بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المقهى الثقافي   -    دردشة   -    دليل المواقع الثقافية    -    صوتيات ومرئيات 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح
|ميديا | أوتار وأنغام |
مساهمات الزائرين


"بحب السيما".. أن تكره التسلط وتحب الحياة

2004/06/30

ماجـد حـبـتـه **

الطفل بطل الفيلم

فم الأسد كان واضحًا في فيلم "سينما باراديسو"، ورغم ذلك كان الجمهور يتوقع أن تكتمل المشاهد الساخنة، وفي كل مرة كان أملهم يخيب.

فم الأسد وضعه المخرج الإيطالي جوزيب ترناتوري على الفتحة التي تخرج منها أشعة آلة العرض التي لا تعرض إلا ما تسمح به الكنيسة.

بين فيلم "سينما باراديسو" و"بحب السيما" 15 عامًا، وتشابهات عديدة، أقلها أن البطل في الفيلمين طفل صغير.. تشابهات في الحالة، واتفاق على حب السينما، واعتبارها معادلا للحياة أو لحب الحياة. وبينهما فم الأسد، وإن كان "بحب السيما" لم يخرج من فم أسد واحد بل مر على أفواه أسود عديدة: بعد الورق، وبعد التصوير، وبعد آلة العرض أيضًا.. حتى رأيناه على الشاشة، والسبب الظاهر لذلك كله أن أحداث الفيلم تتناول أسرة مسيحية.

صراع بين الحياة والتسلط

"بحب السيما" فيلم إنساني، سيجد فيه كل من يشاهده أنماطًا يعرفها من البشر إن لم يجد نفسه، مسلمًا كان أم مسيحيًّا، والصراع في الفيلم لا علاقة له بديانة أبطاله.

إنه صراع بين من يريد أن يعيش الحياة ومن يدفعه خوفه من ارتكاب معصية إلى النفور منها، صراع بين رأس السلطة والواقعين في نطاق سيطرته، هو فيلم ضد كل سلطة أبوية تقتل الخيال وتحد من الحرية.

بحب السيما فيلم عن السلطة: سلطة الأب في المنزل، وسلطة المدرس في المدرسة، وسلطة الطبيب، وفي السياق سلطة الكنيسة، وسلطة من يدعون أنهم الوحيدون القادرون على التمييز بين الحلال والحرام. وقبل كل ذلك وبعده هناك السلطة السياسية التي تدعي أنها الأعرف بمصلحة الشعب من نفسه!.

الأحداث تقدم لنا أبًا متزمتًا يجبرنا على التعاطف معه، يعمل اختصاصيًّا اجتماعيًّا في مدرسة، مديرها والمحيطون به لصوص وفاسدون، يستيقظ من نومه ليصلي داعيًا الله أن يغفر له أخطاء ارتكبها وأخرى ربما يرتكبها، يساعد أشقاءه ماديًّا، ولا يبخل على الطلبة المحتاجين لمساعدته، ويتصدى لمدير المدرسة اللص ويرفض أن يكذب حتى لو أدى ذلك إلى إدانته بعد أن اعتدي عليه بالضرب. 

أما مشكلته فهي أنه يفهم التدين فهما خاطئا، ويفهم علاقته مع الله بشكل يعرف -قبل أن تنتهي الأحداث- مساوئه، ويدرك أيضًا الفارق بين من يعبد الله خوفًا من النار وطمعًا في الجنة، ومن يعبده لأنه يحبه.

وهو فارق يأتي في سياق سلسلة ممتدة وغير منتهية من محاولات فرض الوصاية، تبدأ بكبير (وهناك أكبر يسبقه) يمارس سلطته على أصغر، وليس أمام من لا يجد أمامه الفرصة للتسلط غير البحث عن سلطة لا يصل إليها إلا بالابتزاز.

في "بحب السيما" نرى الكل يملك سلطة من أعلى سلطة سياسية (جمال عبد الناصر) إلى الطفل الصغير نعيم (يوسف عثمان)، وكلهم يسعون لفرضها على من دونهم.

