|
|
الإسلام
الفرنسي بداية تشكل
|
من
الدعوة إلى استعمال "البندانا" بدل
الحجاب إلى اشتراط حسن التحدث بالفرنسية
بالنسبة لأئمة المساجد، وصولا إلى استماع
شباب الجيل الثاني من مسلمي فرنسا في
الضواحي الباريسية إلى أغاني "الراب
الإسلامية" التي تتغنى بنصر الله ولكن
بكلمات فرنسية...
هل
نحن بصدد ولادة ما يسمى "الإسلام الفرنسي"
أو الإسلام الفرانكفوني؟.. هل الأمر يتعلق
بإعادة تشكيل لعلاقة الدولة الفرنسية
بالإسلام نحو دمج حقيقي للمسلمين
باعتبارهم مركبا ثقافيا جديدا بفرنسا إلى
جانب ثقافتها العلمانية وتراثها المسيحي
اليهودي؟.. هل نحن في فترة انتقالية تعترف
بالإسلام الفرنسي وتنزع عنه لباس الدين
الأجنبي الذي حل منذ الخمسينيات مع موجات
الهجرة الأولى للعمال المغاربة؟ أم أننا
إزاء عملية تغريب للإسلام و"كنسنته" (نسبة
إلى الكنيسة) ويقصد منها نزع خصوصياته
الاجتماعية والثقافية والسياسية عنه
بالشكل الذي ينسجم مع الرؤية الغربية
للديانة باعتبارها شأنا فرديا في إطار
الرؤية الوضعية للكون.
"الإسلام
الفرنسي"
في
كتابه "فرنسا المساجد" يعتبر "أكسافي
ترنسيان" أن ولادة إسلام فرنسي ستكون
أمرا حتميا، ولكن الأمر قد يأخذ بعض الوقت،
ربما عشرية أخرى أو عشريتين رغم أن بوادره
الأولى بدأت تظهر للعيان، فالجيل الأكبر من
أبناء الجالية العربية والإسلامية من
الذين ولدوا في فرنسا اليوم لا يتكلمون
العربية مع أن قسما كبيرا منهم حريص على
إسلامه سواء عن طريق المظهر أو عن طريق
تعبيرات الحياة اليومية.
بدأت
مظاهر "الإسلام الفرنسي" تبرز بأكثر
حدة عن طريق بداية بروز وسائل إعلام خاصة
بمسلمي فرنسا مثل جريدة "رفلكسيون" (التفكير)
التي يصدرها بعض شباب الضواحي الباريسية أو
موقع "أمة" الفرانكفوني الذي يعطي
بسطة عن واقع الإسلام والمسلمين بفرنسا.
لفهم
حقيقة نظرة فرنسا للإسلام في السياق الحالي
لا يمكن أن نتغافل أهم تعبيرة أطرت كل
النقاش الذي يجري وهي تعبيرة "الإسلام
الفرنسي" التي أطلقها ولأول مرة وزير
الداخلية السابق، وزير الصناعة الحالي "نيكول
ساركوزي" يوم 19-4-2003 إبان المؤتمر العشرين
لاتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا، يومها
فتح المرشح الأبرز للانتخابات الرئاسية
الفرنسية لسنة 2007 جدلا لم يتوقف حول قضيتين:
الأولى الحجاب الإسلامي، والأخرى حول حضور
أول وزير داخلية في فرنسا لمؤتمر اتحاد
المنظمات الإسلامية، وهي الزيارة التي عدت
سابقة في حد ذاتها والتي اعتبرها "جون
ماري لوبان" زعيم الجبهة الوطنية
اليمينية المتطرفة بعد يوم واحد بكونها "زيارة
لعش الدبابير".
لا
شك أن نيكول ساركوزي -الذي يعود له الفضل في
تأسيس أول مجلس يمثل المسلمين بفرنسا(1)- كان
يقدر تماما ردة فعل الآلاف ممن تابعوا
خطابه يومها حينما قال: "لا نريد الإسلام
في فرنسا ولكن نريده إسلاما فرنسيا".
وأتى
ساركوزي بعدها على مسألة منع الحجاب في
بطاقات الهوية الفرنسية ولم يلق بالا
لاحتجاجات المئات من المتحجبات يومها
اللاتي قاطعنه بالصراخ.
