|

|
|
مرقد السيدة فاطمة المعصومة
|
أثار
سقوط نظام صدام حسين الجدل مجددا حول موقع
وأهمية مدينة النجف التي تعد أقدس المدن
المقدسة لدى الشيعة واحتمالات عودة الصراع
مجددا بينها وبين مدينة قم حول الزعامة
والمركزية للعالم الشيعي؛ الجدل يعود بعد
انهيار النظام البعثي الذي فرض حصارا حول
ممارسة المدينة لدورها الديني في زعامة
العالم الشيعي؛ ما أدى إلى هجرة علمائها
ومراجعها إلى مدينة قم الإيرانية، لكنه
صراع يعود بدوره إلى ما قبل سقوط نظام صدام 9
إبريل 2003 حيث يضرب بجذوره إلى أوائل القرن
العشرين حين كانت النجف مرتكزا للعلم
والنشاط الفكري الشيعي وقاعدة لنشر
الأفكار الشيعية والعمل السياسي بما تضمه
من مدارس دينية زاد عددها عن 20 مدرسة ضمت
عشرات الآلاف من الطلبة والمجتهدين؛ ما أدى
إلى صعوبة السيطرة على نشاطاتها السياسية
والدينية من جانب الدولة العثمانية وجعل
للمدينة موقفا سياسيا محددا تجاه الحكومات
والقضايا السياسية والاجتماعية في العالم
الإسلامي كان من أبرز مظاهره موقفها من
ثورة 1920 بالعراق ضد الاحتلال البريطاني.
أفول
وصعود
تعرض
موقع النجف الأشرف لمد وجزر عبر مراحل
تاريخية مختلفة؛ ففي أوائل القرن الماضي (العشرين)
بدأت المدينة -التي كانت رأس مدن العتبات-
تفقد بريقها منذ الثورة الدستورية في إيران
المشروطية 1908 التي صاحبها اختلافات كبيرة
بين الطلبة الإيرانيين والمجتهدين
العراقيين بالنجف حول تأييد الثورة من عدمه؛
حيث التزمت مدرسة النجف بعدم الانغماس في
الأمور السياسية بشكل كبير على عكس مدرسة
قم الإيرانية، خاصة بعد سلسلة من الإجراءات
التي اتخذتها السلطات العثمانية لتقييد
حركة ونشاط المدينة، مثل مصادرة صحيفة
النجف، وحل عدد من الجمعيات السياسية
والأدبية، والتضييق على حركة الجنائز؛ ما
دفع بالمجتهد الأكبر محمد تقي الشيرازي
الذي كان يقيم بسامراء إلى التفكير في
الهجرة إلى إيران، هذا فضلا عن سعي النظام
الملكي في العراق بعد ثورة 1920 إلى إقامة
نظام تعليمي علماني؛ ما أثر على التعليم في
مدينة النجف، بالإضافة إلى غياب المجتهد
الكاريزمي الذي كان من المنتظر أن يقود
الشيعة بعد وفاة كل من الشيرازي والشيخ
الأصفهاني في عام 1920؛ ما أدى إلى سيطرة
العامة على توجيه الشيعة؛ ما أفقد مدرسة
النجف الكثير من نفوذها.
على
الجانب الآخر كانت قم تصعد كمركز ديني شيعي
قيادي بالنسبة للإيرانيين بعد هجرة الشيخ
عبد الكريم الحائري إليها عام 1920 ودعوته
للطلبة في العراق إلى الرحيل إليها، وتعزز
موقعها أكثر عام 1946 بانتقال القيادة
الدينية من النجف إليها بعد وفاة أبي الحسن
الأصفهاني وظهور حسين بروجردي بوصفه مرجع
التقليد الوحيد وحتى وفاته عام 1961، وكان
خلال هذه الفترة هو المحرك الرئيسي للنشاط
الأكاديمي في مدارس العراق ومن خلال وكيله
الشيخ نصر الله خلخالي؛ وهو ما انتقص من
مركز المجتهدين الكبار في العراق وتسبب في
انتكاسة لشهرة مدارسهم؛ ففي حين وصل عدد
طلاب مدينة قم إلى أكثر من 50 ألفا في 1985 كان
عدد الطلبة والمجتهدين بالنجف لا يتعدى 150
شخصا.
