|

|
|
بداية
مسرح الأخوان
|
الصلة
بين الإسلام والفن والأدب موضوع لا يكاد
ينتهي الجدل فيه والنقاش حوله حتى يبدأ من
جديد، والموضوع -في الحقيقة- يستحق أن يطول
فيه النقاش والجدل والتحاور طالما أن الروح
العامة التي تدفع النقاش وتثريه هي روح
البحث عن الحق والحقيقة الخالصة التي تجعل
النفوس هادئة ومستقرة ومطمئنة.. سواء نفوس
القلقين على المجتمع وقيمه والدين وشريعته
أو نفوس القلقين على الحرية ومداها، والفن
وغاياته.
فوضى
التعريفات
وأتصور
ابتداء أن المشكلة تندرج مع مجموعة مشكلات
أخرى في حياتنا تحت عنوان "فوضى
التعريفات".. فحين يستقر تعريف شيء ما في
وعي المجتمع -أي شيء- تقل مساحة الضباب
حوله، وتغدو المشكلة بسيطة والخلاف حولها
من طبائع الأمور والعكس صحيح تماما. ونتذكر
معا قول الرجل الحكيم للأمير ناصحا: "ضع
الألفاظ في مواضعها؛ لأنه حين لا توضع
الألفاظ في مواضعها تضطرب الأذهان، وحين
تضطرب الأذهان تفسد المعاملات". وموضوع
الفن والأخلاق -وبالطبع الدين باعتباره
النبع الذي لا ينضب للأخلاق- موضوع جذوره
قديمة.. وحين نعلم أن خاتم الرسل محمدا -صلى
الله عليه وسلم- جاء ليتمم مكارم الأخلاق
نجد أنفسنا أمام موضوع مهم وخطير.
المشكل
أساسه غربي
وقد
أخذ هذا الموضوع إشكاليته الحادة التي
نراها الآن من ذلك الصراع الحاد البشع الذي
نشأ في أوربا بين الكنيسة والمجتمع في عصور
الظلام الأوربية الوسطى؛ ذلك الصراع الذي
ما زالت البشرية تسدد فاتورته حتى الآن..
ولا أخفي عليكم أنني لا أندهش كثيرا من حالة
الهلع والإرهاب التي تصيب المجتمع الأوربي
حين يقول الدين كلمته في أمر ما من أمور
الحياة.. ولعلنا نذكر الأزمة الأخيرة التي
أثيرت وقت إعلان دستور الاتحاد الأوربي.
في
العصور الوسطى والعصر الحديث مرت أوربا
بمرحلتين:
مرحلة
قهر الذات الإنسانية
ومصادرة حريتها على يد ذلك التحالف المريب
الذي لم يرَ له التاريخ نظيرا بين السلطة
والكنيسة معا، وكان العلم والفن هما أول
ضحايا هذا القهر.. وإلى حد أن أحد الباباوات
أوعز إلى أمراء فرنسا بتجهيز حملة صليبية
تطارد الشعراء المارقين!!
والمرحلة
الثانية: مرحلة تقديس الذات الإنسانية..
إلى حد اعتبارها الإله الأوحد في الكون!!
الإنسان هو مقياس كل شيء، وهو موجود بذاته
ولذاته.. وإلى هذا الإنسان يرجع الأمر كله،
وإذا كان الله موجودا -معاذ الله- فلا دخل له
في حياة الإنسان كما قال سارتر. والإنسان
ليس مسئولا إلا أمام نفسه، والكيان الحقيقي
للإنسان هو كيان اللذة والعدوان. وفي هذا
الإطار بالغ الفنان في استثناء نفسه من
الطبائع البشرية والقوانين التي تجري على
البشر، لكونه على درجة مختلفة من الإحساس
بالطبيعة، وأن الفنان له خصوصية تحميه من
الضوابط التي قد يضعها مجتمع ما لنفسه وفق
ما يتراءى له من محددات استقر عليها الضمير
الجماعي لهذا المجتمع.
وأعتقد
أن درجة ما من درجات هذا الفهم انتقلت إلى
العالم الإسلامي مع ما انتقل إليه من ثقافة
الحضارة الغربية وقت الاحتلال والاستعمار،
والغلبة التي كانت واقعة على مجتمعاتنا،
ومعلوم بالطبع التأثير النفسي والفكري
للمنتصر.. ولم تكن مجتمعاتنا تحمل على
كاهلها ذكريات هذا الصراع المؤسف بين الدين
والمجتمع كما في الغرب. وهذا موضوع آخر يطول
الحديث فيه.
ماذا
تعني حرية الفن؟
من
التعريفات المهمة التي يجب أن نتعرض لها
بهذا الصدد هو تعريف الحرية.. وأنا من
المؤمنين بأن هناك نوعين من الحرية؛ "حرية
ملتزمة" و"حرية غير ملتزمة".
