|

|
|
وولي
سونيكا
|
دشنت
بداية شهر يونيو بداية احتفالات كبيرة
تنظمها الأوساط الثقافية في نيجيريا وعدد
من الدول الأفريقية بالميلاد السبعين
للأديب الشاعر والروائي والمسرحي النيجيري
البروفيسور وولي سوينكا wole soyinka، أول أديب
أفريقي يحصل على جائزة نوبل في الآداب، وهو
الاحتفال الذي يأتي بعد إطلاق سراح وولي
سوينكا الذي كان قد ألقي القبض عليه لتزعمه
مظاهرة احتجاج شعبية ضد حكومة الرئيس
أوباسينجو؛ لفشلها في مكافحة الفساد
والجرائم، ومطالبته بدستور جديد للدولة.
أديب
المعارك السياسية
وقد
نذر سوينكا نفسه للدفاع عن الحريات العامة،
وسلط أعماله الإبداعية لكشف الممارسات
السلبية وفضح السياسيين والقادة، وقد
تسببت له مواقفه السياسية واتجاهه اليساري
المتطرف في إدخاله السجن أكثر من مرة، فقد
واجه الرئيس النيجيري الأسبق الحاج علي شيخ
شاغاري shagari بانتقاد لاذع مشافهة عام 1982،
وانتقد الجنرال العسكري الراحل ثاني أبتشا
abasha عام 1996 بلهجة شديدة، ووصف حكمه بالقسوة
وفقدان الإحساس بالإنسانية والرحمة، كما
قام بحملات إعلامية مكثفة ضد الرئيس
الأوغندي الراحل عيدي أمين من خلال المجلة
الأدبية الأفريقية وفي مسرحيته (الموت لا
يزال) عام 1982.
وفي
العام الماضي حمل الأديب النيجيري بشدة على
الرئيس بوش بسبب غزوه للعراق الذي اعتبره
إرهابًا دوليًّا، ووصف بوش بأنه "أخطر
أصولي متطرف في التاريخ يتولى إدارة البيت
الأبيض، وأنه نصب نفسه المتحدث الرسمي باسم
المسيح والبطل الوحيد في عالم النخبة".
ولسوينكا
مواقف تصل للعدائية ضد الحركات الإسلامية
ومشروع الإسلام السياسي في نيجيريا،
وينتقد إدارة الرئيس أوباسينجو لضعف
موقفها من تطبيق الشريعة الإسلامية في
نيجيريا، حتى إنه دعا لمؤتمر يؤسس لدستور
جديد أو يعيد تقسيم الدولة، فهو ينفي أن
هناك أمة نيجيرية حقيقية، بل يصفها بأمة
ملتهبة، وكان قد أيّد الحرب الانفصالية
بإقليم بيافرا شرق نيجيريا عام 1967 ودخل
السجن بسبب ذلك، ثم نُفِي إلى لندن ومنها
إلى غانا ثم أمريكا.
ويُعَدّ
سوينكا من أكثر المعارضين لفكرة الدولة
الفدرالية المركزية ويعتبرها حربًا
لاستئصال التنوع في الأخلاقيات الاجتماعية
وفي الثقافات والسلوك؛ لأنها تدفع البشرية
إلى الحالة المثالية للكمال الاجتماعية.
سيرة
ذاتية وأدبية
وسوينكا
هو واحد من أشهر أدباء العالم، تنوع عالمه
الأدبي بين المسرح والرواية والشعر إضافة
للترجمة، وشكّل مزيجًا حقيقيًّا لرؤية
الكاتب ومعايشته لحضارتين: الحضارة
الأفريقية التي ينتسب إليها دمًا ولحمًا
ووجدانًا من ناحية، والحضارة الغربية التي
عرفها وتشربها طويلاً بالتجربة واللسان
والثقافة. وقد حصل على كثير من الجوائز
المحلية والإقليمية والعالمية، منها جائزة
جوك كامبل عام 1968، وجائزة أفضل نصوص درامية
بمسرحيته "الطريق" من مهرجان الفنون
الزنجية بدكار عام 1966، وكان أول كاتب
أفريقي يفوز بجائزة نوبل العالمية للآداب
عام 1986، وأصبح بذلك علمًا من أعلام الفكر
والأدب في العالم بأسره والذي تغيرت به
نظرة العالم الدونية تجاه الشعوب
الأفريقية وألقى الضوء على ما تزخر به
ثقافتها من قيم إنسانية.