ووصلت
قم إلى القمة لتشغل المكانة الكبرى في قلوب
العالم الشيعي البالغ تعداده 120 مليون بعد
نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979
وإرسائها لمعالم الدولة الشيعية الأولى؛
إذ جذبت إليها الأضواء مع كثافة وجود مراجع
التقليد فيها وبسبب الفتاوى السياسية
والدينية التي ألهب بها أئمتها حماس
المؤمنين الشيعة وكذلك للصبغة الرمزية
الكبيرة التي أكسبها إياها آية الله
الخميني حين جعلها مقرا للولي الفقيه،
وزادت مكانة المدينة بعد اضطهاد علماء
ومراجع النجف وهجرة عدد كبير منهم لإيران.
إلا
أن هذه المكانة الروحية والسياسية لقم باتت
موضع تهديد حاليا بعد عودة الحياة للنجف
وإمكانية الانتقال التدريجي لما كانت عليه
من قوة، وهذا التهديد وما يدور حوله من صراع
موجود فعليا رغم رفض الجانبين الاعتراف
بذلك علانية؛ فالقضية تتعلق بتحديد القلب
داخل الجسد الشيعي الممتد حول العالم
وإسباغ رموز المكانة الروحية والسياسية
عليها.
لمن
تكون الصدارة في المستقبل؟
ويمكن
القول بأن مستقبل الصراع بين مدينتي قم
والنجف يكاد يكون محسوما لصالح الأخيرة
بفعل الكثير من العوامل الموضوعية، أولها
القوة الروحية التي تتمتع بها النجف التي
تعد درة العتبات المقدسة المنتشرة بأراضي
العراق وما تحويه من مراقد وأضرحة لعدد
كبير من الأئمة والأولياء الشيعة؛ ففي حين
بنيت قم حول قبر شقيقة الإمام الرضا (الإمام
الثامن للشيعة) السيدة فاطمة وهو ما جعل
منها مركز ثقل ديني وروحي، إلا أنها لم تكن
لتضاهي النجف ومدن العتبات المقدسة الأخرى
التي يحج إليها الجميع من الشيعة، كما أن
فرص عودة النجف كمركز استقطاب للمراجع
الشيعية تبدو كبيرة في ضوء استحكام الصراع
العقائدي في إيران نتيجة الخلاف حول نظرية
الولي الفقيه إضافة إلى إعلان عدد من كبار
مراجع الشيعة مثل آية الله جواد التبريزي
في قم ومحمد حسين فضل الله من لبنان عن
رغبتهم العلنية للعودة والاستقرار في
النجف.
هذا
فضلا عن التمايز الفقهي الكبير بين حوزتي
النجف وقم؛ حيث تتسم الأولى بالاعتدال
الفقهي، كما تصر على عدم التصدي للسلطة
السياسية بعد غيبة الإمام وضرورة الفصل بين
الشرعيات وما يعنيه ذلك من تضييق صلاحيات
الفقيه وعدم إطلاقها، في حين استندت قم على
مشروع الخميني القائم على ولاية الفقيه
المطلقة وما يعنيه ذلك من فكرة التنصيب
الإلهي التي تنقل السلطة المطلقة من الإمام
المعصوم إلى الفقيه الجامع للشرائط.
ورغم
ذلك فإن مسألة عودة المرجعية السياسية
والدينية للنجف ما زالت مؤجلة بسبب عاملين:
أولهما الصراع على الزعامات السياسية
والدينية بين المراجع والقادة من الشيعة
بالعراق؛ حيث يوجد به أربعة مراجع كبار، هم:
آية الله العظمى السيستاني المرجع الأعلى،
وآية الله العظمى محمد سعيد الحكيم، وآية
الله العظمى محمد بشير النجف، وآية الله
العظمى محمد إسحاق فياض. في حين يوجد زعيمان
شيعيان لهما من المكانة السياسية وخلفيات
المرجعية الدينية ما يجعلها في صدارة
المنافسة، وهما عبد العزيز الحكيم رئيس
المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، ومقتدى
الصدر نجل الإمام محمد باقر الصدر أحد أبرز
مراجع العراق في العصر الحديث. والثاني
الدور الإيراني في العراق والذي يمسك
بمجموعة من الخيوط في الصراع الشيعي
بالعراق، حيث تدعم بعض الأطراف بما لها من
نفوذ فضلا عن كون السيستاني والنجفي وفياض
مراجع من أصول إيرانية؛ ما يجعلها وجهة
لطلب الدعم من المتنافسين على الزعامات، لا
سيما في ضوء كبر سن السيستاني وتدهور صحته.
وأخيرا فإن مسألة حسم الحوزة مؤجلة إلى حين
استقرار المشهد العراقي.
اقرأ
وطالع في الملف:
اقرأ
أيضا:
**
باحث ومحلل
سياسي مصري