سوف
تتضح معاني مقولة الإسلام الفرنسي بدقة
ووضوح أكثر بعد عام من خطاب ساركوزي، حيث
تحركت الحكومة الفرنسية على ثلاثة مستويات
رغم التغيير الوزاري الذي وقع فيه تعيين
"دومينيك دوفيلبان" وزيرا للداخلية
عوضا عن" ساركوزي"، فقد شملت المعالجة
الفرنسية للإسلام الفرنسي ثلاثة مستويات:
الأول:
إقرار قانون يمنع الحجاب في المدارس
والمعاهد الحكومية عن طريق التصويت يوم
10-2-2003 على ما يعرف بقانون "حماية
اللائكية" (العلمانية) والذي كان أهم
نتيجة لتقرير لجنة برنار ستازي التي عينها
الرئيس الفرنسي جاك شيراك للبحث في مدى
تطبيق قيم العلمانية.
المستوى
الثاني: هو فتح "ملف أئمة المساجد"
وضرورة إيجاد مؤسسة فرنسية مهمتها تخريج
الأئمة، فبمجرد أن خمدت قضية الحجاب أثيرت
قضية ترحيل الإمام السلفي عبد القادر بن
زين إلى الجزائر(2) بعد أن أدلى بتصريحات إلى
مجلة جهوية بمدينة ليون يقول فيها بأن "ضرب
النساء أمر جائز" وهو أمر أثارته وزارة
الداخلية الفرنسية باعتبارها الطرف
المفاوض في مسألة الأديان على طاولة
المنظمات الإسلامية بكونه ملفا يجب أن يحظى
بالأولوية، "فلا مكان لأئمة مساجد لا
يحسنون الحديث بالفرنسية ولا يحترمون
مبادئها"، كما قال وزير الداخلية "دومينيك
دوفيلبان".
المستوى
الثالث: الدفع بالتيار "الليبرالي" في
الطائفة الإسلامية لأن يكون هو المعبر
الرسمي باسم الإسلام الفرنسي، حيث تعهد
رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية
"دليل أبو بكر" -الذي يشغل أيضا مهمة
عمادة مسجد باريس- بتأدية هذا الدور، كما
عاضده أيضا في هذه المهمة إعلاميا كل من
الكاتب "مالك شبيل" والمفكر الجزائري
الأصل "محمد أركون"، أما على المستوى
الجمعياتي فقد قدمت "فضيلة عمارة"
رئيسة الجمعية النسوية "لا خاضعات ولا
عاهرات" على أنها السد المنيع أمام مد
المحجبات في أحياء ضواحي المدن الفرنسية.
الدمج
قضية فرنسية
|
|
تخوفات
فرنسية إزاء تأثير"الإسلام السياسي"
|
لا
شك أن أمر معالجة الحكومة الفرنسية لقضية
الوجود الإسلامي بفرنسا يرتبط بمعطيات
واقعية وآنية ومحكومة في بعد من أبعادها
بإرادة تأطير هذا الدين الذي أضحى يحتل
المرتبة الثانية من حيث الأتباع بعد
الكاثوليكية؛ متجاوزا في ذلك البروتستانية
واليهودية، فبحوالي ستة ملايين من
المسلمين ينحدرون من المغرب العربي
وأفريقيا وتركيا كان لا بد بالنسبة للحكومة
الفرنسية أن تنظر في كيفية دمج الإسلام في
الجمهورية، وهو أمر ينطلق من توجهين على
مستوى المضمون لا محيد عنهما وهما:
الأول:
التأكيد على أن أي إسلام فرنسي يجب ألا
يتعارض مع قيم الجمهورية بما يعنيه ذلك من
احترام قيم المساواة المطلقة بين الرجل
والمرأة وقضية حرية الاختيار، وهنا طرحت
على سبيل المثال قضيتان: الأولى تتعلق برفض
بعض المتحجبات الفرنسيات المعايدة في
المستشفيات أمام أطباء من صنف الرجال(3)
وأما الأخرى فهي ترك حرية الاختيار للفتيات
الفرنسيات من أصل مغربي في الزواج، حيث
أكدت دراسة فرنسية حديثة أن 70 ألف فتاة
يتعرضن لضغوطات من قبل آبائهن لإجبارهن على
الزواج من أشخاص لا يردنهن.
