السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.. ففي البداية نشكر الأستاذ حامد محمود على المعلومات التي قدمها لمتابعي "إسلام أون لاين.نت" حول موضوع "مدن العتبات المقدسة عند الشيعة". لكن لنا على مقالاته في الملف بعض الملاحظات، أبرزها:
1
- قال:
(لعل ارتباط الشيعة بهذه
الأماكن وتقديسهم لها لدرجة الحج إليها)،
ورغم أن كلمة الحج تعني القدوم وكثرة القصد
إلى من يعظم والموسم، ومنها قول الشاعر:
(كانت
تحج بنو سعد عمامته
**
إذا أهلوا على أنصابهم رجبا)
وفي
القرآن الكريم في قصة موسى وشعيب عليهما
السلام: "على
أن تأجرني ثماني حجج"،
لكن نظرًا
أن الكلمة في الإسلام أخذت معنى اصطلاحيًّا
بحيث صارت تنصرف إذا أطلقت إلى فريضة الحج
إلى بيت الله الحرام، فقد كان الأولى
استخدام كلمة الزيارة هنا بدلاً
من الحج، في هذا المقام، وهي الكلمة
الدارجة عند الشيعة منذ القدم، فهم يقولون
زيارة الأئمة، وزيارة الحسين عليه
السلام وما شابه، ولا يعبرون
عنها بالحج! مضافًا
إلى أن استخدام الحج هنا قد يترك بعض الظلال
والإيحاءات التي قد لا يقصدها الكاتب، وهي
ما دأب بعض الذين يثيرون النعرات الطائفية
ويؤججون الفتن المذهبية بين المسلمين،
فيزعمون أن الشيعة يحجون إلى كربلاء والنجف
كما يحج غيرهم من المسلمين إلى مكة المكرمة!.
2
- قال:
(بخلاف
الحج الذي يُعَدّ
فرضًا
على كل المسلمين في شهر ذي الحجة، فإن زيارة
أضرحة الأئمة مباحة لدى الشيعة في كل أوقات
العام) بتقديري المتواضع فإن
هذه المقابلة غير دقيقة، ولا
مبررة؛
لأنها توحي ببعض الإيحاءات المشار إليها في
النقطة السابقة، وللفرق البين بينهما؛
لأن الحج فريضة واجبة ودعامة هامة وركن
رئيس من أركان الإسلام لدى المسلمين أجمع،
لا يشذ الشيعة في ذلك قيد أنملة،
والزيارة أمر مندوب إليه في
نظر الشيعة.
من
جهة أخرى فإن
الكاتب أغفل أن البيت الحرام مفتوح مدار
العام للطائفين والقائمين والركع السجود،
والزائرين والمعتمرين والعابدين والداعين.
3
- قال:
(كان سعي القوى الشيعية إلى تحويل كربلاء...
إلى مركز للتعبد يفوق في بعض
الأحيان عندهم مركز مكة والمدينة،
وخاصة زمن الصراع بين الصفويين
والعثمانيين، حيث كانت زيارة كربلاء تعوض
عن الحج إلى مكة) والواقع، وإني
أصر على حسن الظن بالكاتب،
إلا أن تعبيراته
السالفة فيها من العمومية والخلط وعدم
التدقيق الشيء الكثير، فأي القوى الشيعية
التي كانت تسعى إلى ذلك؟ هل الفقهاء
والعلماء؟
أم الساسة والقيادات السياسية الرسمية
التي في كثير من الأحيان تقدم المصالح
السياسية على المعتقدات والأحكام الدينية؟
ثم هل سعى الصفويون إلى جعل كربلاء مركزًا
للتعبد يفوق مكة المكرمة؟ وما هي الشواهد
على ذلك؟ أو أنها كانت تشجع الناس للتوجه
إلى كربلاء حين توتر العلاقات السياسية بين
الدولتين، أو حين وضع العراقيل السياسية
أمام الحجاج الإيرانيين؟
والفرق
كبير بين الأمرين!
ثم ماذا عن بقية الشيعة في
أقطار الأرض، في العراق وبلاد الشام ودول
الخليج ومنها
إقليم الحجاز -آنذاك-
والقارة الهندية وأفغانستان
وما إلى ذلك؟ سيدي لعلي أذكرك، لقد وقعت عدة
قلاقل وتوترات وصراعات زمن العثمانيين حول
إدارة الحج، في مواسم الحج بحيث كانت تعوق
أداء بعض المسلمين لفريضة الحج، ولم يحدث
ذلك كما تعرف مع الحجاج الإيرانيين فقط، بل
مع المصريين، زمن الصراع بين محمد علي باشا
وإبراهيم باشا والأستانة!
