمين ولكن لقطاع من
المسيحيين أيضا.
*
ما
المشكلات التي يعاني منها المسلمون في
الدانمارك؟
-
المشكلة
الأساسية أن المسلمين غير معترف بهم على
المستوى القانوني. يترتب على ذلك عدة
مشكلات فرعية. فهم لا يستطيعون بناء مساجد،
وإنما يتحايلون على ذلك بتحويل بعض الأبنية
إلى قاعات يصلون فيها، وليس لديهم مقابر
خاصة بهم. فإذا مات شخص منهم فإما أن يدفن في
مسقط رأسه -أي البلد التي وفد منها- أو أن
يدفن في مقابر يملكها مسيحيون. الآن حزب
الشعب الدانماركي الذي يتمتع بنفوذ سياسي
واسع يلعب دورا مناهضا للمهاجرين، ويستخدم
الحزب الاشتراكي الليبرالي نفس الخطاب،
رغم أنه حزب يساري ومن المفترض أن يدعم حقوق
الأقليات.
*
كيف يفكر الجيل الثاني من المهاجرين
المسلمين في الدانمارك في قضية المواطنة؟
-
الجيل
الثاني من المهاجرين المسلمين لديه مشكلة.
فهم ينظرون لأنفسهم على أنهم مواطنون من
الدرجة الثانية، رغم أنهم مولودون في
الدانمارك، وحاصلون على مؤهلات دراسية
بها، ويتحدثون اللغة الدانماركية. كثير
منهم يواجه تمييزا في سوق العمل، ويضطرون
للبحث عن عمل في دول أخرى. ومن ناحية أخرى
فالمسلمون لا يلعبون دورا سياسيا وهم
منكفئون على أنفسهم. وأتصور أنهم إذا لعبوا
دورا سياسيا فسيكون الوضع مختلفا.
*
هل
يمكن أن ينشأ حزب إسلامي في الدانمارك؟
-
يجب
أن يشارك المسلمون في كافة مؤسسات المجتمع
المدني ومن بينها الأحزاب القائمة. وفي
تقديري أن نشوء أحزاب جديدة يثري
الديمقراطية. ولكن إذا أقدم المسلمون على
ذلك فسوف تجابه هذه الخطوة مشكلات عديدة
ليس فقط على المستوى الرسمي، ولكن أيضا على
المستوى غير الرسمي أي الشعبي. وقد يؤدي ذلك
إلى انقسام المجتمع الإسلامي ذاته إلى
مجموعات وفق الأصول العرقية واللغوية
والقومية.
*
كيف
ترين مستقبلك السياسي؟
-
أوجه
الآن كل تركيزي إلى دراسة الماجستير الذي
سوف أفرغ منه قريبا. ويتناول موضوع الإسلام
السياسي. وسوف أرى لاحقا ما سوف أقوم به.
اقرأ
أيضا:
*صحفي
وباحث مصري قبطي