بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المقهى الثقافي   -    دردشة   -    دليل المواقع الثقافية    -    صوتيات ومرئيات 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين


قصة أول مسجد في إستانبول

2004/06/28

دكتور حاتم الطحاوي **

مسجد السليمانية 

بين تيارات الأحداث والوقائع التاريخية المتدفقة تغيب عن المشهد فصول مهمة لم يكن لتتوارى إلا لأنها تناثرت، وجاءت ضمن تفصيلات كثيرة وصغيرة، يعود الزمان فيعيد إليها بعضًا من الاعتبار الذي تستحقه تمامًا؛ مثل قصة أول مسجد في مدينة القسطنطينية أو إسلام بول/إستانبول فيما بعد؛ المسجد الذي بناه المسلمون قبل دخول المدينة، وكانت مساحته جلد بعير، وظل مسجد أبناء هاجر شاهدًا على فترات المد والجزر الإسلامي طيلة قرون حتى انقطعت الأخبار عنه من كتابات المؤرخين فجأة!

الطريق إلى القسطنطينية

واجه المسلمون في طريقهم لبناء الدولة الإسلامية الجديدة قوتين كبيرتين هما: دولة الفرس، ودولة الروم (الإمبراطورية البيزنطية)، وعلى حين نجح المسلمون مبكرًا في حسم صراعهم مع القوة الأولى في معركة القادسية 14هـ = 635م، ودخولهم للعاصمة المدائن 16 هـ = 637م؛ فقد اكتفوا بانتزاع ممتلكات دولة الروم في شمال الشام بعد عدة معارك، أهمها اليرموك وأجنادين 16 - 17هـ/ 636 - 637م، ثم فتح كل من فلسطين 15هـ = 636م، ومصر 20هـ/ 640م.

وظل حلم القضاء على دولة الروم يراود الخلفاء الراشدين، دون محاولة جدية لتحقيقه، غير أن الأمر انتقل من مساحة الحلم إلى حيز الواقع الميداني على عهد الخلافة الأموية، بعد أن اشتد عود الدولة الإسلامية الفتية، وبعد تزايد خبرة إرسال الحملات البرية، وتعلم المسلمون فن القتال البحري نتيجة لفتح الشام ومصر، فقررت الدولة الأموية القيام بحملات عسكرية من أجل فتح القسطنطينية عاصمة دولة الروم.

قام الأمويون بإرسال حملتين خلال الأعوام 54 - 60هـ = 674-680م لمهاجمة القسطنطينية، ونجحت الحملة الثانية في فتح جزيرة بالقرب من القسطنطينية تدعى "أرواد"، حيث استقر بها المسلمون لسبع سنوات.

وأرسل الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك (96 - 99هـ = 715 - 717م) حملة كبرى لفتح القسطنطينية في عام 97 هـ = 716م، واتخذت الحملة الإسلامية طريقها تجاه المدينة بعد أن نجحت في فتح مدن سارديس Sardis وبرجامة Pergamus وأبيدوس Abydus لتقف في الخامس عشر من أغسطس عام 717م أمام أسوار القسطنطينية، حيث قام المسلمون بضرب حصارهم البحري حولها لمدة عام كامل.

وأصاب الفشل في النهاية الحملة لعدة أسباب؛ أهمها قوة الاستحكامات البيزنطية، ومعاناة المسلمين من شتاء القسطنطينية القارس، والأمراض التي تفشت بين جنود الحملة، وخاصة مرض الطاعون، فضلا عن مهارة البحرية البيزنطية.

بناء المسجد بمساحة جلد بعير

وعلى الرغم من الفشل العسكري الذي لحق بتلك الحملة؛ فإنها نجحت في إحراز نصر معنوي بعد أن اشترط القائد المسلم مسلمة بن عبد الملك على الإمبراطور البيزنطي ليو الثالث الإيسوري (717 = 840م) ضرورة بناء مسجد للمسلمين داخل أسوار المدينة، مقابل انسحاب قواته من أمام أسوار المدينة.

ووافق الإمبراطور ليو الثالث على ذلك بعد أن أنهكته عملية الدفاع عن القسطنطينية، ولكي يضمن حمايتها لفترة أطول.

وبعد وفاة الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك أمر الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز (99 - 101هـ = 717 - 719م) بسرعة عودة الحملة إلى الشام في عام 99هـ = 718م.

وتحدثت العديد من المصادر التاريخية البيزنطية والعربية عن وجود هذا المسجد بالقسطنطينية، وأهم وأقدم من تحدث عن ذلك هو الإمبراطور ميخائيل السابع بور فور جنتيوس (913 - 959م) الذي قام بتأليف عدة كتب، أهمها كتابه حول إدارة الإمبراطورية البيزنطية، حيث ذكر "أن مسلمة بن عبد الملك هو الذي أمر ببناء مسجد للمسلمين في المعسكر الإمبراطوري، داخل القسطنطينية".

يذكر القاضي بن عبد الظاهر أن المسلمين قد اتفقوا مع البيزنطيين على بناء المسجد داخل أسوار القسطنطينية، وتم الاتفاق بين الطرفين أن تكون مساحة المسجد "قدر جلد بعير".

ولما كان المسلمون يهدفون إلى زيادة رقعة مساحة المسجد أحضروا جلد بعير، وقاموا بتقطيعه سيورًا مما جعله أكثر طولاً وأكبر اتساعًا، وهو الأمر الذي اعترض عليه البيزنطيون، ورد المسلمون على ذلك بأنه جلد بعير واحد كما سبق الاتفاق على ذلك، وأنهم لم يزيدوا عليه، فوافق البيزنطيون على مضض.

ويمكن اعتبار هذا المسجد ودار البلاط التي تم بناؤها بالقسطنطينية ليحبس بها كبار أسرى المسلمين في الحروب المتعاقبة بمثابة نواة الحي الإسلامي الذي كان بالقسطنطينية بعد ذلك.

واستمر مسجد المسلمين بالقسطنطينية يقوم بوظيفته الدينية، ويرتاده المصلون حتى القرن العاشر الميلادي، وهو ما ظهر من خلال طيات الرسالة التي بعث بها بطريرك القسطنطينية نيكولاس مستيكوس إلى الخليفة العباسي المعتز بالله (295 - 320هـ/ 908 -932م) التي أشار فيها إلى حسن رعايته لمسجد القسطنطينية.

الحياة الاجتماعية والاقتصادية حول المسجد

مسجد أبي أيوب الأنصاري

ونتيجة للمكانة التجارية الكبرى لمدينة القسطنطينية طوال القرن العاشر الميلادي فقد توافد عليها العديد من التجار الأجانب كالتجار الروس والبلغار والألمان والفرنسيين، فضلا عن التجار اليهود الراذانيين.

وكان من الطبيعي أن يتوجه المسلمون بسلعهم وبضائعهم إلى أسواق القسطنطينية، ولدينا إشارة في أحد أهم مصادر تاريخ مدينة القسطنطينية المنسوب إلى الإمبراطور ليو السادس ( 886 - 912م) إلى كثرة أعداد التجار الشوام المسلمين والمسيحيين، ومكوثهم لفترة طويلة بالقسطنطينية، على عكس التجار الأجانب الذين لم تسمح لهم القوانين البيزنطية بالمكوث في المدينة أكثر من ثلاثة أشهر، بينما مكث التجار الشوام بها لعشر سنوات تقريبًا.

وهكذا عاش التجار المسلمون في أماكن بالقرب من المسجد؛ مما يدل على بداية تكوين حي إسلامي صغير حول المسجد، وهو ما يفسر بقاءهم واستقرارهم بالقسطنطينية منذ نهاية القرن الثالث وحتى بداية القرن الرابع الهجري (نهاية القرن التاسع وحتى بداية القرن العاشر الميلادي).

كما تخبرنا المصادر الإسلامية أنه بعد التهديد المتواصل من السلطان السلجوقي طغرل بك (429 - 455هـ/1029 - 1063م) للأراضي البيزنطية وخاصة في عهد الإمبراطور قسطنطين مونوما خوس (1042 - 1055م) سعى الأخير إلى خطب ود طغرل بك، وتوسط لإطلاق سراح ملك الأبخاز.

فلما أطلق طغرل بك سراحه أرسل الإمبراطور مونوماخوس الهدايا له، وقام بإعادة تعمير مسجد القسطنطينية، وأقيمت فيه الصلاة والخطبة لطغرل بك عام 441هـ = 1049م.

كما أن الرحالة العربي أبو الحسن الهروي الذي زار مدينة القسطنطينية في فترة حكم الإمبراطور مانويل كومنينوس (1143 - 1185م) وصف المدينة، وذكر وجود المسجد الإسلامي بالقسطنطينية، وممارسته لرسالته الدينية.

واستمر الاهتمام بمسجد القسطنطينية من قبل الأباطرة البيزنطيين، كما كانت العلاقات جيدة بينهم وبين الحكام المسلمين مثلما كان حال العلاقة بين الإمبراطور إنجيلوس (1185 - 1195م) والسلطان صلاح الدين الأيوبي، حيث أرسل الأخير إلى مسجد المسلمين بالقسطنطينية خطيبًا وعددًا من القراء والمؤذنين، وكان في استقبالهم بالمدينة العديد من التجار المسلمين بها، واجتمع إلى خطيب المسجد "المسلمون المقيمون بها والتجار"؛ الأمر الذي يفرق بين مسلمي القسطنطينية المستقرين والمقيمين في الحي الإسلامي بها، والتجار المسلمين الوافدين إليها في رحلاتهم التجارية العادية.

وعلاوة على التجار المسلمين الشوام فقد مارس التجار الأتراك السلاجقة أيضًا تجارتهم بالقسطنطينية، وأقاموا في الحي الإسلامي بها، وارتادوا المسجد به، وتعرضوا للاضطهاد أحيانًا، من ذلك قيام الإمبراطور البيزنطي الكسيوس أنجليوس (1195م - 1203م) بالقبض على التجار الأتراك المسلمين بالقسطنطينية 1189م، وإيداعهم السجن نتيجة التوتر في علاقته مع سلاجقة قونية المسلمين.

ومن المؤكد أنه قد حدث تعاظم لدور مسجد المسلمين بالقسطنطينية؛ وهو ما يدل على ازدياد عدد السكان المسلمين في عاصمة دولة الروم، وزيادة دورهم التجاري والصناعي.

كان الحي الإسلامي بمدينة القسطنطينية في بداية القرن الثالث عشر الميلادي يقع غرب بوابة الحرس، وكذلك غرب الحي الذي سكنه تجار البندقية في القسطنطينية، وكان يتألف من العديد من المنازل، بالإضافة إلى المسجد.

نهب المسجد وإحراقه

وتعرض الحي الإسلامي للهجوم منذ بدايات غزو الحملة الصليبية الرابعة لمدينة القسطنطينية في أغسطس عام 1204م؛ الأمر الذي أدى إلى تدمير المسجد القائم به وإشعال النيران فيه، على الرغم من مساعدة السكان البيزنطيين للمسلمين في محاولة صد الهجوم الصليبي على حيهم، دون جدوى.

ويذكر أحد أهم المصادر التاريخية البيزنطية أن مسجد المسلمين بالقسطنطينية كان يعرف في بداية القرن الثالث عشر باسم Agarentes (نسبة إلى أبناء هاجر).

وهناك من الباحثين الغربيين الذين أيدوا ما ذكرته المصادر البيزنطية المعاصرة حول الهجوم على المسجد الإسلامي بالقسطنطينية، بل وزادوا عليها بأنه كان للمسلمين داخل الحي الإسلامي أكثر من 5 مساجد في بداية القرن الثالث عشر الميلادي، تعرضت جميعها للنهب والحرق.

ويدل ما سبق على أن الحي الإسلامي بالقسطنطينية آنذاك كان يتصف بالاتساع واستقرار أعداد كبيرة من السكان والتجار المسلمين بشكل دائم.

على أي حالة نجحت الحملة الصليبية الرابعة الوافدة من الغرب الأوربي في احتلال مدينة القسطنطينية طوال الفترة من 1204م حتى عام 1261م، حين استطاع الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن باليولوغس هزيمة الصليبيين واستعادة مدينة القسطنطينية.