وقد
وُلِد سوينكا المسيحي في يونيو عام 1934 في
مدينة أبيكوتا abeokuta جنوب غرب نيجيريا
وينتمي لقبيلة اليوربا yoruba، تخرج في جامعة
إبادن Ibadan 1952، ثم سافر إلى بريطانيا
للدراسات العليا في الأدب الإنجليزي، وحصل
على الماجستير بمرتبة الشرف 1954، وعمل خلال
دراسته في لندن قارئًا ومراجعًا للنصوص
المسرحية بالمسرح الملكي، وبعد عودته عمل
محاضرًا في أقسام الدراما بجامعات نيجيريا
المختلفة، مثل جامعة إيفي Ife وجامعة لاجوس
lagos وجامعة إبادن Ibadan، كما عمل أستاذًا
للآداب بجامعة إيموري بأتلانتا بالولايات
المتحدة الأمريكية، وقد عاد إلى نيجيريا
عام 1960، وبدأ يبذل جهوده لتطوير المسرح
النيجيري، من خلال اكتشاف الأشكال
الأفريقية القديمة، فأنشأ فرقته المسرحية
المسماة "الأقنعة"، وقد عمل بها
مخرجًا وممثلاً ومنتجًا، ويعمل حاليًّا
أستاذًا للأدب المقارن ورئيسًا لقسم الفن
المسرحي بجامعة إيفي، ويرأس المعهد الدولي
للمسرح التابع لليونسكو المقام في نيجيريا،
ورئيس المجلس العالمي للكتاب، كما يعمل
سفيرًا للنوايا الحسنة والمساعي الحميدة
لدى اليونسكو.
البداية
مع "الطريق"
كتب
سوينكا أكثر من خمس عشرة مسرحية معظمها في
الستينيات من القرن العشرين، وألف روايتين
ونظم ديوانين من الشعر، وكانت مسرحية "الطريق"
أولى أعماله الطويلة، وعرضت لمدة طويلة في
لندن، وقد تطرق سوينكا فيها إلى مشكلات
الحياة العامة في نيجيريا بطريقة دقيقة
تشبه التصوير الفوتوغرافي، حيث اتخذت
مادتها من واقع الممارسات اليومية التي
تحصل في معظم الطرق السريعة Ring Road كمسرح
لأحداث تلك المسرحية، وضمت شخوصها نماذج من
سائقي عربات النقل والشحن والبائعين
المتجولين ورجال الشرطة الذين يتعاطون
الرشاوى، وقد صبّ سوينكا جام سخطه على
ظاهرة الفساد المنتشرة بين الطبقات الدنيا
في المجتمع، مؤكدًا على أن المجتمع بكليته
في حاجة إلى تغيير إلى الأفضل. ورغم انتهاج
سوينكا المذهب الطبيعي في المسرح في تناوله
لأحداث مسرحية -الطريق- وقضاياها فإنه سلك
اتجاهًا متطرفًا للواقعية كما يرى بعض
النقاد، وتُعَدّ مسرحية "الطريق" من
أولى أعماله المترجمة إلى العربية.
عن
المجتمع الأفريقي
وفي
عام 1967 نشر سوينكا مسرحيته "حصاد كونجي"،
وهي مسرحية ساخرة تجمع بين الخيال والواقع
في شكل كوميدي تهكمي، تدور فكرة أحداثها
حول تولي شخصية "كونجي" منصب رئيس
لدولة خيالية، وبعد أن يتمكن كونجي من
القضاء والتغلب على الملك "دابولا"
أحد القيادات والزعامات الروحية والقبلية
لتلك الدولة الخيالية يقوم بالدعوة إلى
الاحتفال بهذا الانتصار في شكل مهرجان شعبي
شبيه بموسم الحصاد، وتهدف المسرحية إلى نقد
الزعماء الأفارقة المعاصرين نقدًا لاذعًا
لمحاولاتهم الملتوية في إضفاء الشرعية على
مطامعهم، والمبالغة في حب العظمة إلى درجة
التقديس، كما تبرز المسرحية خيبة أمل
الشعوب الأفريقية في حدوث تغيير حقيقي
للأوضاع في القارة الأفريقية نحو الأفضل،
وقد اتضح بشكل كبير تأثر سوينكا بمستحدثات
تكنيك المسرح الشعبي لقبيلة اليوربا Yoruba
التي ينتمي إليها، وذلك من خلال إدخال
الرقص والموسيقى الشعبيين في حوار
المسرحية بما يمثل وحدة عضوية تربط بين
اللغة والحركة والصوت.
أما
مسرحيته "مجانين واختصاصيون" فكانت
أول مسرحية يكتبها سوينكا بعد الحرب
الأهلية الانفصالية (بيافرا) في نيجيريا
بعد إطلاق سراحه من السجن، فقد خيمت عليها
أوضاع المجتمع النيجيري وما آلت إليه
الأمور بعد الحرب من التئام الجراح
والتماثل للشفاء والمصالحة بين كافة القوى
الشعبية، كما تشير المسرحية إلى ما يعجّ به
المجتمع من المرضى والمقعدين والعجزة
والمصابين بمس من الجن، وحالة شلل شبه تام
أصيب بها المجتمع وينتظر انفراجتها من خلال
الدجالين والمشعوذين، أو معجزة، والمسرحية
أقرب لصرخة مدوية في النقد الاجتماعي
وإعادة التأكيد والمصارحة من سوينكا بعدم
موافقته للموقف الرسمي من الانفصاليين،
مصورًا تداعياتها بتحويل الدولة إلى عالم
من القيم المعكوسة. وقد رمز سوينكا إلى
الانهيار الجسدي والروحي اللذين أديا
بالمجتمع إلى الرضا بفساد وانحرافات أشخاص
مسئولين من خلال إبراز تداعيات الحرب
الأهلية وانعكاساتها على كافة الأصعدة،
ودور القيادات في تعميق حالة التوهان
والتأزم لدى الشعب، إضافة لإلقاء الضوء على
ما يحمله التقدم العلمي والتكنولوجي من
سلبيات مستشهدًا باختراع الطاقة
الكهربائية وفوائدها، وكيف أنها تستخدم
أيضًا لتعذيب الإنسان داخل السجون.