نرى الأب عدلي (محمود حميدة) المقتنع بأنه يعمل لصالح زوجته وأولاده، ومن قبلهم لصالح نفسه، ويؤمن بما يحاول فرضه عليهم. تزمته يجبر زوجته نعمات (ليلى علوي) على الإقلاع عن الرسم، وتكتفي بعملها ناظرة مدرسة، وتجعل وجه لوحاتها للحائط، أما الوجه الظاهر فلا يرقى فنيا إلى مستواه، وتزين جدران المدرسة المصرية بمناظر إيطالية.

تزمت الزوج يدفع الزوجة -أيضا- إلى التمرد، وإلى ممارسة ما لا يرضاه وأكثر في الخفاء، لكن الأم التي عانت من التسلط لا تتردد في ممارسة الشيء نفسه حين تتاح لها الفرصة، وتصبح بعد وفاة زوجها المسئولة عن أسرتها.

وتحت وطأة الأب والأم فهناك الطفل نعيم وشقيقته نعيمة؛ نعيم مضطر لأن يلبس ما لا يطيقه ويـأكل ما لا يريده؛ تنفيذا لأوامر الأب الذي يحرمه من الأشياء التي يحبها ويجد فيها متعته، يحرمه من السينما التي لا يمل طوال الفيلم من إعلان رغبته في الذهاب إليها.

والبنت أيضا واقعة داخل نطاق السيطرة، محرومة من لبس ما تريده، وممنوعة من أشياء أخرى كثيرة ترى زميلاتها ينعمن بها، لكنها لا تمتنع من فعل ما تريد حين تختفي عن أعين الرقباء.

"هل يمكن لأحد أن يجبِر أحدا على أن يكون مؤمنا؟" 

و"لا حتى عبد الناصر يستطيع أن يجعل أحدا اشتراكيا".

الأب المتزمت يخوف ابنه بالنار

بالضبط هذا هو ما يؤكده الفيلم؛ فعدلي لم يستطع بتزمته أن يجبر أفراد أسرته على الالتزام بأفكاره؛ فالزوجة التي جعلها تتخلى عن هوايتها التي تحبها تعود للرسم، وتفعل ما هو أكثر من ذلك. والطفل نعيم يدفعه ترهيب والده له وتأكيده له أنه سيذهب إلى جهنم على كل هفوة يرتكبها إلى أن يصبح غير مبالٍ بأي شيء ما دام سيدخل جهنم لا محالة. أما نعيمة ابنة عدلي فضاقت بتعليمات والدها، فرقصت في المنزل، وأحبت ابن الجيران.

سلسلة التسلط داخل الأسرة تنتهي بالطفل نعيم الذي لا يجد ما يرد به على المتسلطين إلا بابتزازهم.

نعيم هو بطل الفيلم الحقيقي الذي تأتي الحكاية كلها على لسانه بعد 30 سنة من حدوثها، هو ابن لعائلة مسيحية تسكن شبرا سنة 1966، أبوه أرثوذكسي وأمه بروتستانتية، يرى والدته وهي ترسم سرا في الليل، فيلوح لها بهذا الاكتشاف (يبتزها) حتى تسمح له بالذهاب إلى السينما مع خالته وخطيبها.

ويرى خالته في مواقف غير أخلاقية مع خطيبها فيطلب منها مقابل صمته أن تصنع له -مثلا- كوب شربات، وأن تذهب به إليه في غرفة الضيوف!.

لقد دفعه قهر المتسلطين إلى ابتزازهم وإلى التمرد، وحين يمتلك هو الآخر سلطة فإنه يمارسها في أبشع صورها؛ إذ استغل كونه ابن الناظرة واستولى على كوتشينة (أوراق لعب) عليها صور عاريات كانت مع تلميذ، واستولى على "ساندويتش" كان مع آخر.