الآخر:
يتعلق بنفض كل تعبيرات "الإسلام العربي"
عن "الإسلام الفرنسي" فلا مكان في
الإسلام الفرنسي للحديث عن "تطبيق
الشريعة" مثلا بما يعنيه ذلك من بحث في
مدى إمكانية تطبيق الحدود، وهنا يتذكر
الجميع الحوار الذي دار مباشرة بين المفكر
السويسري طارق رمضان ووزير الداخلية حينها
نيكول ساركوزي(4) حول قضية الجلد في
الإسلام، يومها وقع حفيد حسن البنا(5) في حرج
شديد أمام آلاف من شباب الضواحي الباريسية
من أتباعه إذ اكتفى بالقول "بأن المسألة
تحتاج إلى عمل بيداغوجي" (ممنهج) دون أن
يحسم فيها بقول فصل، رغم أنه بشر في أكثر من
موضع من مؤلفاته "بالإسلام الأوربي"
أي الإسلام الذي يستجيب لبيئته دون أن يكون
منقطعا تماما عن "الإسلام العربي".
الإسلام
الصوفي
أخذ
مسافة عن الإسلام الأجنبي يعد الضامن
الأساسي لولادة إسلام فرنسي بخصوصيات
فرنسية، حاملا لكل قيم الجمهورية ومندمجا
في التركيبة الاجتماعية والثقافية للمجتمع
الفرنسي. يقول المختص في الإسلاميات
الفرنسي أوليفي روا لـ إسلام أون لاين.نت:
غير أن المشكلة أن هذا الإسلام الوليد -يقول
"روا"- ما زال يبحث عن نموذج يتبعه وذلك
لأسباب تاريخية وهي أن هذا الإسلام الذي
يعيش في الغرب يقع لأول مرة في تاريخ
الإسلام أقليا في مجتمع أغلبيته من غير
المسلمين، ذلك أن التجارب التاريخية
السابقة لم تكن مماثلة للوضعية الحالية".
لكن
هل مقولة الإسلام الفرنسي هي في نهاية
الأمر ليست إلا فرنسة الإسلام وعلمنته
بالشكل الذي ينزع عنه بعده الجماعي وإدراجه
ضمن الفهم المعنى الغربي للديانة
باعتبارها شأنا فرديا؟
نعم،
ولكن ألم يكن الحجاب شأنا فرديا؟ إذا
تجاوزنا "مأزق" قانون الحجاب الذي
عارضه رجال دين مسيحيون ويهود وعدد كبير من
المثقفين الفرنسيين والمختصين في الإسلام
الفرنسي "كبرينو أتيان" و"أوليفي
روا" و"فرنسوا بورجا"... والذي قسم
أيضا الأحزاب الفرنسية؟ إن الإسلام
الفرنسي المندمج مع قيم الفرنسية يجب أن
يكون "غير مرئي" وهي العبارة التي
تضمنها قانون اللائكية حيث اضطر الحكماء
العشرون "للجنة برنار ستاسي" للعودة
إلى القاموس الفرنسي "لاروس" للبحث عن
الكلمة المناسبة.
ألا
تمس مقولة "غير المرئي" في جوهرها قضية
"حق الاختلاف" التي هي أحد الأسس التي
انبنت عليها الثورة الفرنسية؟
لا
أحد يشك في أن الحرية التي يتمتع بها
المسلمون في فرنسا تتجاوز في أحيان كثيرة
تلك التي تمتعوا بها في بلدانهم الأصلية،
والكل يعلم أن فرنسا احتضنت -على الصعيد
المغاربي مثلا- العديد من عناصر الحركات
الدينية المضطهدة في بلدانها كجبهة
الإنقاذ الجزائرية وحركة النهضة التونسية.