وفي
مسرحيته "الموت وفارس الملك" تعرض
سوينكا إلى إحدى المآسي الحقيقية في بعض
المجتمعات الأفريقية، حيث يتصارع الإنسان
مع نظام لا قبل له بمواجهته ومجابهته أو حتى
الوصول إليه بمداركه العقلية المحدودة،
فالمسرحية تدور فكرتها حول عقيدة شائعة عند
قبيلة اليوربا تقول إنه حين يموت الملك لا
بد أن ينتحر فارسه ليرافقه في رحلته نحو
العالم الآخر، وبذلك يضمن الناس والأجيال
القادمة العيش في سلام وطمأنينة، وأن أي
تخاذل في ذلك يعرض عالم الأحياء لخطر
الكوارث من القوى الغيبية من الآلهة.
ويرى
كثير من النقاد أن مسرحية "الموت وفارس
الملك" تُعَدّ من أكثر المسرحيات التي
كتبها سوينكا نضجًا سواء أكان من حيث
المضمون أم التكنيك الفني، حيث استطاع أن
يوظف التراث الأفريقي وما فيه من أمور
غيبية لا يمكن أن يفهمها أو يفسرها إلا من
عاشها من أهل تلك البلاد، كما تمكن من خلق
مأساة يورباوية في شكل مسرحي زاخر بالمعاني
والجمال الشعري.
وجسدت
مسرحيته "سكان المستنقع" ظاهرة
الاستغلال والفساد الأخلاقي التي يعيشها
أهل المدن رغم ما فيها من مظاهرة الحضارة
والرقي، وتناولت أحداثها قصة فلاح شاب تعرض
للخديعة وهو عائد من مدينة لاجوس العاصمة -حينذاك-
حيث وقع ضحية استغلال من بعض أقاربه
ومعارفه، وقد انتقد واقع الحياة
الاجتماعية في لاجوس بفسادها الأخلاقي
وتخلف أهلها، بما يشبه المستنقع.
وأما
مسرحية "الأسد والجوهرة" التي نشرت
عام 1963 فقد تناولت الصراع الثقافي بين
الأجيال: الجيل القديم والجيل الجديد،
والشباب والشيوخ والصراع بين تيار التحديث
وتيار التقليد، كما كشفت بطلان وفساد بعض
المعتقدات والعادات الموروثة.
في
الرواية والشعر والترجمة
ومن
أشهر أعمال سوينكا الروائية روايته
الطويلة "المفسرون"، وهي تعالج بشكل
خاص هموم وتطلعات شرائح من المثقفين
الأفارقة حتى إنها اعتبرت وثيقة للذكرى،
وتواصلاً فكريًّا مع رواية سيمون دي بوفوار
والتي هي بعنوان "المثقفون"، كما نالت
رواية "المفسرون" تقديرًا عالميًّا
لكونها رواية واقعية تتناول أزمة المثقفين
في نيجيريا، وشخوصها عبارة عن مجموعة من
الأصدقاء تخرجوا في الجامعة من تخصصات
مختلفة، وعلى الرغم من مستواهم التعليمي
العالي فإنهم لا يزالون حائرين يحاولون أن
يكتشفوا أنفسهم ويفسروا الأمور الغامضة في
مجتمعهم.
ونظم
وولي سوينكا ديواني شعر أولهما: "ديوان
إدانري وقصائد أخرى" عام 1967، والآخر: "قصائد
من السجن" عام 1969، وقد كتبها خلال فترة
اعتقاله من قبل الحكومة النيجيرية؛ بسبب
تأييده لوجهة نظر شعب بيافرا في الانفصال.
وبجانب
إنتاجه الأدبي الغزير حرص سوينكا على نقل
الخبرة النيجيرية الوطنية من أعمال الكتاب
المحليين إلى مستوى العالمية وذلك من خلال
أعمال الترجمة، وقد قام بترجمة رواية (غابة
الألف شيطان) للكاتب النيجيري الروائي
اليورباوي القدير "دانيال أولوفيمي
فاغنووا" من لغة اليوربا إلى اللغة
الإنجليزية. ولعل انشغال سوينكا بأعماله
الإبداعية كان سببًا في قلة ومواصلة جهوده
في مجال نقل وترجمة الإبداعات الوطنية إلى
اللغة الإنجليزية.
وتتميز
تلك الأعمال بأنها تنقل خلفية اجتماعية
وسياسية للحياة في نيجيريا، وتجسد الفساد
السياسي والأخلاقي وحالات الفقر والتخلف
الفكري المتمثل في الخرافات السائدة في
المجتمع الأفريقي بشكل عام.
اقرأ
أيضا:
**
كاتب وصحفي نيجيري