بل حتى في بعض مراحل الدولة
السعودية الأولى،
ولعلك تذكر الخلاف الإيراني السعودي في
الثمانينيات
من هذا القرن، فالمسألة سياسية وليست
دينية، ولا تدل على وجود دوافع من قبيل ما
ذكرت، لا لدى حاكم مصر محمد
علي باشا ونجله إبراهيم، ولا لدى الصفويين
ولا لدى غيرهم! ولعلي أرجعك إلى تاريخ أبعد
زمن الصراع بين الأمويين، في الدولة
المروانية
والزبيريين، حيث حصلت مثل
تلكم القلاقل زمن الحجاج الثقفي، وكانت
تعيق القوافل الشامية من أداء الفريضة،
فكان بعضهم يتجه إلى بيت المقدس أولى القبلتين
وثالث الحرمين الشريفين، ليس بديلاً
عن الحج، إنما للتعبد في بيوت أذن الله أن
ترفع ويذكر فيها اسمه.
4
- لقد أغفل الكاتب أن
مكة المكرمة والمدينة المنورة هي على رأس
الأماكن المشرفة لدى الشيعة، كما لدى غيرهم
من المسلمين، وهذا من شأنه أن يوحي -من غير
قصد- أنها ليست كذلك! ولا يقول الكاتب بأنه
إنما أراد ذكر ما يختص بالشيعة؛
لأن في المدينة المنورة، على صاحبها أفضل
الصلوات والتسليم، فهناك قبر رسول الله صلى
الله عليه وسلم،
وهناك مرقد فاطمة الزهراء رضي
الله عنها ومراقد أربعة من
أئمة أهل البيت وهم الإمام الحسن رضي
الله عنه، والإمام
علي بن الحسين،
والإمام محمد بن علي الباقر،
والإمام جعفر بن محمد الصادق، فكيف يغفل
الكاتب عن ذلك؟ مع أنه ذكر أسماء الأئمة
جميعًا
في إحدى مقالاته في نفس الملف؟ وهناك طبعًا
مراقد أخرى ومواقع أخرى، يعنى
بها الشيعة في بلاد الحرمين الشريفين. كما
فات الكاتب أن يشير إلى المراقد التي يهتم
الشيعة بزيارتها في بلاد الشام في سوريا،
مثل قبر السيدة زينب بنت الإمام علي رضي
الله عنهما وقبر السيدة رقية
بنت الإمام الحسين
رضي الله عنه وغيرهما. كما
أغفل مقام رأس الإمام الحسين
رضي الله عنه في كل من سوريا
ومصر، حيث يزور ويعظم
المسلمون المصريون، وهم من
غير
الشيعة،
هذا المقام الجليل، ويحتفون
به تمامًا
كإخوانهم الشيعة، كذلك الحال بالنسبة لقبر
السيدة زينب بنت الإمام علي
رضي الله عنهما والسيدة
نفيسة.
5
- لعل من المناسب أن يذكر هنا أن
جماهير المسلمين في كثير من بقاع الأرض
تهتم بزيارة وتعظيم الأئمة والأولياء
الصالحين، كما في تركيا حيث يعظم قبر
الصحابي أبي أيوب الأنصاري رضي
الله عنه وغيره، وفي الأردن
حيث مراقد شهداء مؤتة زيد بن حارثة
رضي
الله عنه وجعفر
بن أبي طالب رضي
الله عنه وعبد الله بن رواحة
رضي الله
عنه، وفي بغداد حيث مرقد
الإمام أبي حنيفة
والشيخ عبد القادر الجيلاني،
وفي مصر قبر الإمام الشافعي، ثم إن اهتمام
المسلمين من المتصوفة بمقابر مشايخ الطرق
كالجيلاني والسيد بدوي وغيرهما هو من
الأمور المعروفة.
هذه بعض الملاحظات أردت
توضيحها، أرجو أن يتلقاها الكاتب برحابة
صدر، كما أتمنى أن يلاحظ المشرف في الموقع
مثل هذه الأمور، ويأخذ بها بعين الاعتبار،
مراعاة للدقة والموضوعية، وتجنبًا
لتجريح أتباع بعض المذاهب الإسلامية.
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته
*
تعليق جاءنا من أحد زوار "إسلام أون لاين.نت"
**
اسم الزائر صاحب المساهمة وقد يكون
حقيقيًّا أو رمزيًّا.