|

|
|
أفيش فيلم خاتم المرسلين |
انتهى
الجدل حول الفيلم الذي كان سيقوم فيه يوسف
وهبي بدور النبي محمد بأن اعتذر الرجل عن
القيام بالدور، وانتهى بحثنا عن مدى صحة
ما ذكره عن إنتاج الشركة للفيلم وقيام
ممثل يهودي بالدور على لا شيء.
غير
أننا اكتشفنا أنه كانت هناك محاولة أخرى
لتنفيذ فيلم على أرض مصر يظهر فيه النبي
محمد، وأن الدور تم إسناده لـ"ممثلة"!!
ففي
22 ديسمبر 1929 نشرت مجلة الصباح رسالة تحت
عنوان "صح النوم أيها العلماء، فتاة
تمثل النبي محمدا" بتوقيع محمد حسن سعد
يحذر فيها من أن شركة أمريكية سوف تخرج
فيلما عن البعثة المحمدية باسم "ثورة
الصحراء" من تأليف فتاة مصرية، وأنهم
أسندوا دور النبي صلى الله عليه وسلم إلى
الممثلة "بيبي دانلز" ودور السيدة
خديجة للممثلة "تينا ستيوارت".
ومن
قراءتنا لهذه الرسالة يتضح أن موضوع هذا
الفيلم أثير قبل هذا التاريخ بشهور، ففي
تلك الرسالة يشير محمد حسن سعد (الذي عرّف
نفسه بأنه يعمل في قسم السيناريو بالمجمع
التمثيلي، ومدير فيلم فريدة جراف) إلى أنه
سبق له الكتابة في هذا الموضوع وأنه توقع
أن تتحرك جيوش من العلماء لحماية دين الحق
والسلام والذود عن كرامة دينهم وكرامتهم (على
حد قوله)، ولكن خاب ظنه كما أكد في الرسالة
المشار إليها؛ إذ مر هذا الخبر "مرور
النسيم"، وما حدث فقط هو أن إعلانه هذا
السر عرضه للعقاب من مجلس إدارة المجمع
التمثيلي الدولي الذي يعمل فيه، ويمضي
محمد حسن سعد ليؤكد أن سكوت المسلمين شجع
العاملين على الاستمرار في عملهم هادئين
مطمئنين.
ويمضي
ليؤكد أنه وقف على كل تفاصيل الفيلم،
مؤكدا أنه يقع في ثلاثين فصلا تتناول
ثلاثة عصور كل عصر يقوم في عشرة فصول طوال.
أولها
يبحث في تاريخ الجاهلية -العربية منها
والفارسية- مع لمحة من تاريخ مصر وقتذاك،
وثانيها يبدأ من ميلاد النبي صلى الله
عليه وسلم، أما العصر الثالث، فيتناول
الخلفاء الراشدين وفتح مصر.
وبشكل
أكثر تفصيلا كتب محمد حسن سعد ما نصه:
العصر الأول يرينا فارس وملك كسرى وينتهي
بيوم الشمس الذي وقفت فيه فارس بأجمعها
بين يدي كسرى تؤدي الصلاة لملك الحرارة
ومبعث الدفء يوم تقع أكبر ماسة في تاج
ملكهم وتخمد أنفاس النيران الموقدة
أمامهم لشعلة أومضت في سماء مكة، لطفل
وضعته أمه ليكون رسول السلام ونبي الإسلام.
والعصر الثاني يبدأ بقدوم فارس من بطن
الصحراء ينهب الأرض بجواده الذي اختلط لون
ملابسه بلونه فإذا هو الإسلام: هو النبي
صلى الله عليه وسلم، وفي هذا العصر تقوم
ثورة الصحراء وتأتي غزوة الفتح ونرى رجلا
على صهوة جواده يعدو نحو مكة أمام جماعته
غازيا، وقد راح سيفه يلعب في الفضاء تشوقا
إلى الطعان ورغبة في سفك الدماء، وفي هذا
يقولون: "واندفع أنصار محمد إلى مكة
يغزونها بقيادته"، وعندما يشتبك
الفريقان إذ بنا أمام حرب وحشية تنتهي
بفوز النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك نرى
كيف أن قريشا تبايعه ويأتي أشرافها ليضعوا
تاجا على رأس النبي ويقدموا سفطا من
التمر، وهنا ينكشف لنا منظر الصحراء
المترامية والقوافل تقطعها غادية رائحة،
ويتلاشى المنظر السابق مرة واحدة ويتكشف
بهدوء عن النبي وهو على سرير الموت حتى إذا
قضي عليه بان لنا القبر النبوي في المدينة
وقضى ربك ألا تكون السماء إلا للقديسين
وتنتهي المقطوعة بمنظر صعود المسيح إلى
السماء.
والعصر
الثالث ليس كله إلا نزاعا على الملك وفيه
يمثل لنا مصرع علي وعثمان تمثيلا مخيفا،
وينتهي بأن ترى رواية الإسلام تطوف
العالم، ثم ترتد حتى تنحصر في صحراء العرب
ثم تنعقد على القبر النبوي، وإذا بالصليب
يعلو الجميع "هكذا زال دين الثورة ليأخذ
مكانه دين الإخاء والسلام".