فيلم مسيحي أم اجتماعي؟

أما كون الفيلم يتناول أسرة مسيحية في سابقة هي الأولى من نوعها في السينما المصرية فهو ما يحتاج إلى وقفة؛ فالأقباط المصريون ظهروا في أفلام عديدة مثل "فيلم هندي" و"يوم حلو ويوم مر" و"يا دنيا يا غرامي"، وهناك أيضا مسلسلات كان أهمها "أوان الورد" الذي أحدث ضجة كبيرة وقت عرضه، و"النساء قادمات".. على أن أهم المسلسلات التي ظهر فيها قبطي مصري كان مسلسل "خيال الظل" الذي لم نعرف فيه أن أحد الشخصيات الرئيسية الثلاثة مسيحي إلا من تفاصيل صغيرة، وغير ذلك رأيناه مواطنا عاديا، ويكاد يكون هذا المسلسل هو الوحيد الذي أفلت من مولد الشعارات الرنانة التي لا هدف لها غير الترويج لما يسمى بالوحدة الوطنية، بتأكيدهم على أن محمد يحب جرجس!.

الأرقام تقول إن الكنائس المصرية أنتجت 175 فيلما خلال الـ17 عاما الماضية، بواقع 10 أفلام سنويا تقريبا، لكن ما تنتجه الكنائس والمراكز الثقافية المسيحية لا علاقة له بالفيلم الذي نتحدث عنه، لا علاقة له بفيلم "بحب السيما". 

فما اصطلح على تسميته بالأفلام المسيحية هي تلك التي تصور قصص الأنبياء والقديسين، أو تتناول قصصا اجتماعية تربوية مسيحية. أما "بحب السيما" فهو اجتماعي، بمجرد أن تراه تنسى أن الأحداث تتناول أسرة مسيحية. وتشعر أنك تشاهد بشرا من لحم ودم. لا يميزهم شيء عن أي أسرة مصرية سوى فروق طفيفة، في الدعاء والقسم والأماكن التي يترددون عليها للعبادة، وشكل الاحتفال بالمناسبات الخاصة.

قراءة حال السينما المصرية من الفيلم

"بحب السيما" فيلم حقيقي، يعيد للسينما المصرية بعض الثقة في أدواتها وصناعها؛ بدءا من المخرج -أسامة فوزي- الذي ظهرت بصماته واضحة، ولم يكن مجرد منفذ لقفشات ونكات كما يحدث في موجة الأفلام الشبابية التي انتشرت مؤخرا، مرورا بالسينارست -هاني فوزي- الذي قدم سيناريو متماسكا وليس مجموعة لقطات، وانتهاء بأبطال الفيلم وعلى رأسهم الطفل -يوسف عثمان- الذي كان مفاجأة بكل المعايير؛ فلا توجد ذرة من الافتعال في أدائه، يعبر عن المواقف بكل حواسه، بعينيه اللتين خلف النظارة الصغيرة، بحركات يديه وملامح وجهه، وحتى التفاتاته وحركات شفتيه. أما الجمل التي جاءت على لسانه فجاءت متسقة تماما مع طفل في مثل سنه، لا توجد كلمة واحدة غريبة، وإن حدث فقد سبقها إلى أذنك ما يبرر معرفته لها وجريانها على لسانه.

في فيلم "بحب السيما" سنجد هذا التوازي الفني بين تسلط الأب وحكم عبد الناصر، وموت الأب في اليوم نفسه الذي مات فيه عبد الناصر سياسيا: يوم إلقائه خطاب التنحي في التاسع من يونيو عام 1967. لم يأت هذا اليوم إلا بعد أن أدرك الأب أن التزمت نوع من النفاق، بعد أن اشترى جهاز تليفزيون وحمل ابنه على كتفه، وذهب به إلى السينما، لكن جهاز الرقابة في مصر أصر على إنزال الطفل من على كتف والده، ولم يسمح له بدخول دار العرض.

معاناة الطفل نعيم في الفيلم أصبحت هي معاناة الطفل يوسف عثمان (الذي قام بالدور) في الواقع؛ فلو أراد أن يصطحب زملاءه في المدرسة إلى السينما ليشاهد معهم الفيلم الذي يقاسم ليلى علوي ومحمود حميدة بطولته فسيجد من يمنعه ويمنعهم من الدخول، مشيرا إلى اللافتة التي اشترطت الرقابة وضعها، وهي لافتة "للكبار فقط".

اقرأ أيضا:


** صحفي وناقد سينمائي مصري


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع