نظرا
للأهمية الدينية التي تتمتع بها مدن
العتبات المقدسة لدى الشيعة فقد انعكس هذا
على وضعها السياسي، لا سيما أن هناك
ارتباطا وثيقا بين الناحيتين الدينية
العقائدية والسياسية لديهم؛ وهو ما يظهر
جليا طيلة التاريخ الإسلامي؛ حيث عملت
الدول الحاكمة للعراق ولإيران على تحجيم
فاعلية النشاط السياسي للشيعة من خلال
التضييق على ممارساتهم للطقوس الدينية
وبخاصة ذكرى عاشوراء التي يختلط فيها
البعدان الديني والسياسي؛ حيث يستغل
الشيعة الحدث للتعبير عن آرائهم والاحتجاج
على أوضاع سياسية معينة. وكان من أمثلة ذلك
الدور الكبير الذي لعبته الحوزة الدينية
بالعراق في ثورة العشرين ضد الاحتلال
الإنجليزي ومن قبلها دورها في دعم الحركة
المشروطية بإيران 1908، وكذلك بعد سقوط نظام
صدام بالعراق من خلال مناداة بعض الأطراف
الشيعية بدور سياسي محدود يتناسب مع حجم
ووزن الشيعة.
ويستند
الدور السياسي الذي تلعبه أو تمارسه مدن
العتبات المقدسة على قداستها بفعل وجود
مراقد وأضرحة للأئمة أو للأولياء الشيعة
فيها، فضلا عن وجود حوزات دينية تشكل
مرجعية للتحرك الشيعي.
ويشير
مفهوم الحوزة الدينية في الفكر الشيعي إلى
المدارس الدينية التي تعتمد على المنهج
الإسلامي المبني على الفكر الاجتهادي؛
باعتبار أن العلماء المجتهدين هم
المسئولون عن توجيه جماهير الشيعة إلى حين
ظهور الإمام المهدي الغائب. ومن أشهر هذه
الحوزات حوزات النجف وكربلاء والحلة وقم.
حوزة
النجف الأشرف
وتعد
مدينة النجف أبرز الحوزات العلمية لدى
الشيعة، وبدأ تاريخها بوصفها مدينة مقدسة
منذ أن اكتشف بها مرقد الإمام علي بن أبي
طالب، ولكن تختلف الآراء حول بداية تحولها
إلى مدينة علمية؛ حيث يرى فريق من العلماء
أن الحوزة نشأت بالمدينة قبل هجرة المرجع
الشيعي الكبير الشيخ الطوسي إليها في منتصف
القرن الخامس الهجري، وهو أحد أبرز مراجع
ومجتهدي الشيعة، ويذهب أنصار هذا الرأي إلى
وجود بيوتات علمية قديمة قبل القرن الخامس
الهجري بالمدينة من قبيل آل شهريار وآل
الطحال وغيرهما. في حين يرى أصحاب الرأي
الآخر أن الحوزة العلمية نشأت في زمن الشيخ
الطوسي وقبل ذلك لم يكن هناك شيء يمكن
تسميته بالحوزة العلمية، وتبنى السيد
الخامئني مرشد الثورة في إيران هذا الرأي؛
حيث يقول: "نعم قد نشأت قبل الشيخ الطوسي
بعض البيوتات بالنجف ولكنها لم ترق إلى
تأسيس الحوزة، أما بعد هجرة الشيخ الطوسي
إلى النجف حوالي عام 450هـ فقد أقام الحوزة
وجعل لها تنظيما مركزيا بذل فيه الكثير من
الجهد لتطوير العلوم الإسلامية كالفقه
والأصول والحديث".
حوزة
كربلاء
مثلت
كربلاء مقرًا للحوزة العلمية في بعض
المراحل التاريخية (1150هـ-1212هـ) وبرز فيها من
العلماء ممن كان لهم تأثير في ضمور البحث في
أصول الفقه في حوزة النجف؛ وذلك لأن الجو
الغالب عليهم كان الاتجاه الإخباري، وقدم
أصحاب هذا الاتجاه للفقه الشيعي خدمات
كبيرة، وبرز منهم الشيخ يوسف البحراني صاحب
كتاب "الحدائق الفاخرة"، وكانت هذه
الحوزة مسرحًا للصراع بين الاتجاهين
الأصولي الذي تمثله النجف والإخباري الذي
تمثله كربلاء، ومن ممثلي الاتجاه الأصولي
المعاصرين للبحراني الشيخ الوحيد
البهبهاني أحد أبرز مراجع قم.
حوزة
الحلة
يمكن
اعتبار مدرسة النجف امتدادًا للمدرسة
البغدادية، ومن هنا نجد أن وفاة الشيخ
الطوسي الذي كان في بغداد في الأصل تركت
أثرًا سيئًا على الحركة العلمية في النجف؛
فكان لا بد لتحريك عجلة العلم من بروز فقيه
يحمل من الأصالة والوزن العلمي ما يساعده
في مهمته تلك؛ فكان أن انتقلت الحوزة من
بغداد والنجف بعد الغزو المغولي إلى الحلة
التي وفر لها تدبير علمائها ووجهائها نوعًا
من الحماية جذب إليها العلماء من بغداد،
وبرز فيها علماء أعلام مثل ابن أوريس الحلي
(543–598هـ) والمحقق الحلي (توفي 676هـ) وجمال
الدين بن المطهر المعروف بالعلامة (توفي 726هـ).
ومن أهم نتاجات هذه الفترة كتاب "السرائر"
وهو من تأليف ابن أوريس الذي ترك أثرًا
كبيرًا في إحداث تلك الهزة التي كان الفقه
الشيعي يحتاجها بعد الشيخ الطوسي لاستمرار
الحركة الاجتهادية.
حوزة
قم
يرى
بعض العلماء ومنهم الإمام الخامئني أن حوزة
قم من أقدم الحوزات الشيعية؛ حيث تعود
بداية اتخاذ هذه المدينة مركزًا علميا إلى
زمن الإمام الجواد. وتمثل حوزة قم ثمرة
وحصيلة الحوزات العلمية منذ نشأتها في
أواخر القرن الثاني الهجري، أو على الأقل
منذ أوائل القرن الثالث حينما ظهرت مراكز
دينية مثلت نواة الحوزات العلمية.
وقد
كانت حوزة قم في عهد آخر ثلاثة من الأئمة (الجواد
والهادي والعسكري وهو ما عرف بعهد القميين)
حوزة علمية قوية؛ حيث كان يتم فيها التدريس
والتتلمذ والبحث والتدوين والنشر، ومن هنا
يمكن عد حوزة قم من أقدم الحوزات العلمية؛
وهو ما تدل عليه آثار الأشعريين وآل بابويه
وآخرين.
وتوجد
شواهد تاريخية عدة تدل على تلك الحركة
العلمية في مدينة قم، منها ما ورد في ترجمة
إبراهيم بن هاشم (القرن الثالث الهجري) حيث
يقول النجاشي: "... وأصحابنا يقولون أول من
نشر حديث الكوفيين بقم هو إبراهيم بن هاشم"؛
أي أن هذه الحوزة عرفت فترة أوج وركود، ثم
تحددت معالمها ونهضت بعد ذلك بفضل مساعي
الشيخ عبد الكريم الحائري (1276هـ-1355هـ) الذي
اعتنى بالحوزة ومدارسها وطلابها عناية
فائقة.
اقرأ
وطالع في الملف:
اقرأ
أيضا:
**
باحث ومحلل
سياسي مصري