وأضاف
محمد حسن سعد: "تلك هي الرواية وهذه بعض
مواقفها ومهما يكونوا قد راعوا فيها بعض
الإنصاف، فإن في الذي نعرضه اليوم لدليلا
على عدم صلاحيتها وما ينبئ عن الغرض الذي
وضعت من أجله، أما مؤلفتها التي أشرت
إليها في مقالي فقد اتضح لنا أنها فتاة من
معلمات شبرا أحتفظ باسمها نزولا على إرادة
رؤسائي، هذا وستحضر إلى هنا الفرقة التي
تقوم بهذه الدعاية التبشيرية الهائلة
لأخذ ما تحتاجه من مناظر مصرية أبطالها
سيكونون من المصريين الذين سيسعى فرع
المجمع التمثيلي بمصر إلى انتقائهم،
والنية متجهة إلى المفاوضة مع السيدة
عزيزة أمير مؤسسة فن السينما في مصر
لإشراكها في التمثيل كبطلة لتاريخ مصر في
عهد عمرو بن العاص، ثم ترحل الفرقة بعد ذلك
إلى الحجاز في صورة مصرية تحت اسم فرقة
المجمع التمثيلي المصري للسينما، وهي ترى
في موسم الحج غايتها ونجاحها، فماذا سيكون
موقف رقابة السينما وماذا سيكون قول عزيزة
أمير لهم عندما يدعونها للتمثيل في رواية
ستخلد أبطالها وتجعل منهم نجوما عالميين
فوق ما تهبهم إياه من ثروة وتقدير؟.
إلى
هنا تنتهي رسالة محمد حسن سعد التي علقت
عليها صحيفة "الثغر" في 4 يناير 1930
بتأكيدها على أن "أربعمائة مليون مسلم
موزعين في أقطار الأرض سوف تمزق قلوبهم
هذه الإهانة وسوف تمكنهم من أن يجمعوا على
استنكار هذا العمل واستهجانه فإن منزلة
الرسول الأعظم من الناحية الإلهية تحرم
تمثيله مهما أجاد الممثل له، وإن أشد ما
يؤلم ويسيء أن تقوم فتاة بتمثيل دور
الرسول الأعظم، كيف يمكن أن يصبر المسلمون
على مرارة هذه الإهانة وعلى تلك الدنايا
ضد الإسلام؟".
وإذا
كان محمد حسن سعد قد أكد أن رسالته الأولى
تم استقبالها ببرود، فإن الرسالة الثانية
كان وضعها مختلفا، فقد نشرت مجلة "الصباح"
في 12 يناير 1930 أن إدارة المعاهد الدينية
أرسلت خطابا إلى رئيس الوزراء، طالبته فيه
بمنع الفيلم، وأنه حول الخطاب إلى إدارة
المطبوعات لتمنع تصوير الفيلم في مصر، غير
أن المجلة رأت أن هذا الإجراء غير كاف
وطالبت الحكومة بأن "تبذل شيئا من
نفوذها لدى الشركة لتجنب صنعه أو على
الأقل تجنب التعرض لسيرة النبي".
احتجاجات
من الجمهور والمشايخ
وفي
العدد نفسه أشارت المجلة إلى أن ما نشرته
أحدث صدى قويا في كل عواصم الشرق، فقالت
إنه في بيروت وفي الحجاز اجتمع علماء
الإفتاء وناقشوا الحدث الذي يمس كرامة
الدين وقرروا الإبراق إلى جلالة ملك مصر
يحتجون لديه على مثل هذه الرواية التي
يريد المبشرون أن يتموا مشاهدها في مصر
كما أشاعوا.
في
العدد نفسه أيضا واصل محمد حسن سعد ما بدأه
وكتب رسالة جديدة أعلن فيها سعادته من
الضجة التي أثارتها رسالته السابقة، وذكر
فيها أن لجنة الرقابة صرحت بأن الفيلم لم
يأت مصر وليس موجودا بها وأنها سوف لا تصرح
بتصويره "في ظلال المقطم لو أنه قطع
المحيط إلى هنا".
لكن
محمد حسن سعد يواصل كلامه ليؤكد أن معدات
الشركة وصلت وأنه لم يبق غير وصول
المديرين الذين قد يحضرون في الثلث الأوسط
من فبراير (عام 1930)، ونفى أن تكون عزيزة
أمير مشتركة في هذا الفيلم.
وتستمر
مجلة الصباح فتنشر في 26 يناير 1930 أن شيخ
الأزهر أرسل عددا من المذكرات الرسمية
لمجلس الوزراء ويسعى شخصيا لجهة سياسية
ذات نفوذ لمنع تصوير هذا الفيلم.
وفي
العدد نفسه تنشر برقية احتجاج أرسلتها
جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة إلى رئيس
الوزراء جاء فيها:
حضرة
صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء لا بد أنه
قد بلغ مسامع دولتكم ما أذاعه محمد حسن
أفندي سعد أحد المشتغلين بالسينما عن عزم
إحدى شركات السينما في الخارج المتصلة
بالتمثيل السينمائي في مصر على تمثيل عصر
الرسالة وزمن الخلفاء الراشدين على لوحة
السينما بصورة لا تتفق مع الحقيقة
التاريخية ولا تلائم قانون المملكة
المصرية المبني على احترام المقدسات
الإسلامية، ومما يؤسف له أن تكون مكتوبة
بقلم فتاة مصرية من معلمات شبرا كما جاء في
المقالة المنشورة في "الصباح" العدد
169 الصادرة في 22 ديسمبر 1929. ومن أفظع ما في
الرواية انتهاؤها بأن تطوف راية الإسلام
العالم ثم ترتد حتى تنحصر في صحراء العرب
ثم تنعقد على القبر النبوي، وإذا بالصليب
يعلو الجميع وهكذا زال دين "الثورة"
أي الإسلام ليأخذ مكانه دين الإخاء
والسلام أي دين المسيحية، ولما كانت
الفرقة الأجنبية التي تتولى هذا العمل
ستحضر إلى مصر لتأخذ بعض المناظر بها
المتعلقة بزمن الفتح الإسلامي ولا بد بعد
ذلك أن يحاول هؤلاء إدخال العمل إلى القطر
المصري لذلك نذكر دولتكم بما يترتب على
ذلك من فتنة لا تحمد مغبتها.
وفي
نهاية البرقية التي وقعها عبد الوهاب
النجار (وكيل الجمعية)، حددت جمعية الشبان
المسلمين مطالبها في أربع نقاط هي:
أولا:
التحقق من مؤلفة الرواية ولا سيما إذا
كانت موظفة في وزارة المعارف المصرية.
ثانيا:
منع الفرقة المذكورة من أن تمارس عملها في
مصر لأخذ المناظر المتممة لهذه الرواية
المؤذية لجمهور الأمة المصرية.
ثالثا:
منع دخول هذا العمل إلى المحكمة المصرية
منعا باتا صيانة للأمن العام.
رابعا:
أن تعمل وزارة الخارجية بواسطة سفير
الدولة المنتمية إليها الشركة على منع
إخراج الرواية احتراما لشعور المصريين.
وتعود
"الصباح" في 16 مارس 1930 لتنشر خطابا
وصلها حول هذا الفيلم "بكل تحفظ" على
حد تعبير المجلة.
وكان
آخر ما نشرته مجلة الصباح حول هذا الفيلم
رسالة من عبد الحميد شلبي سكرتير المجمع
الفني المصري
تقول
الرسالة الموقعة باسم السكرتير عبد
الحميد شلبي: اليوم بعد أن دعونا الأستاذ
محب الدين الخطيب كاتم سر جمعية الشبان
المسلمين لمشاهدة تمهيدية لفيلم "النبي
محمد" بدار المجمع الفني المصري
للانتداب الدولي الخامس لعموم المجمع
الفني الدولي بلوس أنجلوس بغية إيقافه على
ماهية الرواية ولاستطلاع رأيه في أمرها.
وبما أنه لم يلب الدعوة وقد انتهت مدة
العرض المقدرة فقد عدت الإدارة ذلك موافقة
على المشروع. وعلى ذلك أصدرت أوامرها
بالبدء في عمل المقطوعة المصرية للجزء
الثالث من الرواية للمناظر الداخلية في
الأراضي المصرية ابتداء من اليوم الحادي
عشر من فبراير 1930 الذي وصل فيه بعض
الأمريكان الذين لهم شأن في الموضوع.
هذه
الرسالة حملت مفاجأة شديدة الخطورة، لم
نستطع الوقوف على مدى صحتها، فقد جاء فيها
أن المخرج المصري الذي سيشارك في إخراج
الفيلم هو نفسه محمد حسن سعد الذي فجر
الموضوع على صفحات المجلة!!
ليس
ذلك فحسب، بل إنه أيضا اشترك في كتابة
سيناريو الفيلم مع الفتاة المصرية التي
تحدث عنها واسمها الآنسة فريدة!!
أما
سبب تفجيره للقضية على صفحات المجلة فقال
عبد الحميد شلبي في رسالته: إن الهدف كان
"إقامة ضجة حول الموضوع لإلفات نظر
الجمهور إليه ولشيء آخر لا يمكن إعلانه"!.
وجاء
في الرسالة ما يوضح أنه تم بناء أستوديو
هائل في هليوبوليس، وأن هناك مدينة يجرى
بناؤها في أحد أحياء القاهرة تماثل مدينة
الفسطاط، وأن الشركة حصلت على موافقة
الرقابة على الفيلم الذي سيشاهده الجمهور
المصري قبل خمسين يوما.
الأيام
الخمسين مرت، ومرت بعدها خمسون سنة وأوشكت
الخمسون الثانية على الانتهاء أيضا ولم
يشاهد الجمهور المصري الفيلم؛ فالثابت في
كل موسوعات السينما العربية والعالمية
أنه لا وجود لفيلم حمل عنوان "النبي
محمد" أو ثورة الصحراء!!
اقرأ
داخل الملف:
اقرأ
أيضا:
**
صحفي وناقد سينمائي مصري.
|