ولا
شك في أن جزءا من تخوفات السلطات الفرنسية
إزاء تأثيرات "الإسلام السياسي" على
الجالية المسلمة في فرنسا نابع أساسا من
تأثير الحركات الإسلامية المغاربية في
مسلمي فرنسا، حيث يبدو تأثير حركة العدل
والإحسان المغربية مثلا واضحا في
المهاجرين من أصل مغربي، كما لا تخفى
تأثيرات حركة الإخوان المسلمين على اتحاد
المنظمات الإسلامية في فرنسا حيث كان "أبو
جرة سلطاني" رئيس حركة مجتمع السلم
الجزائرية أبرز ضيوف الشرف في المؤتمر
الحادي والعشرين للبورجي"(6) في ضواحي
العاصمة الفرنسية باريس.
إذا
كان نموذج الإسلام الفرنسي الذي تريد فرنسا
إدماجه هو ذلك الإسلام الذي ينأى عن
تأثيرات الإسلام الأجنبي فإنه أولى وأحرى
أن يكون مستقلا ومخالفا للإسلام السياسي،
وبالتالي فهو "إسلام لا يحمل مشروعا
سياسيا ولا اجتماعيا"؛ لأنه من المفترض
أن الجمهورية ومبادئها هي "المشروع الذي
يحتوي كل المشاريع الأخرى وكل الثقافات
والديانات" -يقول "جون بول قيتناي"
مدير تحرير مجلة "العالم والأديان"
الفرنسية في تصريحات لـ إسلام أون لاين.نت-
ذلك أن قانون 1905 في هذا يمثل خير إطار إذ يقر
أن الدولة الفرنسية "لا تتبنى أي ديانة
وهي الضامن لحرية الاعتقاد لكل الأديان في
الآن ذاته"، يضيف مدير مجلة العالم
والأديان.
سوف
نعود إلى مقولة "الإسلام اللامرئي" أو
غير الظاهر التي أدرجت في قانون حظر الحجاب
لأن الأمر يتعلق في هذه النقطة بالذات
برؤية السلطات الفرنسية للإسلام المرغوب،
فهو "إسلام الباطن" الذي لا يتشكل في
رموز دينية تخدش الذوق العام وتشكل انتهاكا
للعلمانية كما فهم من أمر الحجاب في
المدرسة، و"الإسلام الباطن" أو
اللامرئي هو في جوهره "الإسلام الصوفي"
إذ يقول "أريك جوفروي" أبرز أعضاء
المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية من
معتنقي الإسلام، الأستاذ المحاضر في جامعة
لكسمبورغ لشبكة إسلام أون لاين.نت: "إن
مستقبل الإسلام الفرنسي هو مستقبل صوفي".
أليست
الصوفية الدينية في معناها العميق هنا هي
أحد تعبيرات اللائكية من حيث إنها توق فردي
إلى المطلق وإلى الديانة بعيدا عن إكراهات
الجماعة والأبعاد الاجتماعية للديانة؟.
بغض
النظر عن لون الإسلام الذي تبتغي فرنسا
اعتماده فإن الأمر الذي لا شك فيه أن "إسلاما"
ذا معالم خاصة يبدو بصدد التشكل، ليس هو
منقطع تماما عن جذوره العربية والإسلامية
وليس هو أيضا منقطعا عن بيئته الفرنسية
العلمانية الغربية، ذلك هو ما يمكن أن
نسميه الإسلام الفرانكفوني.
اقرأ
أيضا:
**مراسل
إسلام أون لاين.نت في فرنسا.
(1)
في مايو 2003 عقد أول اجتماع تأسيسي للمجلس
الفرنسي للديانة الإسلامية وهو أول هيكل
يمثل الفرنسيين المسلمين لدى السلطات
الفرنسية.
(2)
قضت محكمة فرنسية فيما بعد بإرجاعه إلى
فرنسا بعد أن رحل إلى الجزائر.
(3)
تقرير لجنة برنار ستازي التي عينها الرئيس
الفرنسي جاك شيراك.
(4)
برنامج مائة دقيقة للإقناع، القناة
الثانية الفرنسية، نوفمبر 2003.
(5)
المفكر السويسري طارق رمضان يعتبر حفيد حسن
البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.
(6)
البورجي منطقة شمال باريس يقام فيها
المؤتمر السنوي لاتحاد المنظمات الإسلامية
بفرنسا.