محور للعلاقات الخارجية

مسجد رستم باشا

ونتيجة لحالة العداء المشترك بين دولة المماليك في مصر والشام والدولة البيزنطية تجاه الصليبيين؛ فقد احتفظ السلطان المملوكي الظاهر بيبرس بعلاقات طيبة مع الإمبراطور ميخائيل باليولوغس، وأرسل إليه أحد رسله، اصطحبه رجال الإدارة البيزنطية في جولة بمدينة القسطنطينية، حيث شاهد المسجد الإسلامي في المدينة.

وعندما عاد الرسول المملوكي إلى مصر أخبر السلطان الظاهر بيبرس بما جرى، فأمر الأخير بإرسال الحصر والستائر والقناديل والسجادات والمباخر والعود والمسك والعنبر وماء الورد إلى مسجد المسلمين بالقسطنطينية.

والحقيقة أننا لا نستطيع أن نجزم هل هذا المسجد مسجد جديد قام البيزنطيون ببنائه، أم أنه المسجد الإسلامي القديم الذي تعرض للحرق والهدم أثناء هجوم الصليبيين على القسطنطينية 1204م، ثم أعيد بناؤه من جديد.

لكن وجود المسجد في القرن الثالث عشر الميلادي كان يدل على أمرين في غاية الأهمية: الأول هو كثرة عدد السكان المسلمين بالقسطنطينية، والآخر هو العلاقات الطيبة بين الإمبراطور البيزنطي والسلطان المملوكي بيبرس.

وعلى الرغم من استمرار العلاقات الطيبة بين الإمبراطورية البيزنطية ودولة المماليك في مصر والشام طوال القرن السابع عشر الميلادي؛ فإن الرحالة المسلم ابن بطوطة الذي زار القسطنطينية في القرن الرابع عشر الميلادي لم يذكر إبان وصفه للمدينة وجود المسجد الإسلامي بها على الرغم من وصفه الدقيق لكنيسة آيا صوفيا الشهيرة الموجودة بالقسطنطينية.

وفي نهاية القرن الرابع عشر الميلادي كان السلطان العثماني بايزيد الأول له اليد العليا على الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني باليو لوغس الذي كان بمثابة تابع للسلطان العثماني الذي وجه له في إحدى رسائله تلك العبارة الشهيرة: "إذا لم تكن راغبًا في تنفيذ أوامري؛ فأغلق عليك أبواب القسطنطينية واحكم داخلها فقط؛ لأن جميع ما وراء أسوارها ملك لي".

وعندما أعلن الإمبراطور مانويل رفضه وتذمره من تبعيته للسلطان بايزيد تقدم الأخير لحصار القسطنطينية، ولم ينته ذلك الحصار إلا بعد رضوخ الإمبراطور البيزنطي لمطالب السلطان العثماني التي كان على رأسها ضرورة تشييد مسجد جديد للمسلمين في مدينة القسطنطينية.

إلا أن المصادر العثمانية والبيزنطية لم تشر إلى وجود المسجد الإسلامي بالقسطنطينية إبان أحداث الفتح العثماني للمدينة عام 1453م؛ مما يجعلنا نتساءل: هل تم هدم المسجد إبان النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي، أم أن جميع المصادر المعاصرة أغفلت وجوده؟

مدينة الإسلام والمساجد

على أي حال عندما نجح الأتراك العثمانيون في فتح القسطنطينية في يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 857هـ = 29 مايو 1453م، وبعد أن استتب الأمر للعثمانيين المسلمين بها تقدم السلطان محمد الفاتح نحو كنيسة آيا صوفيا، آمرًا بتحويلها إلى مسجد للقسطنطينية، وقام باستدعاء أحد الشيوخ الأتراك العثمانيين لإقامة الصلاة الأولى في مسجد آيا صوفيا الجديد.

وأمر بتغيير اسم المدينة إلى "إسلام بول"، وهي كلمة تركية تعني "مدينة الإسلام"، ومنذ ذلك التاريخ قام السلاطين والباشوات بتشييد العديد من المساجد التي أصبحت أهم معالم إستانبول، وشاهدة على حب المدينة للإسلام، وما قدمته من خدمات للمسلمين في العالم.

اقرأ أيضا:


** أستاذ التاريخ في كلية الآداب بجامعة الزقازيق – مصر


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع