 |
|
يخطب لبناء
إمبراطورية توراتية
|
ماذا
يمكننا أن نفعل في مواجهة رجل يمتلك خطا
ساخنا مع الله؟ بل يعتبر نفسه موظفاً من أجل
رسالة إلهية، ويعتقد أن نهاية العالم
قريبة؟.. وماذا نقول عندما يكون هذا الرجل
هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؟!
عقيدة
ترسم سياسة العالم
في
نهاية شتاء 2003، أي قبل حرب العراق بعدة
أسابيع، حاول جورج بوش للمرة الأخيرة
استمالة الرئيس الفرنسي، ليقنعه في
النهاية بالرضا بأن القضية عادلة، وأن
عملية تحرير العراق هي الإرادة الإلهية،
وفي كل حججه كان بوش الابن يهاجم تلك الدول
"سيئة الأدب"، ويندد بـ"محور الشر"،
ويذكر بيأجوج ومأجوج.. يأجوج ومأجوج؟ وأمام
هذا الكلام الملغز ظل شيراك مطرق الرأس
مذهولاً. وطلب من أحد مستشاري قصر الإليزيه
سرعة فك رموز هذا التصريح. وتوصل المستشار
إلى إجابة قدمها للاتحاد البروتستانتي
بفرنسا. وقال إنه في نهاية الزمان سوف يدخل
يأجوج ومأجوج من بابليون إلى إسرائيل، بحسب
النبي حزقيال. ويبدو التفسير واضحاً لأن
يأجوج ومأجوج هما تجسيد لقوى الشر،
وبابليون التي تقع في ضواحي بغداد، قد أعاد
بناءها صدام حسين!
والعقيدة
الإنجيلية، التي ما زالت أمريكا مهد
اختيارها، هي الآن التيار الديني الأكثر
نموا في العالم بعد الحرب العالمية
الثانية، وذلك في مقابل تراجع الكنيسة
الكاثوليكية، والكنائس البروتستانتية
التاريخية (المعمدانية والميثودية) وحتى
الإسلام. والأرقام التي تصف هذه القفزة
الهائلة تصيب بالدوار: من 4 ملايين عام 1940 -من
إجمالي 560 مليون مسيحي- أصبح الإنجيليون
اليوم 500 مليون من إجمالي 2 مليار مسيحي، أي
واحد لكل 4 ويقدر عدد التحولات إلى تلك
العقيدة بـ52000 شخص يوميا. ويوجد حاليا 1400
طائفة إنجيلية، تشتمل على مليون كنيسة يقوم
عليها مليون راعٍ.
ويتنبأ
هارفي كوكس، أستاذ اللاهوت بجامعة
هارفارد، مؤلف كتاب "عودة الله"، بأن
التيار الإنجيلي سوف يستقطب مع مطلع عام 2050
نصف المسيحيين، وسوف يصبح الديانة السائدة
في القرن الحادي والعشرين.
أما
بالنسبة للمسيحيين "المولودين مرة أخرى"
(Born again) فيطلق عليهم ذلك الاسم؛ لأنهم
مدينون بتحولهم إلى الملة الجديدة، وهي
ولادتهم الثانية، لا إلى تنصير تقليدي ولكن
إلى لقاء مباشر "بين الإنسان والإنسان،
وبين الإنسان والله" أي لقاء مع المسيح.
اللقاء
مع المسيح!
وجاء
لقاء بوش للمسيح وهو في عامه الأربعين،
عندما كان يكثر بل يفرط في شرب الخمر،
وعندما كانت حياته تسير مع التيار. وقد قام
الأب الإنجيلي بيلي جراهام بدور السفير
للمسيح والمترجم للرئيس الجديد الذي أقلع
عن الشراب وغير حياته. وجاء ميلاده الجديد
مع المسيح فجعل له أجنحة يطير بها، وكذلك
حلفاء اعتمد عليهم ليصل إلى منصب حاكم
ولاية تكساس ثم الرئيس الأمريكي. ومن ثم فقد
استطاع أن يؤكد أنه استقر على هدف، وهو "إرساء
رؤية توراتية للعالم".
ولا
يستغني بوش عن صورته كمرشح للإله في عيون
الإنجيليين الأمريكيين، الذين استطاع أن
يكسب تأييد ثلاثة أرباعهم. ففي منتصف يناير
الماضي أعلن الراعي بات روبنسون مؤسس
التحالف المسيحي ذي السطوة، والراعي
السابق للقناة الإنجيلية "قناة الأسرة"
تأييده لبوش قائلاً: "إنني أسمع الله
يقول لي إن الانتخابات في 2004 ستكون
انفجارًا" وإن "جورج دبليو بوش سوف
يفوز بسهولة، بغض النظر عما يفعله سواء كان
طيبا أو سيئا. فالله يسانده لأنه رجل تقي،
والله يباركه". وقد وضح الراعي في خطابه
البليغ "أمر العالم الجديد" ذلك
الاتجاه المسيحي لأمريكا مؤكداً أنه "لن
يكون هناك سلام عالمي قبل أن يقوم بيت الله
وشعب الله بدورهم القيادي على رأس العالم".
الزحف
المقدس
 |
|
في مجمع كنسي
|
هذا
الاقتناع الهادئ، والمصدق غالبا بفكرة "المصير
الواضح" لأمريكا يؤدي إلى رغبة حقيقية
وملحة في التشيع للمذهب الإنجيلي، بل تحويل
الآخرين له. خاصة أن التيار الإنجيلي الذي
يضم 70 مليون أمريكي (ربع مواطني أمريكا)
يتداول بنفس سهولة تداول الوجبات السريعة
والكوكاكولا وموسيقى الراب، ويمد جذوره في
كل مكان من أمريكا لأوربا، وروسيا، والهند،
والصين... وهو يتجرأ حتى على الانتشار في
العالم الإسلامي، وهو المنطقة النهائية
للرسالة.
ويقفز
الرهان إلى الأعين: فأمريكا وهي أرض ومهد
انتخاب العقيدة الإنجيلية، سوف تصبح مكة
الخاصة بها. أليست واشنطن في الأصل هي
المدينة المنورة على الرابية، والقدس
الجديدة، وصهيون العالم الجديد؟ ويتابع
البيت الأبيض باهتمام كبير انتشار الكنائس
الإنجيلية. ويقوم مكتب خاص بعمل مراقبة
رسمية لحرية الأديان حول العالم، وينشر كل
عام دليل اضطهاد الأديان، والذي تأتي فيه
المملكة العربية السعودية، وروسيا والصين
وفرنسا كمتهمين باضطهاد العقيدة الإنجيلية.
ولا
يوجد مثيل لما يحدث في أمريكا اللاتينية
التي يدين نصف سكانها بالكاثوليكية، والتي
تنتشر فيها الكنائس الإنجيلية فوق أرض كانت
محرمة على البروتستانت حتى منتصف القرن
التاسع عشر. وقد بدأت حركات الدعوة
الإنجيلية الجديدة نحو عام 1970 وهو العهد
الذهبي لعقيدة التحرير، ذلك التيار
الكاثوليكي المتمركس والمعارض
للإمبريالية الأمريكية، والمصمم على
مواجهتها حتى بالسلاح. وعلى الرغم من ذلك
فقد تركت أمريكا الوسطى نفسها ليكسبها
مؤيدو تحرير العقيدة.
وهكذا
يقدم التيار الإنجيلي نفسه، وانتخبت
جواتيمالا "ريوس مونت" على رأس الدولة.
وعلى الرغم من الالتزام الديني لهذا الرئيس
الذي كان في الأساس راعيا لكنيسة كلمة
الرب، فإنه لم يتورع عن إبادة آلاف
المزارعين الهنود. وما أن انتخب البابا
يوحنا بولس الثاني، حتى قام بوضع عقيدة
التحرير في القائمة المحرمة. وبدأ
تدريجيًّا في إبعاد الأحبار "الحمر"
لمصلحة الأحبار المحافظين. ومدفوعا
بالرغبة في تحطيم الستار الحديدي، عقد
البابا عهداً مع الرئيس -الإنجيلي- رونالد
ريجان الذي وافق عام 1984 على إقامة علاقات
دبلوماسية مع العرش المقدس.
وقد
استفادت التيارات الإنجيلية من هذا
الاتفاق لكي تنتشر من نقطة إلى أخرى في
القارة الأمريكية بفضل البعثات التبشيرية
التي قام بها آلاف الطلبة الأمريكيون
الـمولودون ثانية المتحدثون البرتغالية أو
الأسبانية أو الجاراني (لغة هنود باراجواي
والبرازيل) أو التوبي وغيرها من اللهجات
المستخدمة في أمريكا الجنوبية. وأعلن "بين
أرمسترونج" المدير التنفيذي
للتلفزيونات الدينية القومية الأمريكية
"أن الأمر يتعلق بغزو أراضٍ محددة من أجل
المسيح وهي أمريكا اللاتينية. والتلفزيون
هو قوتنا الجوية، في حين أن المهتدين الذين
يتنقلون من منزل إلى منزل هم قوات المشاة
الخاصة بنا". كما تمنى "رؤية كل العالم
متحداً بواسطة قمر صناعي".
وقد
كان ربع قرن من البعثات الإنجيلية كافيا
لكي تتحول أمريكا اللاتينية عن الكنيسة
الكاثوليكية. فقد أصبح بالفعل هناك مواطن
شيلي بين كل 4 مولودين ثانية. ناهيك عن
البرازيل التي لم تعد فقط أكبر أمة
كاثوليكية، ولكنها أصبحت في نفس الوقت ثاني
دولة إنجيلية بعد الولايات المتحدة.
والدليل على ذلك هو التماس "لولا دا
سيلفا" في الانتخابات الأخيرة لتأييد
الـ (néo pentecôtistes) الإنجيلية بما فيهم تلك
المنتمية للكنيسة الكونية لمملكة الرب،
التي حوكم مؤسسها إدير ماسيدو الموظف
السابق باللوتريا الوطنية بتهمة الفساد،
والاحتيال المالي. ويحتوي مجلس الشيوخ
البرازيلي اليوم على 60 نائبا من 512 ينتمون
لكنائس إنجيلية!.
واليوم
تقوم البرازيل، بثلاثين مليون متحول
للإنجيلية، بمنافسة الولايات المتحدة في
العمل على نشر تلك العقيدة، خاصة في
أفريقيا (البرتغالية سابقاً): أنجولا،
الرأس الأخضر، غينيا بيساو وموزمبيق التي
تقوم فيها الكنيسة الكونية لمملكة الرب (اليونيفرسال)
بدور كبير في استقطاب المتطوعين. أما في
الكونغو وجنوب أفريقيا وبنين وبوركينا
فاسو فإن طوائف الـ (néo pentecôtistes) الإنجيلية
تتغلب على الطوائف الإسلامية.
المواجهة
مع الإسلام
 |
|
يصلي بخشوع
|
ولم
يسلم المغرب العربي من هذا المد الإنجيلي.
فهناك ما يقرب من 150 مبشرا يعملون في
المغرب، حسبما قال أحد المسئولين بأسقفية
الرباط. وفي الجزائر الحركة واضحة بشكل
أكبر: فهناك كنائس للبروتستانتية الجديدة
موجودة بالفعل. وهناك رعاة أجانب فرنسيون
ومصريون أو أردنيون يذهبون كثيراً إلى هناك
في زيارات رعائية. وتتعجب الصحافة المحلية
هناك ليس فقط من تلك الحرية التي تحظى بها
الحركة من الحكومة والإسلاميين، ولكن من
عدم معاقبة المتحولين من الإسلام
للإنجيلية على الرغم من أنهم حسب الشريعة
الإسلامية مرتدون ويستحقون عقوبة الموت.
ولكن هل يمكن تفسير هذا التساهل من جانب
الدولة والملتحين بالحماية التي توفرها
واشنطن للكنائس الإنجيلية؟ وذلك على الرغم
من أن دار الإسلام (التسمية الكلاسيكية
للعالم الإسلامي) يتعرض لإستراتيجية
حقيقية لغزو الأرواح.
كما
تخرج جامعة كولومبيا الدولية بكارولينا
الجنوبية مبشرين صادمين هدفهم "تصفية
الإسلام" وذلك على حد تعبير الجريدة
الشهرية الأمريكية "مازر جونز" في
الملف الذي أعدته عنهم في منتصف 2002، وهناك
300 من المولودين ثانية ينتمون إلى جمعية "المعمدانيون
الجنوبيون" Southern Baptist -وهي الكنيسة
الوحيدة التي باركت اجتياح العراق- وهم
مستعدون للذهاب للمسلمين في بلادهم
ليحولوهم إلى الإنجيلية، مستعدون في سبيل
ذلك لمواجهة خطر الموت كشهداء، كما ترعى
الجمعية في العراق منظمات إنجيلية غير
حكومية، وهي موارد السامري التي يديرها
الراعي فرانكلين جراهام، نجل بيلي جراهام
الشهير، وتقدم من بين أعمالها إنجيلا يحاكي
غلافه ملابس الجنود الأمريكيين، وقد تم
بالفعل توزيع خمسين ألف نسخة منه.
سيادة
العالم "الفوضوي"
وبذلك
يقوى اعتقاد جورج دبليو بوش في القدر
المسيحي لأمريكا. فعندما نادى صبيحة 11
سبتمبر بأن "أمريكا يجب أن تحكم العالم"
لم يكن ذلك رد فعل مغرورا، ولكنه يؤكد مرة
أخرى القانون الأساسي للعقيدة الوطنية
الأمريكية وهو: "المصير الظاهر". هذا
المفهوم الذي لخص به السيناتور ألبير
بيفريدج الطبيعة الآسرة لتلك العقيدة،
وذلك عندما أعلن عام 1898 – وهو العام الذي
أخرجت فيه واشنطن أسبانيا الكاثوليكية من
كوبا والفلبين – أن "الله جعل الأمريكان
السادة المنظمين للعالم، من أجل إقامة
النظام عندما تسود الفوضى".
الفوضى..
هذا ما تنبأ به فيليب جنكيز مؤلف الكتاب
الوقح حول الظاهرة الإنجيلية "النصرانية
الجديدة". ويتحدث فيه عن تحول مركز
جاذبية المسيحية من الغرب إلى العالم
الثالث، من الشمال المتقدم الليبرالي إلى
الجنوب الفقير المحافظ. فهو يخشى حدوث شرخ
جذري بين المسيحيين ما بعد الحداثيين وبين
المسيحيين الجدد الذين ربطوا مرة أخرى بين
الإيمان الفلكلوري وكنيسة العصور الوسطى.
والأسوأ من ذلك أن هؤلاء المسيحيين الجدد
ضحايا البؤس والميول القومية والقبلية
والمسيحية، والذين يعيشون بين الكاثوليك
والهندوس أو المسلمين، في بيرو والمكسيك
والهند وأندونيسيا ونيجيريا والسودان
والفلبين، لن ينجوا من الدخول في حرب شاملة
ضد جيرانهم إن عاجلا أو آجلا.
كما
يخلص الباحث إلى أن الغرب لن يهرب من هذا
المصير؛ لأنه سوف يجسد بابليون الجديدة،
تلك العاهرة التي يعتبر تدميرها في تصور
نهاية العالم للقديس جون، هو الشرط اللازم
لعودة يسوع أو المسيح المنتظر.
اقرأ
أيضًا:
*
نقلا عن مجلة نوفيل أوبزرفاتور
الفرنسية عدد 2051 عنوان المقال
الأصلي "الإنجيليون:
الطائفة التي تغزو العالم"،
وأعد الترجمة شيرين مجدي من أسرة
إسلام أون لاين.نت
**
كاتب
فرنسي من أصل مغاربي
|