وأعرِّف الحرية الملتزمة بأنها ليست
اندفاعا سائبا من جهة، وليست قيدا مكبلا من
جهة أخرى، وإنما هي حرية مسئولة تنبع من
إحساس الإنسان بأنه إنسان كوني مسئول عن
الأشياء والأحياء، ومسئول عن نفسه وعن
الآخرين، ومسئول عن حاضره ومستقبله،
والإنسان هو المخلوق الوحيد المسئول عن
حريته، وأيضا عن حريات الآخرين.
نفهم
إذن أن الحرية الملتزمة تنبع من الإحساس
بالمسئولية؛ لأنه طالما أن هناك مسئولية
فهناك حرية، وطالما أن هناك حرية فهناك
مسئولية.. وهذا ما جعل الإنسان مؤهلا لأن
يكون سيدا على الأرض؛ لأن الإنسان الحر
الملتزم لا الفوضوي البوهيمي هو الإنسان
السيد القوي؛ أي الإنسان الذي يستطيع أن
يصيغ نفسه ويصيغ علاقاته مع الدنيا من حوله.
والحرية بهذا الفهم عطاء وأخذ إفادة
وانتفاع أداء وطلب، وهي بذلك مثالية
متفردة؛ لأنها ليست من صنع الخلق بل منحة من
خالق الخلق.
ثم
نأتي لتعريف الفن.. الفن -في رأيي- هو ما يقوي
الذات الإنسانية ويكملها وينميها ويدفعها
لفعل الخير.. وأفهم أنه ليس هناك فن مجرد بل
فن مقيد بفكر صاحبه وثقافته. والفن لا بد أن
يكون شديد الارتباط بالحياة؛ لأن مادته
وموضوعه وهدفه ومقصوده هو الحياة،
وبالتالي فنظرية الفن للفن التي تجعل من
الفن غاية في ذاته لا معنى لها؛ لأن قوة
الفن في قوة تأثيره في الحياة، ولا قيمة له
إن لم يفعل.. تماما مثلما قال بعض النقاد: إن
الفن هو الحياة، مضافا إليها الإنسان.
الموقف
من حرية الفن
وحديثنا
هنا عن الإنسان في مجتمعنا، الذي ارتضى
شريعة ومنهاجا وقيما وفضائل مستمدة من
الإسلام.. الدين الذي ارتضاه الله -عز وجل-
لعباده.. وبالتالي فحرية الفن في ظل هذه
التوجهات للمجتمع "حرية ملتزمة"
بالحدود التي يرسمها الإسلام للمجتمع،
وبالقوانين التي تحكم حركة هذا المجتمع،
وبالأخلاقيات التي يجب أن تسوده.. وهذا لا
يعني تقييد حرية الفنان؛ لأن الفنان في هذا
المجتمع قبل أي شيء إنسان ملتزم بعقيدة
ودين -أيا كان- التزاما يجعل قيم الحق
والنقاء والسمو والنظافة والخير والجمال
قيما عفوية في سلوكه، لا قيدا يقيده بما
يكره.
وأخيرا..
أود أن أشير إلى أن نظرية الإسلام في الفن
والأدب لم تتبلور بعد، ولم تتحدد معالمها
وشكلها بدرجة كافية، مع التقدير الكامل
لعدد من أدبائنا ومفكرينا على جهد كبير
يبذل في هذا المجال.
وأتصور
أن إنشاء هذه النظرية يحتاج إلى حالة من
حالات "الانطلاق والتجرد"؛ يتحلى بها
علماؤنا الشرعيون وأدباؤنا وفنانونا
ونقادنا، ينطلقون في أحكامهم وآرائهم من
الحرص الكامل على مصالح الوطن العليا
والحفاظ الكامل على الدين ومقاصده؛ لأنه
يخطئ من يتجاهل البعد الديني في قضية كهذه.
ويتجردون من كل (الضغوط) التي قد يتعرضون
لها.. سواء كانت ضغوط واقع معين كثرت فيه
رواسب ليست منه، أو ضغوط نفس موهوبة تتصف
ببعض البوهيمية والانفلات، أو ضغوط فكر
وثقافة لها قوة تأثير بحكم قوة المنبع الذي
خرجت منه.
وآمل
مِنْ كل مَنْ لهم صلة بهذه القضية من أهل
الأدب والفن والنقد وعلوم الشريعة أن
يفتحوا حوارا عميقا واسعا، فيزيلوا
الغموض، ويكشفوا الخفايا، ويجعلوا النفوس
هادئة.
فقط
أقول لإخواننا الفنانين ولكل المشتغلين
بالفن بكل فروعه: لا تنكروا وجهنا.. لا
تنكروا وجه أمتكم.
اقرأ
أيضا:
**
الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب، وعضو
مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين في مصر.